2021-11-12

الثورة البلشفية كأعظم مغامرة خاضتها البشرية ولينين"الانتهازي الثوري"

| حسن مصاروة

يقول جون ريد، الصحفي الأمريكي الذي عاين ثورة أكتوبر المجيدة عن قُرب ووثقها في كتابه "عشرة أيام هزت العالم" في مقدمة الكتاب: "هناك عادة ما تزال سارية بعد مضي سنة كاملة على قيام الحكومة السوڤيتية، وهي التحدث عن الثورة البلشفية على أنها "مغامرة". نعم لقد كانت مغامرة، ولكنها إحدى أروع المغامرات التي خاضتها البشرية، مكتسحة التاريخ على رأس الجماهير الكادحة مراهنة بكل شيء في سبيل رغبتها الكبيرة البسيطة".

لم تكن القوى الرجعية اليمينية، بقايا الحكم القيصري والإقطاعيين، أو البرجوازية الهزيلة المرتعبة من إستكمال الثورة العمالية بعد ثورة فبراير 1917، ولا القوى الامبريالية العظمى المعادية للثورة الوليدة، هي من كانت تصف ثورة أكتوبر البلشفية بأنها "مغامرة"، كان لديها أوصاف أخرى. كان من وصف ثورة أكتوبر البلشفية بأنها مغامرة، بالذات أولئك الذين يُمكن أن نصفهم اليوم، بأنهم "الماركسيون الأرثوذوكس" الأوفى لـ"تعاليم" ماركس وتوصيفاته وتشخيصاته لمراحل تطور الرأسمالية التي تسبق الانتقال الاشتراكي ومراحل تطور البروليتاريا والظروف التاريخية التي تهيئ لقيام الثورة العمالية في أي بلد، وموقع روسيا الطرفي ووضعها الريفي المتخلف مقابل دول المراكز الرأسمالية المتطورة ضمن هذا الفهم التقليدي. كان وفاءً لتعاليم ماركس بالمعنى الدوغمائي، وكانوا "ماركسيين" بالمعنى الأرثوذكسي الكسول الذي لا يستلهم الجدل الماركسي المادي العميق في معاينة تطور الواقع العياني الملموس في كل لحظة تاريخية، كان هؤلاء هم المناشفة الجبناء المرتجفين أمام حركة التاريخ الهادرة وعاصفة الثورة وإعجازها التاريخي.

أما البلاشفة بقيادة لينين-وبدعم تروتسكي بالتحديد أمام بلاشفة آخرين أصابهم بعضٌ مما أصاب المناشفة من ارتجاف وتردد- فقد كانوا "مغامرين" حقًا، لكن ليس بالمعنى الطفولي غير المسؤول والفوضوي للكلمة، المتعالي على حركة التاريخ، بل إنها المغامرة الحتمية التي كان لا بد منها، ليست مغامرة ضد حركة التاريخ، بل المغامرة النابعة من القراءة الموضوعية لحركة التاريخ في لحظته الثورية، إنها المغامرة بضرورة إكتساح الثورة للتاريخ قبل أن يكتسحها هو بالـ"ثورة المضادة".

في الأيام التي تلت ثورة فبراير عام 1917،  كانت الطبقات المالكة تحاول أن تقلص الثورة إلى دورها السياسي لمصلحتها، كانت تريدها فقط ثورة سياسية، تقتصر مهمتها على نزع السلطة من القيصر ووضع السلطة في أيدي هذه الطبقات المالكة في روسيا، وتعمل على إقامة جمهورية دستورية في روسيا  على غرار فرنسا والولايات المتحدة. هذا كان خطابها السائد والدور الذي تحاول لعبه في توجيه الثورة، تحييد طبيعتها الاجتماعية الجذرية بالتحديد. أما ما كان يُطلق عليهم اسم "الاشتراكيين المعتدلين"، المناشفة والأجنحة التي تميل إليهم في الحركة الاشتراكية الروسية، أولئك الذين وصفناهم بالـ"ماركسيين الأرثوذكسيين" بالمعنى الدوغمائي، بالمعنى الذي قال عنه ماركس "كل ما أعرفه أني لست ماركسيًا"، كانوا يؤمنون بأن روسيا لم تنضج بعد لقيام الثورة الاجتماعية، وبأن الثورة السياسية وحدها الممكنة في تلك الظروف التاريخية. وفسروا ذلك بأن الجماهير الروسية لم تصل بعد إلى المستوى الكافي من الثقافة، لكي تتمكن من تسلّم الحكم، وأن أي محاولة في هذا الاتجاه سوف تستجلب حتمًا ردة فعل يستغلها سياسي انتهازي، لكي يعيد العهد البائد. كانوا يعتقدون أنه يجب على روسيا أن تمر بمراحل التطور السياسي والاقتصادي التي عرفتها أوروبا الغربية، وتخرج في النهاية مع سائر بلدان العالم إلى نظام اشتراكي كامل. ووقفوا مع الطبقات المالكة في ضرورة مرور روسيا في طور برلماني يحوي بعض التعديلات على الديموقراطية الغربية. وكانوا يعتقدون أن دور الطبقة العاملة في هذه المرحلة ليس تسلّم السلطة بل دعم البرجوازية في القيام بمهامها التاريخية. وكان من الطبيعي أن يذهب المناشفة حتى النهاية في تقاربهم مع أهداف الطبقات المالكة، حتى المحاربة إلى جانبهم وإلى جانب القوى الامبريالية ضد السلطة الثورية الوليدة التي استلمها العمال بقيادة البلاشفة بعد ثورة أكتوبر.

لينين حسم وجهته قبل ثورة فبراير

أما لينين، فقد كان قد حسم وجهته قبل ذلك بكثير، قبل اندلاع ثورة فبراير أصلاً. وكان هذا واضحًا من محاضرةعن فشل ثورة 1905 ألقاها في منفاه في زيورخ نظمتها جماعة اشتراكية شابة في سويسرا في 22 يناير عام 1917، قبل أيام معدود من اندلاع ثورة فبراير التي لم يتوقع لينين إقترابها إلى هذا الحد. تحدث لينين يومها بقطيعة كاملة مع أرثوذكسية حزب العمال الاشتراكي الديومقراطي، الارثوذكسية التي اعتنقها الفصيلان، المنشفي والبلشفي، بطريقتين مختلفتين باستثناء تروتسكي. أكد لينين أنه لن يكون في روسيا ثورة من مرحلتين، أولاً مرحلة برجوازية ثم مرحلة بروليتارية، أعلن قائلاً: "بلا شك فهذه الثورة المقبلة لا يُمكن إلا أن تكون ثورة بروليتارية، وبالمعنى الأعمق للكلمة: ستكون ثورة اشتراكية بروليتارية حتى في مضمونها. هذه الثورة القادمة ستظهر مستوى أكثر عمقًا.. فالمعارك الطاحنة وحدها، والحروب الأهلية وحدها، هي القادرة على تحرير الإنسانية من نير رأس المال". إلا أنه لم يستطع التنبؤ بموعد حدوث هذه الثورة، وأنهى كلامه بلهجة آسفة: "نحن من الجيل الأكبر، ربما لن نحيا لنشهد المعارك الحاسمة لهذه الثورة الحاسمة". في هذه كان مخطئًا، فهو لم يشهدها فقط، بل قادها بعبقرية ثورية حاسمة.

بعد عدة أسابيع من هذه المحاضرة، اندفع الثوري البولندي برونسكي إلى غرفة لينين وكروبسكيا المستأجرة في 12 شارع شبيجلجاسه حاملاَ أخبارًا عن ثورة فبراير، شعرا بالذهول، كما يصف المفكر الماركسي طارق علي في كتابه "مآزق لينين"، أسرعوا جميعًا إلى أكشاك الصحف عند البحيرة ليتمكن لينين من قراء الأخبار بنفسه. أشارت كربوسكيا إلى أن "عقله كان يعمل بكثافة". ومن بين الأشياء الأولى التي فعلها هو أن كتب رسالة إلى آلكسندرا كولونتاي، العضوة في اللجنة  المركزية البلشفية، كانت الرسالة بالغة الوضوح: "لن نفعل ذلك مجددًا بين صفوف الأممية الثانية، ليس مجددًا مع كاوتسكي! بأي طريقة علينا تبني برنامج أكثر ثورية وتكتيكات أكثر ثورية". وأضاف في رسالة أخرى: "البروباجندا الثورية، بنفس أسلوبها، والتحريض والنضال من أجل ثورة بروليتارية أممية، والاستيلاء على السلطة من قبل سوفييتات العمال".

كان على لينين أن يعود بأسرع وقت ممكن إلى روسيا، عقد لقاءً مع كل المنفيين في سويسرا ليناقش أفضل طريقة للعودة، طُرح اقتراح التوجه إلى السلطات الألمانية التي كانت معنية بأن تنسحب روسيا من الحرب، من أجل مساعدة لينين للعودة إلى روسيا. قبل لينين الفكرة، ولكنه حذر قائلاً أنه يمكن القبض عليهم ويُطلق عليهم النار جميعًا بتهمة الخيانة في لحظة وصولهم إلى روسيا، تهمة التعاون مع العدو الألماني من أجل إنهاء الحرب. كان كل الحاضرين مترددين من هذه الفكرة، كانوا خائفين من احتمال أن لا يرحمهم التاريخ، أما لينين فكان مصرًا وجادلهم حتى تخلوا عن ترددهم. هذه أيضًا كانت "مغامرة"، لكنها كانت أيضًا مغامرة حتمية ولا بد منها، كان لا بد للينين أن يعود ويقود الثورة، كان أمام احتمال أن يداس تحت عجلة التاريخ القاسية، لكنه اختار أن يقود حركة التاريخ العاصفة بدلاً من التردد أمامه والخوف من حُكمه القاسي المحتمل.

كانت "أطروحات ابريل" التي وضعها لينين لتحديد الوجهة القادمة للثورة بعد الوصول إلى روسيا، بمثابة قطيعة حادة مع الدوغمائيات السائدة التي وحدت سابقًا كل أطياف الاشتراكية الديموقراطية الروسية، وبشكل رئيسي الدوغما التي تقول بأن الثورة ينبغي أن تكون برجوازية ديمقراطية اعتمادًا على فهم كسول و دوغمائي لـ"تعاليم" ماركس. قدم لينين أطروحات أبريل ثلاث مرات إلى حزبه، ثم إلى مؤتمر كل الروس للسوفييت ونواب العمال في 4 أبريل عام 1917. وكانت الأطروحات نسخة مدونة مما كان يقوله لينين منذ اللحظة التي هبط فيها من القطار في محطة فنلندا. كان توجه لينين في أطروحاته حاسمًا: ينبغي أن تُنتزع روسيا من الحرب الإمبريالية بدون تأجيل، وأن يُشرح بالتفصيل والصبر للشعب الذي ظل يؤمن أنها حرب دفاعية لحماية البلد أن هذه ليست حقيقة، وأن وحدها الحكومة الثورية المناهضة للرأسمالية القادرة على السلام. ثورة فبراير وضعت السلطة في أيدي البرجوازية بدعم السوفييت، كان لينين يعتقد أن على هذا الأمر أن ينتهي، وكان ينبغي أن تتشكل حكومة بروليتارية معتمدة على السوفييتات. ومع أن البلاشفة كانوا أقلية في السوفييتات الأساسية، كان يعتقد لينين أن عليهم أن يقنعوا الناس من خلال البروبغندا والتحريض، وكان مقتنعًا بأن التاريخ كان في صفهم. نصت أطروحات أبريل على أن الأفعال الأولى للحكومة الثورية ستكون مصادرة الملكيات وتوزيع السلع تحت سيطرة السوفييت. جادل لينين بأن هذا لن يشكل الاشتراكية، ولكنه سيضع بالفعل أسس الدولة- الكميونة لخلق مساحة يمكن من خلالها أن يتحقق الانتقال إلى الاشتراكية.

لينين وحيداً ضد الاتجاه العام لحزبه

بعد أطروحات نيسان كان لينين في الحقيقة، وحيداً، يناضل ضد الاتجاه العام داخل حزبه ذاته، أتهم من داخل حزبه أنه كان "فاسدًا" ومنفصلاً عن الواقع الروسي. عندما قدم لينين الأطروحات لأول مرة في اجتماع السوفييت، وقف وحيدًا في مواجهة كل الفصائل الاشتراكية الديموقراطية، ومن ضمنها فصيله. قام بليخانوف بوصف "موضوعات نيسان" على أنها "هذيان شخص مجنون" وبينما انتاب زوجته كروبوسكايا "القلق بأن لينين قد أصيب بالجنون". واتخذت صحيفة الحزب، البرافدا خطوة غير اعتيادية، إذ لم تقم بنشر "موضوعات أبريل" داخل الحزب ولا حتى في هيئة التحرير، واصفة إياها على أنها "مجاملات انتهازية واستغلال للمزاج السائد بين العامة".

لينين كان في وصف بعض رفاقه حينها "انتهازيًا"، هو بالفعل كان كذلك، لكن بمعنى آخر، كان "انتهازيًا ثوريًا"، مثلما وصفه الفيلسوف الماركسي الفرنسي ايتان بالبيار، استطاع أن يقتنص الفرصة المناسبة للثورة وينتهزها ليقود العمال للانقضاض على السلطة. نظر إلى لينين إلى واقع ما بعد ثورة فبراير بعين ثاقبة وقراءة موضوعية، واستطاع أن يُدرك أن هناك برجوازية هزيلة تابعة للإقطاع وترتعد خوفًا من البروليتاريا والفلاحين، وأدرك أنها عاجزة عن تحقيق أي من المهمات الديمقراطية ، فانتهز الفرصة بثورية ونادى بإسقاطها. ورأى في المقابل بروليتاريا واعية منظمة في شبكة من السوفييتات واللجان وقادرة على قيادة الفلاحين وتنظيمهم، وأدرك أن البروليتاريا والفلاحين في تحالفهم معاً يشكلون القوة الرئيسية في المجتمع الروسي آنذاك، وأنهم قادرون على إنجاز الكثير من المهمات الديموقراطية الضرورية لبقاء روسيا كيانا متماسكًا مستقلاً، فانتهز الفرصة بشكل ثوري ونادى بكل السلطة للسوفييتات، انها انتهازية قراءة الواقع الموضوعي وحركة التاريخ ووضع البرنامج التكتيكات المناسبة لتحقيق الهدف الثوري. جاء لينين ببرنامج شديد الوضوح، شعاراته بسيطة وحاسمة يفهمها أتعس فلاح روسي ويتبناها ويموت من أجلها: "لتتوقف الحرب الآن وللأبد"، و"لن تموتوا سُدى بعد الآن من أجل هؤلاء"، و"الأرض لكم ولمن يفلحها".

عبقرية لينين الثورية وبرنامجه الذي وُصف بالـ"مجاملات الانتهازية"، تكمن في أنه في حين كان الفهم السائد لدى الماركسيين الدوغمائيين أن أحد الشروط الأساسية لاستلام البروليتاريا السلطة في أي دولة هو أن تشكل هذه البروليتاريا غالبية سكان هذه الدولة، رفض لينين هذه الفرضية تمامًا، ورأى أن هناك ظروفًا تاريخية قد تنشأ مثل الحروب والأزمات الاقتصادية، قد تجعل جماهير الفلاحين والبرجوازيين الصغار تلتف حول البروليتاريا وتمنحها القوة والشرعية الديموقراطية الثورية.

واستنادًا على ذلك برر لينين انتهاز الفرصة التاريخية الناشئة في روسيا آنذاك لأن تتسلم البروليتاريا السلطة في روسيا، برغم أنها كانت تشكل أقلية. وفي حين كان الماركسيون الدوغمائيون يرون أن البروليتاريا الثورية لن تستطيع أن تحافظ على سلطتها اذا تسلمت السلطة في روسيا في تلك اللحظة، ولن تستطيع أن تدير الدولة، لأنها تفتقد للشروط الذاتية التقنية بالتحديد للقيام بذلك، وكانوا يرون أن البروتاريا في روسيا تحتاج أولاً للمرور بالمرحلة الرأسمالية وأن تبقى لسنوات طويلة في نمط الإنتاج الرأسمالي لكي تكتسب هذه الشروط. لينين رفض هذه الفرضية واعتبر أن السلطة الثورية تسبق بناء هذه الشروط ورأى أنه اذا كانت الرأسمالية توفر على المدى الطويل شروط بناء المهارات التقنية لدى الطبقة العاملة مثل الكوادر والمهارات الادارية، فإن الظروف التي تهيئها سلطة العمال في السيرورة الثورية أنسب بمرات عديدة من الظروف الرأسمالية في تنمية المهارات الفنية والإدارية للطبقة العاملة. وهذه بالفعل كانت مغامرة حقيقية مخالفة ظاهريًا للشروط التاريخية وفق الفهم الماركسي التقليدي.

لهذا وصف المفكر الماركسي الإيطالي العظيم، غرامشي، الثورة البلشفية، في مقالة نشرت في جريدة "آفانتي" في 24  ديسمبر 1917 على أنها "ثورة ضدّ كتاب رأس المال لكارل ماركس". كان يعتقد غرامشي أنه في تلك اللحظة التاريخية في روسيا، كان "رأس مال" هو كتاب البرجوازيّة أكثر منه كتاب البروليتاريا. "إنه يمثل البيان النقديّ عن الكيفية التي بها يتعين أن تتبع الأحداث مساراً محدّداً سلفاً: أي كيف يتعين على البرجوازيّة أن تتطور في روسيا، وكيف يجب أن تُفتتح حقبة رأسمالية تترافق مع تأسيس نمطٍ غربي من الحضارة، قبل أن يساور البروليتاريا حتى التفكيرُ في شروط انتفاضتها الخاصّة، وفي مطالبها الذاتيّة، وثورتها المميّزة".

وأضاف واصفًا ثورة البلاشفة: "لقد فجّرت الأحداث الترسيميّة النقديّة التي تحدّد مسار تاريخ روسيا وفق قواعد المادّيّة التاريخيّة. يرفض البلاشفةُ كارل ماركس، وتشهد ممارساتهم ومنجزاتهم السافرة على أنّ قواعد المادّيّة التاريخيّة ليست بذات القدْر من الجمود كما التصوّر السابق والحالي عنها". كتب أن "ماركس توقع ما هو قابل للتوقّع. لكنّه لم يكن بمقدوره أن يتوقّع الحرب الأوروبيّة، والأحرى أنّه لم يكن بمقدوره أن يتوقّع بأن الحرب سوف تطول إلى هذا الحدّ أو أنّها سوف تترك الآثار التي تركتها فيها. لم يكن بمقدوره أن يتوقّع أنّه في غضون ثلاث سنوات من العذاب والبؤس العصية على الوصف، سوف تحفّز تلك الحرب الإرادةَ الشعبيّة الجمعيّة في روسيا كما حفزتها". الإرادة الشعبية الجمعية في روسيا التي حفزتها تلك السنوات الثلاث التي تكلم عنها غرامشي صنعت اللحظة الثورية التي قرأها لينين.

بعد أشهر من أطروحات أبريل، وتبني قواعد واسعة للجماهير العمال للتوجهات اللينينية وانتشارها بين سوفييتات العمال، كانت انتخابات السوفييتات قد أظهرت نجاحاً كبيراً للبلاشفة في بتروجراد وموسكو خصوصًا عشية أكتوبر، وكان الكل في انتظار اجتماع سوفييتات العمال التي كان من المفروض أن تقرر استيلاء العمال على السلطة، الاجتماع  الذي كان من المقرر عقده في 20 أكتوبر وتأجل إلى 25 أكتوبر بسبب مماطلة المرتجفين. وكانت اللجنة المركزية في الحزب البلشفي تراهن على الاجتماع، ولهذا كانت تنتظر انعقاده كذلك. أما لينين فقد كان مختبئًا بسبب الملاحقة في بيت بعيداً عن الأحداث، حيث كان واضحاً أن قيادة الحزب كانت تماطل رغم قرارها القيام بانتفاضة مسلحة، بينما كانت تروتسكي يحضّر لها. ولمعرفة لينين ببنية القيادة ومماطلتها، خرج من مخبئه متجهاً إلى القاعة التي كان يحتشد فيها الآلاف، وتلقى فيها الخطابات، ليصعد إلى المنصة ويقول بكل وضوح: "بالأمس كان قرار الثورة خاطئاً، وغداً سيكون متأخراً، الآن موعد الثورة"، وكانت بذلك ثورة أكتوبر، أعظم مغامرة خاضتها البشرية، "مكتسحة التاريخ على رأس الجماهير الكادحة مراهنة بكل شيئ في سبيل رغبتها الكبيرة البسيطة".

لوكسمبورغ: الدرس الأوّليّ لكلّ ثورة عظيمة

إن هذه القدرة والجرأة والعبقرية اللينينية على الإعلان أن قرار الثورة "كان خاطئًا بالأمس ومتأخرًا غدًا" وتحديد اللحظة المناسبة لانتهازها على رأس حركة التاريخ والجماهير الثائرة، هي التي جعلت الاشتراكية الألمانية روزا لوكسمبرغ تقول إن الثورة البلشفية، "لم تقم إلا بتأكيد الدرس الأوّليّ لكلّ ثورة عظيمة، قانون كينونتها، الذي ينصّ: إمّا على الثورة التقدّم بإيقاعٍ سريعٍ عاصفٍ حازمٍ يحطّم كلّ الحواجز بيَدٍ من حديد ويكبّر من أهدافه أكثر فأكثر، أو سرعان ما ستُرمى خلف نقطة الوصول الهشّة التي حقّقتها وتُهزَم على يد الثورة المضادّة". وأن تصف الحزب البلشفي بقيادة لينين أنه "وحده الحزب الذي يعرف كيف يقود، أي كيف يدفع الأمور قُدُماً، هو الذي ينال الدعم في الأوقات العاصفة. والعزم الذي أبداه لينين ورفاقه، في لحظةٍ حاسمة، في تقديم الحلّ الوحيد الذي يمكن به دفع الأمور قُدُماً («كلّ السلطة بيد البروليتاريا والفلّاحين»)، حوّلهم في عشيٍّة وضُحاها من أقليّةٍ مضطهَدة مُهاجَمة مُطارَدة اضطرّ قائدها إلى الاختباء مثل مار في الأقبية، ليصبحوا السّيد المطلَق في الميدان".

تلخص المؤرخة  الفرنسية هيلين كارير دي إنكوس في كتابها التي تناولت فيه سيرة حياة فلاديمير لينين، إنجاز لينين التاريخي، بأنها تؤكد بحق أن "عبقريته تكمن في قدرته على تجاوز المسار النموذجي للثورات، حيث تتفجر المشاعر لفترة قصيرة وترتفع طاقة النشوة الطوباوية حتى صباح اليوم التالي". كان لينين يمتلك القوة لإطالة هذه اللحظة الطوباوية كما يعلق الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك. وربما باتت هذه اللحظة الطوباية تنتمي إلى الماضي الآن بعد أن صبغت بأثرها القرن العشرين على امتداده. لكننا نريد أن نُصدق أنها أيضًا كانت ومضة ساطعة لمستقبل البشرية اليوم، في عصر تقود فيه الرأسمالية التي خرجت منتصرة من القرن العشرين بتفلت كارثي، البشرية جمعاء إلى الكارثة المحتومة، بالذات في الزمن الذي بات فيه "تخيل نهاية العالم أسهل من تخيل نهاية الرأسمالية"، في هذا الزمن بالذات، تحتاج البشرية تلك القدرة على الـ"مغامرة" لتجاوز عالمها الحالي، في سبيل "رغبتها الكبيرة البسيطة".