2002-01-01

 ملامح الوضع الدولي الجديد :
    لم تعد النوايا الأميركية بعد إعلانها الحرب على الإرهاب، وبدء تشكيلها حلفاً عالمياً جديداً، يتجاوز حلف الأطلسي والأحلاف الأخرى السابقة، ثم ضرب أفغانستان، والإعلان عن سلسلة من الأهداف اللاحقة، لم تعد هذه النوايا محل تخمين بعد أن بدت المقاصد والأهداف واضحة كل الوضوح. ويمكن تلخيص الوضع بأن الولايات المتحدة بدأت مرحلة جديدة لتقرير مصائر الشعوب بإعادة صياغة نظمها على النحو الملائم للمصالح الأميركية، وفي المقابل تظهر ارهاصات لبداية مرحلة من تحدي الشعوب للإرادة الأميركية.

    ورغم أن كارثة نيويورك وواشنطن، في 11 أيلول الماضي، كانت حدثاً فوق عادي، إلا انه لا يمكن التسليم بأن التحرك الأميركي اللاحق كان ردة فعل استهدف إشفاء الكرامة الأميركية المجروحة. إن الولايات المتحدة ومنذ تبوئها مكانة القطب العالمي الأوحد، وهي تجتهد لإبراز قدرتها على تثبيت دورها في قيادة العالم ولآماد طويلة قادمة. وكان واضحاً مؤخراً أنها لم تعد تحتمل نزعات مزاحمتها على هذا الموقع، سواء بالإحلال او بالمشاركة.

    ويشير حجم التحرك وشدة الضربات التي انزلتها على افغانستان ان الولايات المتحدة كانت تنتظر فرصة كبيرة كالتي قدمتها حادثة نيويورك وواشنطن. وكان اعلانها "إما معنا أو ضدنا" بمثابة اعلان الحسم لنزعات التطلع لمشاركتها مكانة القطب الأوحد.

    بعد انهيار المنظومة الاشتراكية برز أكثر من موقع في العالم يحاول التمرد على القيادة الأميركية. كما ان غرور النصر، وصلف التصرف تجاه مشاكل الشعوب، وظهور بوادر ومؤشرات على حدة تعميق هذه المشاكل بدل التوجه لحلها، من خلال سياسات العولمة، أبرز كراهية عميقة للغرور الأميركي، ومحاولات جسورة لإصابة وجرح هذا الغرور، الأمر الذي رأته السياسة الأميركية بدايات محاولات للنيل من وحدانية قيادتها للعالم، وهو أمر بدا خارج قدرة احتمالها.

    كان بديهياً أن تختار الولايات المتحدة ميادين لحربها بعيداً عن منافساتها القويات، وخصوصاً الحليفات السابقات منها. وكان بديهياً أن تكون حربها بمثابة رسائل تحذير قوية جداً لتلك المنافسات. وقبل ذلك وبعده بسط سيطرتها المطلقة على العديد من العقد الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية التي تضمن لها هذه السيطرة، خصوصاً بعد اعلان عودتها لخيار بناء الدرع الاستراتيجي الكوني، او حرب النجوم، وبعد تحللها من معاهدات سالت 1،2 .

    وهكذا رأينا أن مسلسل اهدافها اللاحقة بعد افغانستان تقع كلها في العالم الثالث، وحيث يمكن أن تشهد هذه الأهداف، تبديل نظمها كما جرى في افغانستان، او اكثر من ذلك.

    في بداية الاستعدادات لشن الحرب على افغانستان ظهر تردد دولي واسع تجاه مسألة الإنضواء تحت لواء الحلف الأميركي الجديد. كما ظهرت مطالبات لعقد مؤتمرات دولية لتحديد مفهوم وفعل الارهاب، والفصل بينه وبين النضال الوطني من أجل التحرر، ولقيادة الأمم المتحدة لهذا التحرك الدولي …والخ.

    وايضاً انفجرت مظاهرات في انحاء عديدة من العالم، خصوصاً في جوار افغانستان، تندد بالجريمة الأميركية. وباعتراض هنا وهناك على الأسلوب الأميركي في المعالجة.

    لكن وبعد ظهور بدايات التدليل على تحقيق نصر أميركي سريع على نظام الطالبان في افغانستان اخذت الأصوات المترددة في الخفوت ثم في التلاشي.. وأخيراً في المسارعة للانضمام الى الجهد الأميركي، حتى ممن بدا ان الحركة الأميركية موجهة مباشرة ضد مصالحها القومية، كما هو الحال مع روسيا. وفي هذا المجال أيضاً خفتت المطالبات بتحقيق مكاسب ذاتية مقابل المشاركة في الجهد الأميركي.

    بديهي ان الولايات المتحدة لا تسعى في هذه المرحلة للانقلاب على مباديء وقيم كانت بمثابة سلاحها الفعال في معركتها مع جبهة الاشتراكية. كما لا تسعى الى مجابهة مع الشعوب تضعها في تضاد مباشر مع مطامحها وأمانيها.. وعلى العكس ما زالت تواصل حملة دعايتها القائلة بمساندة هذه الشعوب للتخلص من نظمها البالية من جهة ولمساعدتها على بناء حياتها وتطوير اقتصادها ومعيشتها من جهة أخرى.. على الأقل هذا ما يبدو من دعمها المعلن لحكومة أفغانستان الجديدة، ومن دفع حلفائها لرصد معونات مالية واقتصادية كبيرة تساعد هذه الحكومة على البدء في اعمار ما دمرته الحرب من جهة، ولتحديد نهج ونظام الحياة المنشود في هذه الدولة من جهة اخرى.

    لكن تشديد الولايات المتحدة للهجتها المنذرة لمن تسميهم بالنظم الراعية للإرهاب، وتطوير حملتها بوضع قوائم جديدة وجديدة لمنظمات تحت مصنف الإرهاب، والتلويح لهذه النظم تفكيكها لهذه المنظمات والا، هذا التشديد أخذ يبث حالة من القلق عند عدد من نظم العالم الثالث التي أخذ بعضها يسابق الزمن لنيل الرضى الأميركي فالافلات من ضربة ساحقة متوقعة.

    يلفت النظر أن كثرة من نظم العالم، وعلى رأسها بعض النظم العربية،اخافها ، درس أفغانستان. وفي وعيها لهذا الدرس بدا لها واضحاً عدم جواز أخذ الإنذارات الأميركية على غير محمل الجد. رغم أن بعض هذه النظم تصنف عالمياً كباكستان مثلا في مصاف الدول الكبرى. كما كان ملفتاً للنظر مسارعة النظام اليمني لضرب قاعدة قيل أن منظمة ارهابية تشغلها في محافظة مأرب ومثل هذه الأمور تتسارع في السودان والصومال وغيرها .

    نتائج الحرب على افغانستان لم تظهر بالكامل بعد. لكن واحدة من أبرز هذه النتائج تمثلت في أن الولايات المتحدة أخذت في يديها حق تقرير الفصل بين ما هو شرعي وغير شرعي في العالم، الأمر الذي يعني تدشين بداية مرحلة تغيير واسعة في المواثيق الدولية وما درجنا على تعريفه بالشرعية الدولية.

    لم يخضع الساسة الأميركيون للمطالبات القائلة بضرورات وضع تعريف دقيق وواضح لفعل نضالي تضفى أو لا تضفى عليه صفة الإرهاب. ازاحوا رجال القانون الدولي، الفلاسفة، المفكرين .. وغيرهم من المنظمات ومراكز البحث ومواقع الفكر ..الخ على جهة، ووضعوا مفاهيمهم وبدأوا في تطبيقها فوراً بقوة القاذفات والصواريخ الأميركية .. وبدأ لهاث عالمي للحاق بهم.


    يمكن تلخيص الوضع الآن ان الدول الموضوعة على قائمة رعاية الارهاب تحاول بكل قواها شلح هذه العباءة. وسنرى لاحقاً قيامها بتنفيذ المهام المحددة اميركياً والنيابة عن اميركا. وعلامة الاستجابة للقرار الأميركي بتجميد أو تجفيف المصادر المالية لهذه الحركات والاجراءات المتشددة في المطارات وغيرها.. مؤشر كاف على ذلك.


استثمار اسرائيل للوضع الدولي الجديد :

    بالنسبة لنا كنا شهدنا كيف ان حكومة شارون حاولت جاهدة استغلال الكارثة الأميركية. وكان واضحاً لنا خطر تأثيرها على الادارة الأميركية لادراج منظمات فلسطينية على قائمة الإرهاب. وبالتالي استحصال حكومة شارون على تفويض لملاحقتها والقضاء عليها. كما كان واضحاً لنا معنى ان تصنف السلطة الوطنية الفلسطينية كراعية، او حتى متسامحة او متساهلة مع هذه المنظمات. وايضاً معنى ان تماطل السلطة في الاستجابة لمطلب الادارة الاميركية، الذي سرعان ما صار مطلباً عالمياً، لملاحقة وتفكيك بنية هذه التنظيمات وانهاء نشاطها.

    لقد استغلت اسرائيل العمليات المسلحة ضد المدنيين، لوصم نضال الشعب الفلسطيني، ، بما فيها دمغ منظمات فلسطينية، بالارهاب وحصل شارون على تفويض غير كامل للمباشرة في تنفيذ مخططه، بحجة ملاحقة هذه المنظمات، ومعاقبة السلطة، بحجة حمايتها وتوفير حرية الحركة والعمل لها. وبعدها تلاحقت المطالبات الأميركية أولا ثم الدولية، وبما في ذلك العربية، لمباشرة السلطة ملاحقة وتفكيك البنية التنظيمية والتحتية لهذه المنظمات، وللضغط على السلطة للتجاوب اكثر واكثر مع اشتراطات شارون المهينة.

    هذا كله يوصلنا الى ضرورة النظر في وضعنا على ضوء هذا الواقع العالمي الجديد، وكذلك على ضوء، مراقبة التوجه الاستراتيجي الاسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية والرامي الى تحقيق غرضين اساسين:

    الاول: اعادة تحديد دور ومهام السلطة الفلسطينية، بالانسجام مع المفهوم الامني الاسرائيلي، الذي تطور على اساس التجربة السابقة وعلى اساس التغيرات التي حدثت عالمياً،وبوصفه المرتكز الاساسي لاي حل سياسي لاحق للقضية الفلسطينية.

    وتستند اسرائيل في سعيها هذا الى تعميم مفهوم "الارهاب" على المقاومة الفلسطينية للاحتلال. وكذلك الى استخدام نفس النموذج القمعي والعسكري الذي طورته الولايات المتحدة،ضد الدول التي ترعى الارهاب.


    والثاني: خفض سقف التوقعات السياسية الفلسطينية، ازاء الحل السياسي الدائم، وقضايا المرحلة النهائية للمفاوضات. ولقد اظهر ذلك بوضوح تأقلم مشروع بيرس للمفاوضات مع رؤية شارون، والذي يتراجع حتى عما جرى طرحه في كامب ديفيد، ويعود للبدء بالمفاوضات من مواقع بعيدة جداً، والذي يشير الى تنامي التأييد داخل اسرائيل لموقف اليمين الاسرائيلي، الذي لا يرى امكانية او ضرورة للسلام، ولا لمفهوم الحل الوسط التاريخي للصراع بين الشعبين، بل ويحاول كذلك ضرب مظهر الكيانية المتواضع الذي مثلته السلطة الفلسطينية على اساس اتفاق اوسلو.


كيف يواجه الشعب الفلسطيني تجليات الوضع الجديد :

    إن حزبنا، وعلى ضوء هذه المراجعة للحالة الدولية، ولحالة الصراع الراهنة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي، يرى الانطلاق في معالجته للوضع الراهن من القضايا التالية:

    إن التشكيل الراهن للحكم في اسرائيل، وفي ظل الانحياز الاميركي الواضح، وضعف التضامن العربي والاسلامي،لا يوفر امكانية مباشرة وسريعة، لنجاح مفاوضات الحل النهائي .بل وان تغذية الأوهام بامكانية تحقيق هذا الحل وفق المعطيات المباشرة الراهنة، انما تمهد الطريق للتراجع عن الخطوط الحمراء الفلسطينية، وعن برنامج الكفاح الوطني الفلسطيني، من خلال تثبيت صيغ جزئية على شاكلة مذكرة بيرس – ابو علاء، او غير ذلك من المشاريع التي سبق وان قدمها الجانب الاسرائيلي – الاميركي بصيغ مختلفة، بما فيها العودة الى الصيغ التي رفضها الجانب الفلسطيني في كامب ديفيد.


    ان صعوبة الظرف الراهن، على نضال الشعب الفلسطيني، لا تبرر قبوله بالحلول التي تتعارض مع مضمون مصالحه الوطنية، والتي سبق ان رفضها او عارضها، وفي مقدمتها، حقه في السيادة الكاملة على اراضي دولته المستقلة. في حدود الرابع من حزيران، بما فيها القدس، وحقه الكامل في انهاء الاستيطان وتفكيك المستوطنات التي زرعت في ظل الاحتلال وخلافا لعشرات القرارات الدولية من مجلس الأمن والجمعية العمومية، وكذلك حقه في حل قضية لاجئيه على اساس الشرعية الدولية، وهي الخطوط الحمراء التي كانت قد حددتها قرارات المجلس المركزي في دوراته الأخية، وخصوصاً التي سبقت مفاوضات كامب ديفيد.


    ان تجنيب الشعب الفلسطيني، خطر حل سياسي يتعارض مع جوهر طموحاته الوطنية، في الظرف الراهن، لا يقل أهمية عن السعي من اجل المحافظة على مكتسباته وانجازاته التي حققها على مدار سنوات كفاحه الطويلة، وفي مقدمتها: توفر القاعدة الدولية المساندة لحقوقه المشروعة، من خلال قرارات الشرعية الدولية، وتزايد الاعتراف بحقه في اقامة دولته المستقلة ذات السيادة، واستصدار قرارات دولية هامة ضد الاستيطان، وفيما يخص القدس وغيرها، بالاضافة، الى التجسيد المادي المباشر لنواة الكيانية الوطنية، السياسية للشعب الفلسطيني، وان تكن محدودة، ومستهدفة، بقصد عدم التحول الى دولة مستقلة ذات سيادة.

    ان التركيب السياسي لحكومة شارون، والاندفاع الجامح نحو اليمين في اسرائيل، وبالاستفادة من الدعم الاميركي، ومن الحالة الراهنة لاعادة ترتيب الاوراق والمصالح والاولويات على الصعيد الدولي والاقليمي، لا تمنح الأساس لتحقيق اتفاق سياسي ملائم وحل للقضايا التي استعصت عندها المفاوضات السابقة مع حكومة باراك. بل انها تغذي الأوهام لدى شارون وحكومته، بامكانية فرض مشروعه الاساس في الحكم الذاتي المحدود للشعب الفلسطيني، حتى وان تمت تسميته بدولة، ولكن دون سيادة، ودون التزام بحدود الرابع من حزيران، ووفق المعالجة الاسرائيلية لقضيتي القدس واللاجئين الفلسطينيين.

    واذا ما كان صحيحاً ان شعبنا، قد لا يكون قادرا في ظل هذا الظرف، علىفرض الحل الوطني الملائم الذي ينسجم وتطلعاته ومضمون السيادة التي ينشدها، الا انه قادر بالتأكيد على افشال الحلول التي تنتقص من هذا الحق، وعدم منح اسرائيل ذرائع جديدة، للبطش او لاستخدام الحالة الدولية في حشد المؤيدين لفرض حلول سياسية جائرة على الشعب الفلسطيني، او الابقاء على حالة احتلاله الراهنة، سواء مثلما كانت عليه قبل 28/9/2000 او بعده.

    وفي هذا السياق، فان حزبنا، يحذر من مخاطر التجاوب مع موضوعة الحلول الانتقالية طويلة المدى، او التخلي عن ثوابت الموقف الوطني التي تم اعتمادها في دورات المجلس المركزي الأخير، او التراجع عن جوهر المعارضة الحقيقية لمشروع باراك الذي قدمه في كامب ديفيد، او غير ذلك مما قد يبرره البعض، بالحاجة الى الخروج من المأزق الراهن. كما ان حزبنا يدعو الى مراجعة جدوى فتح قنوات جديدة للتفاوض مع الاسرائيليين، بما قد ينسف حتى آليات التفاوض السابقة المستندة الى رعاية دولية، رغم عقمها الذي اظهرته السنوات الماضية. وعلى العكس من ذلك يدعو حزبنا، الى اعادة مراجعة فلسطينية، لمجمل الوضع الراهن. وكذلك لعملية المفاوضات، بهدف صياغة استراتيجية فلسطينية شاملة، تعالج آليات مواجهة المخاطر القائمة، وتحدد ضمن ما تحدده استراتيجية تفاوضية جديدة، بما فيها الخطة التفاوضية الفلسطينية، ومرجعيتها، والطاقم التفاوضي الفلسطيني الملائم، وذلك على اساس اتفاق وطني عام، وبالاستناد الى الخطوط الحمراء التي اقرتها المؤسسات الشرعية الفلسطينية وفي مقدمتها المجلس الوطني والمجلس المركزي الفلسطيني في دوراته الاخيرة وهي: انهاء الاحتلال والمستوطنات عن كامل الاراضي المحتلة عام 1967 ، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة عليها وعاصمتها القدس، وتأمين حقوق اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الامم المتحدة.

    ان تقدير الحالة المشار اليها، يتطلب بالضرورة، حماية الطاقات الكفاحية لدى الشعب الفلسطيني، وعدم استنزافها، بل ترشيد استثمارها في مواجهات ناجحة، وفعالة، وتحت شعارات واقعية وملموسة، وتجنيبها اية خسائر او حالات بطش غير ضرورية او مبررة. وفي هذا السياق فان حزبنا يرى ضرورة العمل جديا على تحويل الانتفاضة، بصورة حاسمة، باتجاه توضيح خطابها السياسي الواقعي، وبثها رسالة سلام، تستند الى الحقوق المشروعة لشعبنا، وتجرّد شارون وحكومته من مبررات وذرائع البطش المتواصل بها، الأمر الذي يستلزم التجاوب مع مضمون المبادرة التي سبق وقدمها حزبنا، وبالتعاون مع قوى اخرى، من اجل الخروج من المأزق الفلسطيني الراهن. كما يرى حزبنا، ضرورة تعزيز الطابع الشعبي والجماهيري والسلمي للانتفاضة، والعمل بشتى الوسائل من اجل اعادة حشد الجماهير وتنظيمها باتجاه ذلك، بما يساهم في حشد موقف عالمي يواجه استخدام شارون وحكومته الوحشي لآلته العسكرية واسلحته المتطورة في مواجهة شعبنا الفلسطيني، المحتل والاعزل عملياً.

    كما ان من الضروري من اجل النجاح في ذلك، الاهتمام بصورة جادة بمعالجة قضايا الجماهير المعيشية، وتنظيم طريقة ادارة شؤونها واحتياجاتها اليومية بصورة كريمة وملائمة.

    ومن الضروري ، في هذا السياق، التأكيد على أهمية المحافظة على الانتفاضة بوصفها حالة كفاحية، وثمرة تطور في التجربة الكفاحية للشعب الفلسطيني، وتعبيرا عن مواصلة رفضه للاحتلال ولتجاهل معالجة جوهر قضيته الوطنية. ان السماح بهزيمة الانتفاضة يعني تمهيد الطريق امام دعاة التفريط والاستسلام، من اجل السيرحتى النهاية في محاولات فرض الحلول التي تغلب المصالح الذاتية والضيقة على المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني، وحيث يستمد هؤلاء القوة والعزم، من تزايد القمع والضغط الاسرائيلي، ومن الدور المتزايد الذي يعمل الاميركان على اسناده لهم والأهمية التي يعولها عليهم.

    ان المحافظة على الانتفاضة، وتواصلها، في اطار خطاب سياسي واقعي، وبطابع شعبي جماهيري ، وفي ظل معالجة حقيقية لاحتياجات الجماهير، ممكنة، بل وضرورية لافشال اهداف شارون، وحملته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني. ولا بد ، من اجل هذا التحويل للانتفاضة، من جهد سياسي وتنظيمي وتعبوي وابداعي هائل، يقع على عاتق حزبنا الدور الاساسي في قيادته.

    وانسجاما مع ذلك، فان محاولات، وصم كافة اشكال كفاح الشعب الفلسطيني، المسلحة بالارهاب، هي محاولة ظالمة ومنافية للشرعية الدولية. لقد عارض حزبنا منذ سنوات طويلة، ذلك النوع من العمليات التي تستهدف المدنيين العزل، رغم ادراكه للاسباب التي تحفزها ، وللروح الاستشهادية العالية لمن يقومون بتنفيذها. ولكنه ميز بوضوح ايضا بين هذا النوع من العمليات، وبين المقاومة المسلحة ضد الجيش الاسرائيلي والمستوطنين على الاراضي المحتلة منذ عام 1967، بوصفها نضالا مشروعا ضد الاحتلال ومستوطنيه، واحد الحقوق التي تكفلها الشرعية الدولية لشعبنا.

    واذ يرى حزبنا، ضرورة التمييز الواضح بين هذين الاسلوبين، ويدعو كافة القوى السياسية الفلسطينية الى مراعاة ذلك بكل جدية، فانه ايضا يرى ضرورة الانسجام ، في التوقيت وتنظيم وممارسة المقاومة المسلحة المشروعة، في اطار جهد وطني مشترك، ومتفق عليه، وبدون تعارضات لا مبرر لها، على الساحة الوطنية، وهذا ما دعا اليه حزبنا منذ بداية الانتفاضة ولا يزال.

الوضع الداخلي الفلسطيني:

    لقد تعاملت السلطة الفلسطينية، كمؤسسة او كنظام سياسي، مع الانتفاضة، بادوار مختلفة. فمن موقع المساعدة النشطة من قبلها، اندلعت الانتفاضة. ثم بمساهمة نشطة انخرطت اجهزتها بفعالية فيها، وخاصة في المواجهات المباشرة في كافة المواقع. ثم عادت السلطة الى وضع شبه محايد بعد صدور تقرير ميتشل ومذكرة تينت . وانتهت الى الاعلان بوضوح عن وقف شامل لاطلاق النار.

    وعلى ايقاع تاكتيك السلطة، خلال الانتفاضة، نشطت الى حد كبير غالبية القوى الفلسطينية. وفي المراحل التي ظهرت فيها بعض التباينات، امكن التأقلم مع هذه التباينات في اطار حالة شبه الحياد التي اتخذتها السلطة، وآخذه بالاعتبار حجم العدوانية الصهيونية، واستفزازات شارون المتواصلة.

    ان الحالة الراهنة من الصراع، والاستحقاقات الدولية المختلفة، وضعت الجميع بما فيهم السلطة امام امتحان جدي من نوع آخر. فعلى الرغم من الدور الذي لعبته السلطة منذ اندلاع الانتفاضة ، ومسؤوليتها عمليا عن الايقاع العام لحركتها ،فانها باتت تواجه الان استحقاقا كبيرا ينطلق من حقيقة كونها الجهة المسؤولة الحاكمة والممثلة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وكشخصية قانونية امام الاطراف الخارجية، وبالتالي مسؤوليتها المادية والمعنوية عن نطاق سيطرتها. وهو امر يبرر الحديث عن رفض اي مظهر لازدواجية السلطة، من جهة،ولكنه من الجهة الاخرى، يطرح ضرورة المعالجة لحقيقة اخرى قائمة، وهي ان السلطة مادياً لا تسيطر على اراضيها المحتلة، وتخضع عملياً هي وشعبها للاحتلال، وتنادي بمقاومته، وبحقها المشروع في مقاومته.

    وكأي مقاومة ضد الاحتلال،فان هناك اكثر من وسيلة واسلوب، وهناك اكثر من تنظيم وجناح وقوة سياسية تمارس الكفاح بوسائلها الخاصة بها ،الامر الذي يستلزم التفاهم والتفهم، والتنسيق والتلاؤم فيما بينها وكذلك بين السلطة ،بما في ذلك ازاء مراعاة الظروف المحيطة والاساليب وتاكتيكات العمل المختلفة ،وكذلك ايضا في رؤية الغاية النهائية للاهداف التي تبغي الانتفاضة تحقيقها.

    ومثلما يستلزم هذا الامر تجنب الخلط بين المسؤوليات والادوار ،فانه كذلك يستلزم معالجة سياسية لا امنية للتباينات القائمة في الساحة الوطنية ،والتزاما في اطار المشاركة والتعددية التي ينبغي احترامها ،وبالتالي المقاومة الحازمة لاغراء الاندفاع في اطار مكافحة ما يسمى "بالارهاب" للارتداد عن العديد من مظاهر الحريات العامة والديموقراطية، واحترام القانون وغيره من اليات المجتمع الديموقراطي .

    ان هذا الاندفاع، بما في ذلك اعلان انظمة الطواريء، والاعتقال الكيفي، والسياسي،واغلاق المؤسسات سيتسبب في خلق المزيد من المصاعب، وقد يطال الحريات العامة، والسياسية والنقابية، وغيرها، الامر الذي يتعارض مع تعزيز مقومات الصمود ومواجهة العدوان. ان حزبنا يطالب بالافراج عن كافة المعتقلين لاعتبارات سياسية وكيفية، وباحترام القوانين والانظمة وسيادتها في المجتمع الفلسطيني، وبالمباشرة في اصلاح داخلي جدي وحقيقي، يعزز ثقة الشعب بالسلطة الفلسطينية ويسمح بافشال الحملات الاسرائيلية المتواصلة عليها.

    ومن المفيد في هذا السياق ملاحظة الطبيعة الدقيقة لحالة النظام السياسي الفلسطيني، والتي تعاني من محدودية اليات التأثير فيه، مما قد يولد لدى البعض ميلا للبحث عن وسائل غير مقبولة للتعامل مع هذه المحدودية ،وبالتالي يقرب المجتمع الفلسطيني من حالة صراع طويل ،له اول وليس له اخر.

    ان تعطيل او تهميش مختلف المؤسسات والاليات الشرعية التمثيلية، يزيد من مصاعب مواجهة التحديات الراهنة، ولذلك فان من المفيد راهنا اعادة تحديث وتطوير المرجعيات الشرعية المختلفة للشعب الفلسطيني، وان تأخذ هي وزنا اكبر في صناعة القرار، ومعالجة تحديات الواقع الراهن، وكذلك توسيع المشاركة الضرورية للقوى السياسية والاجتماعية في مختلف قضايا الشأن الداخلي الفلسطيني.وفي هذا المجال من الضروري تفعيل دور م ت ف ومؤسساتها ،والمجلس التشريعي ،واطارات القوى الوطنية والاسلامية ومختلف الاشكال التمثيلية الاجتماعية والنقابية للشعب الفلسطيني ،والعمل على تطوير مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية، تمهيداً لتوسيع قاعدة وآليات التأثير والمشاركة في صنع القرار الفلسطيني، والى حين توفر امكانية لاجراء انتخابات شاملة تسمح بصياغة معايير ديموقراطية ومستقلة في آليات السلطة والحكم وادوار القوى المختلفة، المشاركة او المعارضة ضمن هذه الاليات.

    اخيراً فان هناك تغيرا ملحوظاً في تركيبة القوى السياسية الفلسطينية، مظهرها الابرز تنامي دور حركتي حماس والجهاد الاسلامي. ومثلما يطرح هذا الامر تحديات سياسية فيما يخص البرنامج الوطني ل م.ت.ف ، ومبدأ المفاوضات وغيره، فانه يطرح تحديات مجتمعية وايدلوجية ايضا، ويضع ضمن معالجة موضوعة التحالفات، ليس فقط الطابع الوطني العام في النضال ضد الاحتلال، وانما برنامج هذا النضال ايضا، والمضمون المجتمعي، الديمقراطي، المنشود.


    ولعل من أبرز المهام امام الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية، على الصعيد الدولي، الإفلات من تكريس محاولة وصم نضال الشعب الفلسطيني بالارهاب، ومحاولة تكريس اجماع دولي ضاغط يرمي الى قصر المعالجة الراهنة للقضية الفلسطينية على الطابع الأمني، الأمر الذي سعت اليه حكومة شارون منذ البداية، وحظيت على اساسه بتواطؤ الولايات المتحدة واسنادها له، ثم تجاوبا اوروبيا ودوليا متفاوتا في الاشهر الاخيرة . إن اعادة تكريس الجوهر الحقيقي للصراع، باعتباره نضالاً ضد الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان، وبالتالي وجوب معالجته معالجة سياسية على هذا الأساس، تستند الى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وتعزيز التأييد المعلن لحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته ذات السيادة على اراضيه، ان هذه المهمة باتت تتصدر جدول الأعمال الوطني الفلسطيني على صعيد حركته الدولية السياسية والدبلوماسية.

    ولا شك أن اعادة تجنيد التأييد لهذا الموقف، يمكن ان تتسع لتشمل مختلف اشكال التضامن والتأثير المطلوبين، بما فيها استثمار العلاقات السياسية لحزبنا ولقوى الحركة الوطنية، مع القوى والأحزاب الاوروبية ومع منظمات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وتنشيط حركات التضامن بما فيها، حملات الحماية الشعبية الدولية، وحشد مواقف مؤيدة للحقوق الفلسطينية في البرلمان الاوروبي، وعلى صعيد الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية، في مختلف انحاء العالم، والمباشرة بشق حملة اعلامية عالمية، تركز على ضرورة انهاء الاحتلال، وتأييد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة، باعتبار ذلك الأساس لانتهاء دوامة العنف في المنطقة، وعدم التجاوب مع محاولات الحكومة الاسرائيلية المتواصلة لحصر الصراع في الطابع الأمني فقط.

    ويرى حزبنا وفي هذا السياق، ضرورة المساهمة في تنشيط حركات السلام الاسرائيلية، المعارضة للاحتلال، والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، وذلك من خلال، التأكيد على طابع الخطاب السياسي الفلسطيني الواقعي، الذي اقرته الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وتمت على أساسه عملية السلام، والمستند الى تطبيق قرارات الشرعية الدولية، والحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومبدأ دولتين لشعبين.

    لقد تميّز موقف حزبنا منذ البداية، بالعمل الصريح والناشط مع قوى السلام الحقيقي في اسرائيل، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي الاسرائيلي، وكافة القوى والأحزاب العربية، وحركات السلام الاسرائيلية التي تناهض الاحتلال، وتحت شعار دولتين لشعبين ومناهضة الاحتلال. وتم تجنيد قوى سلام مختلفة في اسرائيل، في احتجاجات وتظاهرات، ومواقف مشتركة، قاومت بشكل او بآخر حدة الاندفاع نحو اليمين والتطرف في اسرائيل. وبدون شك فإن اعادة تنشيط هذه العلاقة مع ذات القوى، وتوسيعها، والاستفادة من التنسيق المميز بين حزبنا والحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، سيساعد كثيراً في كسر حدة التشويه الكبير لنضال شعبنا الفلسطيني، الذي تثابر عليه الحكومة الاسرائيلية.


كانون ثاني 2002                                 حزب الشعب الفلسطيني