2001-01-21

يواجه شعبنا الفلسطيني، في هذه المرحلة، محطة حرجة من محطات كفاحه الوطني. فبرغم عدالة قضيته الوطنية والتضحيات الغالية التي قدمها على مدار تاريخ كفاحه، وخلال انتفاضته الباسلة المستمرة، وبرغم العدوانية الصارخة للاحتلال الإسرائيلي، وسياسة "إرهاب الدولة المنظم" التي يمارسها، فان شعبنا يجد نفسه في مواجه حالة تهدده بخسارة العديد من الإنجازات التي حققها في إطار سعيه الدؤوب لإنجاز استقلاله الوطني، واقامة دولته المستقلة ذات السيادة، وذلك من خلال محاولات وصم حقه المشروع في الكفاح الوطني "بالإرهاب" وإسقاط نموذج الحالة الأفغانية على شعبنا وحركته الوطنية.

لقد عكست الحالة الدولية التي نشأت بعد أحداث 11 أيلول في واشنطن ونيويورك، ثم الحرب الأفغانية، واستعدادات الولايات المتحدة المتواصلة لتكرارها في بلدان أخرى من العالم، عكست آثارها بصورة ملموسة على قضيتنا الوطنية. وقد مكنت شارون من استثمار بعض الأخطاء في أساليب العمل الفلسطيني، من اجل حشد تأييد دولي لحملته العدوانية على شعبنا وحقوقه الوطنية، وإظهار هذه الحملة في سياق الجهد الدولي لمكافحة "الإرهاب". ويعتمد شارون بصورة أساسية على تحالفه المتين مع الولايات المتحدة الأميركية، وعلى استغلال حالة الرفض الدولي للعمليات التي تستهدف المدنيين داخل اسرائيل، وكذلك على مجموعة من النواقص الأخرى في الأداء الفلسطيني.

لقد أدت هذه التطورات، إلى وضع الشعب الفلسطيني وقيادته، امام حالة دفاعية لا تحسد عليها. وبدلت أولويات معالجة القضية الفلسطينية، بالنسبة لأطراف دولية متعددة، من الحاجة لبدء معالجة الجوهر الحقيقي للصراع، ولتجليانه المختلفة، والمتمثل في إنهاء الاحتلال, والسير قدما في دعم الاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني, واقامة دولته المستقلة، إلى ربط هذا الدعم والتأييد، باستحقاقات داخلية فلسطينية، وللتهرب من تزايد المطالبة بإنهاء الاحتلال، وتأكيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

وفي هذا السياق، يجب الاعتراف، أن هذا التبدل الخطير، ليس فقط نتاج التآمر على الشعب الفلسطيني أو التحالف العدواني بين اسرائيل والولايات المتحدة، بل انه أيضا نتاج الاستخفاف في قراءة المتغيرات الدولية التي نشأت بعد 11 أيلول. وهو أيضا نتاج إضعاف الطابع الجماهيري والشعبي للانتفاضة.‎، وعدم وضوح خطابها السياسي الواقعي، والخلط في أساليبها الكفاحية، فضلا عن إهمال القضايا الأساسية لجماهيرها. لقد تغلبت الاعتبارات الفئوية والتفرد في اتخاذ القرارات, ذات الأثر الوطني العام , على المعالجة المشتركة للمصاعب المتزايدة أمام الانتفاضة، بما فيها تلك القرارات الخاصة بالعمليات الاستشهادية. ولم يجر أي تفعيل جدي لإطارات العمل القيادي الفلسطيني المشترك، وفي مقدمته منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها. ولم تحسم الأطر القيادية الوطنية والإسلامية التي نشأت في ظل الانتفاضة، موقفا موحدا بالنسبة لخطابها السياسي، أو لأساليب المقاومة والعمل الكفاحي، الجماهيري والمسلح.

إن مواصلة العمل وفق ذات الآليات دون النظر إلى التغيرات التي فرضها الواقع الدولي بعد 11 أيلول ، لن تؤدي إلى معالجة الحالة الراهنة لشعبنا الفلسطيني، بل تهدد بتفاقمها، خاصة وإنها تتم في ظل جدول أمني وسياسي إسرائيلي، يستهدف منع شعبنا من تحقيق حقوقه المشروعة، ويرمي إلى مواصلة سياساته العدوانية، وفرض املاءاته التي تستهدف, في نهاية الأمر، الإضعاف الشديد للسلطة الفلسطينية،و إنهاك المقاومة الوطنية الفلسطينية، واستثمار الحالة الدولية الراهنة لمساندة اسرائيل ولقطع الطريق على تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني.

إننا نرى ضرورة المبادرة إلى معالجة استراتيجية شاملة للوضع الفلسطيني الراهن، تستند إلى الصراحة والوضوح والالتزام، وتستهدف تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وانخراطه الفعال في مواجهة المخاطر الراهنة، واعادة وضع أولويات القضية بصورتها الصحيحة على مختلف المستويات: فلسطينيا، وإقليميا، ودوليا,والتي تتلخص في ضرورة إنهاء الاحتلال، وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني، أساسا لوقف دوامة العنف وإنهاء حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يعني ضرورة العمل على ما يلي:

تأكيد الخطاب السياسي الفلسطيني الواضح، والذي يتلخص بأن هدف نضال الشعب الفلسطيني المباشر هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإزالة المستوطنات عن كامل الأراضي المحتلة منذ حزيران عام 1967، بما فيها القدس العربية ، وتأمين حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم ، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة ,تطبيقا لقرارات الأمم المتحدة وخاصة 242 و 338 و194.

إن الانتفاضة الشعبية الباسلة هي حالة كفاحية ضرورية لمواصلة النضال ضد الاحتلال، يجب الحرص عليها واستمرارها، وتطوير برنامجها واستعادة طابعها الشعبي، وعدم وضعها في تعارض مع المفاوضات او غيرها, بل تأكيد إمكانية التلازم, بينها والنظر إلى الانتفاضة باعتبارها ثمرة تطور ملحوظ في التجربة الكفاحية الفلسطينية، وفي التعامل مع واقع المماطلة والتسويف واستمرار الاستيطان وعدم الجدية في تعامل اسرائيل مع عملية السلام، ورغبتها في المحافظة على الاحتلال ورفض أية مقاومة له.

في نفس الوقت، فان الشعب الفلسطيني، يمتلك حقا مشروعا كفلته له الشرعية الدولية، في اتباع مختلف أشكال المقاومة ضد الاحتلال ومستوطنيه . وان استخدامه لهذا الحق المشروع رهن بإرادته وباعتباراته الداخلية وبمصالحه الوطنية وبتقييمه الملموس للحالة السياسية القائمة.

ومع إن المسؤولية الأساسية لكافة ردود الفعل الفلسطينية ,تتحملها السياسة والممارسات العدوانية الصهيونية ضد شعبنا , فقد دعونا على الدوام إلى وقف النشاطات المسلحة التي تستهدف المدنيين وتحييدهم عن دائرة المقاومة المشروعة ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه ,نظرا لما تلحقه من أضرار و من ردود أفعال ,على المستوى الدولي . إن وقف العمليات التي تستهدف المدنيين داخل اسرائيل يشكل ضرورة لسحب الذريعة التي تستخدمها إسرائيل لوصم نضال شعبنا الفلسطيني بالإرهاب, خاصة, وان المجتمع الدولي بات يصفه بذلك بالإضافة إلى ما تشكله هذه الوسيلة من مصدر لإثارة الجدل والاختلاف في الساحة الفلسطينية .

إن تفهم هذا الأمر يساعد في تعزيز مطالبتنا المجتمع الدولي بالتصدي لممارسات اسرائيل الإرهابية ضد المدنيين الفلسطينيين ولسياسة العقاب الجماعي والاغتيالات وغير ذلك من أشكال إرهاب الدولة المنظم.

تأكيد رفضنا القاطع لمخطط القيادة البديلة الذي تحيكه حكومة شارون .إننا ندعو شعبنا وسائر قواه لمواجهة هذا المخطط ودفنه في مهده. ونؤكد إن شرعية القيادة الفلسطينية مستمدة من شعبها وثقته بها ومن التزامها بقضيته وأهدافه الوطنية، وليس من أي مصدر خارجي.

ضرورة التفعيل الفوري لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وبشكل خاص اللجنة التنفيذية ,لتأخذ دورها كمرجعية عليا لشعبنا وللسلطة الوطنية ,والالتزام بانتظام أعمالها وتنفيذ قراراتها ,واعتماد قرارات مجلسها المركزي الأخيرة أساسا للتحرك السياسي الراهن، وتحسين أداء السلطة الفلسطينية باعتبارها النواة للدولة الفلسطينية العتيدة، وذلك من خلال المعالجة الجادة والنزيهة لاحتياجات المواطنين, وباحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض الاعتقال السياسي وإغلاق المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي ووقف العمل بأنظمة الطواريْ.

إن المطلوب هو المباشرة فورا بفتح حوار وطني شامل تشارك فيه القوى الوطنية والاسلامية على قاعدة الالتزام وحق التباين والمشاركة, وعلى أساس احترام صلاحيات السلطة الفلسطينية ووحدا نيتها, وعدم الخلط بين أدوار ومسؤوليات القوى المختلفة الأمر الذي يمكن أن يتمخض عنه برنامج عمل مشترك يمهد الأساس لاقامة حكومة وحدة وطنية تتصدى للمهام الداخلية العميقة ولمهام إنجاز الاستقلال الوطني.

أن المحافظة على الوحدة الوطنية الفلسطينية, وتفويت الفرصة على أي مظاهر للاقتتال الداخلي, تتطلب معالجة سياسية رصينة للحالة الراهنة والابتعاد عن المعالجة الأمنية المجردة لها.

المباشرة فورا, وعلى أساس هذا البرنامج, إلى تحرك مشترك: عربي واسلامي ودولي يستهدف عقد اجتماع عاجل لمجلس الامن الدولي لاستصدار قرار جديد يلزم اسرائيل بوقف العدوان فورا, وإرسال قوات دولية لتأمين الحماية للشعب الفلسطيني ,ولوضع آلية دولية لاستئناف عملية السلام من اجل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية, وخاصة 242 و338 و194 ,والقاضية بإنهاء الاحتلال العسكري والاستيطاني ,واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود الرابع من حزيران, وتأمين حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة , بوصفها الأهداف الأساسية التي اندلعت الانتفاضة من اجل تحقيقها، وبوصفها الجوهر الحقيقي للصراع القائم على الأرض الفلسطينية.

حزب الشعب الفلسطيني

الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني(فدا)

جبهة النضال الشعبي الفلسطيني

في 21 كانون أول 2001

فلسطين رام الله