2001-01-01

عقدت اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني اجتماعاً موسعاً في جلستين متزامنتين، واحدة في غزة والأخرى في رام الله وبجدول اعمال واحد، حيث ناقشت الوضع السياسي الراهن وتطوراته وأهمية تعزيز الانتفاضة الفلسطينية، وأصدرت التقرير التالي:

سيكون للانتفاضة الفلسطينية المجيدة تأثيرات كبيرة وملموسة، تحدد مضمون الحل النهائي للقضية الفلسطينية وكذلك مستقبل العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية والعربية والاسرائيلية كما انها ستؤثر بصورة كبيرة على الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط.

فلا تزال الانتفاضة الفلسطينية تفجر، منذ انطلاقتها في التاسع والعشرين من شهر أيلول الماضي، مخزوناً نضالياً هائلاً، طالما ميز نضال شعبنا البطولي من أجل نيل حقوقه في التحرر الكامل واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وتأمين حق العودة.

شارك حزبنا ويشارك مع باقي القوى الوطنية والاجتماعية الحية والنشطة، مقدماً اسهامه في هذا الكفاح المجيد، ومواكباً لمسار الانتفاضة وتفاعلاتها وتطوراتها منذ يومها الأول. ان كان ذلك على الصعيد السياسي وطرح مهام وقضايا وشعارات تحولت الى مواقف عامة لمجموع الحركة الوطنية، او على صعيد التعبئة الجماهيرية والتنظيمية، والمشاركة الكفاحية في فعاليات الانتفاضة المختلفة من مواجهات ، مسيرات، تظاهرات. وكان من الطبيعي، ان يدفع شعبنا بمن فيه رفاق حزبنا واصدقاؤه ومؤيدوه نصيبهم في هذه المعركة، شهداء وجرحى ومعتقلين ومطاردين، وأن يدفع عمالنا ومزارعونا وتجارنا ونساؤنا وطلابنا وجميع فئات شعبنا ثمن صمودهم من قوت عيشهم وعيش أسرهم وفلذات أكبادهم، جراء حصار التجويع المجرم الذي لا يزال مفروضاً علينا، وأن يقدم شعبنا بعزيمة أبنائه وبهامات مناضليه المرفوعة عالياً ثمن الدفاع عن الوطن وحريته واستقلاله.


الانتفاضة والحالة الفلسطينية العامة:


جاءت زيارة شارون للحرم القدسي الشريف بمثابة صاعق التفجير للانتفاضة المجيدة والتي كانت عوامل تشكيلها وتفجيرها تتراكم منذ فترة غير قليلة. ورغم تنوع هذه العوامل، وتعارضها احياناً، إلا انها تبلورت على شكل تراكم للغضب الشعبي كان لا بد أن ينفجر في وجه الاحتلال.

لقد أذكت نار الغضب الشعبي تلك التراجعات الاسرائيلية عن تطبيق الاتفاقات الموقعة، والمماطلة المستمرة في تنفيذ التزاماتها، والمضي قدماً، في نفس الوقت، في نهب الأرض الفلسطينية، وتصعيد وتائر البناء الاستيطاني عليها، واستهانتها المتواصلة بمشاعر شعبنا الوطنية، وبالأعراف وقرارات الشرعية الدولية.

كما بدا في الفترة الماضية وكأن جبهة المفاوضات هي جبهة النضال الوحيدة لاسترداد حقوق شعبنا الوطنية. ولما كانت الجماهير تتابع أداء المفاوضين وعدم جدية الجانب الاسرائيلي في التعامل مع مطالبهم، ظلت تنتابها حالات القلق والشكوك من النتائج المحتملة لهذه المفاوضات، خاصة وان اداء المفاوض الفلسطيني، وطيلة السنوات الماضية، لم يحظ برضاها في الكثير من الأوقات، نظراً لما اعترى عمله من ثغرات ومن سوء في الأداء اثمر اخطاء لم ينكرها المفاوضون، وانتقدها كثيرون في جهاز السلطة ذاتها، الأمر الذي فسر استهتار الجانب الاسرائيلي ومحاولاته المتكررة لتبديل مرجعية المفاوضات، واملاء اتفاق مهين لقضايا الحل النهائي ينتقص بشدة من حقوق شعبنا، ويسدل الستار على قضيته الوطنية.. وبدوره تحول القلق والشكوك الى غضب اخذ يتجمع في الصدور، وتجسد في تفعيل جبهات النضال الوطني الفلسطيني الاخرى الى جانب جبهة المفاوضات، تسندها وتدعمها، في النضال من اجل انجاز حقوقنا الوطنية، مع ضرورة اعادة النظر في نهج التفاوض برمته، وتشكيل مرجعية سياسية جماعية وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار.

وفي ذات الوقت فان اداء السلطة على الصعيد الداخلي الاقتصادي - الاجتماعي، وتفاقم الفساد، وتبذير الأموال، وصراعات الاجهزة وتجاوزاتها ، والتراجع المستمر في مستوى المعيشة ..الخ، شكل هو الآخر عامل تحريك اضافي للحالة الشعبية. واذا كان مقدراً ان ينفجر هذا الغضب في أي لحظة من اللحظات، فان وجود الاحتلال وانتهاكه المتواصل للاتفاقيات الموقعة، ونهبه المتصاعد للارض والبناء الاستيطاني، حوله، وبحق، نحو الاحتلال. وبالتالي فان كنس الاحتلال من على الارض الفلسطينية واستعادة الحقوق الوطنية، يبقى القضية المركزية في المرحلة الراهنة.

انجازات الانتفاضة

اننا نعِّرف الانتفاضة الفلسطينية، بأنها مرحلة نوعية جديدة، جدد خلالها الشعب الفلسطيني حالة الكفاح. وهي إبداع نضالي شعبي ، وحالة نضالية جماهيرية عامة، تعبر عن خصوصية الواقع الفلسطيني، وقادرة على الحاق الخسائر بالاحتلال، وتجنيد الضغوط الخارجية عليه، لفترة زمنية طويلة ومتواصلة، ومن هذه السمات تكتسب قابليتها على الاستمرار.

لهذا فاننا لا نتحدث ولم نتحدث عن انقلاب سريع، أو عن انتفاضة مسلحة، وانما عن انتفاضة شعبية، تكتسب خصوصية معينة بسبب نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، ونتائجها لن تقاس بضخامة اعداد الشهداء والجرحى، وانما بما ستحققه من انجازات سياسية على طريق النضال من أجل التحرر والاستقلال والعودة، وهي انجازات لا يمكن الحصول عليها في حالتنا الفلسطينية بالسرعة المرغوبة، او بالصورة التي حدثت في جنوب لبنان، الأمر الذي يعني عدم امكانية الاستغناء عن المفاوضات شريطة تلازمها مع فعل الانتفاضة.

وفي هذا السياق فقد أكدت الانتفاضة مجموعة من الحقائق اصبح من غير الممكن تجاهلها. فقد أكدت:

اولاً: بأنه لا يمكن تجاوز قرارات الشرعية الدولية.

ثانياً: أن الشعب الفلسطيني يملك خيارات أخرى وليس خياراً وحيداً هو خيار المفاوضات.

ثالثاً: ان اختلال موازين القوى لصالح اسرائيل لا يحقق لها الحل الذي تريد.

رابعا: ان ما يسمى بخطة التراكم في مفاوضات المرحلة الانتقالية لم تؤد الى النتائج التي تمناها اصحابها، بسبب سياسة اسرائيل المتعنتة ورفضها تنفيذ الاتفاقات، وقيامها بالمقابل بمراكمة وقائع استيطانية وتوسعية على الارض، مما ادى الى اتساع مظاهر السخط الجماهيري.

خامسا: ان مأزق الدور الأميركي في المنطقة بسبب انحيازه الى اسرائيل، قد أصبح بفعل الانتفاضة عاملاً ضاغطاً على الادارة الاميركية، يملي عليها احداث توازن بين مصالحها مع اسرائيل، ومصالحها الاقليمية في المنطقة.

وبالاضافة الى ذلك فقد أنجزت الانتفاضة سلسلة من الانجازات والمكاسب التي لا يمكن تجاهلها او اغفالها:

أول هذه الانجازات تمثل في وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قواه الوطنية. فاذا كانت الشرارة قد بدأت في القدس وبزيارة شارون الوقحة للمسجد الأقصى فإن لهيبها سرعان ما انتقل الى كافة تجمعات الشعب الفلسطيني المتواجدة على اتساع العالم. ان هذا الانجاز الذي تحقق لأول مرة، منذ فترة غير قصيرة، قد قدم، وعبر هتافات الانتفاضة وشعاراتها المرفوعة والمطالبة بتحقيق الأهداف الوطنية، صورة رائعة عن عزم الشعب وتصميمه على تحقيق هذه الأهداف. كما أن حركته الموحدة ساهمت بفعالية في إيصال مطالبه، وتفهم حقوقه، الى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي وتجنيد طاقات منها للضغط على حكوماتها ومطالبتها الوقوف الى جانب الحق الفلسطيني.

وفي إطار وحدة جميع الأحزاب والقوى والفصائل ، ضيقت الانتفاضة الهوة التي كانت قائمة في الصف الوطني. واذا كانت الانتفاضة لم تنجح في كسر كل اغلال اتفاقات اوسلو فانها في الواقع حطمت العديد من تلك الأغلال. وقبل هذا وذاك صلبت الموقف التفاوضي وليس فقط ان صوت المتهافتين بأي ثمن على انجاز اتفاق قد خفَت، بل ان صوت بعضهم علا في اتجاه التصلب وكأنما ليدفع عنه تهمة التفريط أو التهاون بشأن الحقوق الوطنية.

لكن ربما يكون أكبر انجازات الانتفاضة سقوط الأوهام القائلة بأن البناء الفلسطيني لمؤسسات السلطة هو على ما يرام ، خلافاً للرؤية الواقعية لهشاشة هذا البناء، ولسوء الادارة ولسلبية تأثير سوء الاداء الاداري على القضية الوطنية. لقد أوضحت الانتفاضة ان تضخم الجهاز الوظيفي شكل عائقاً في سبيل التقدم، سواء على الجبهة الوطنية، أو على جبهة البناء الداخلي. وهناك اقرار الآن بأن قوى الأمن المتعددة لم تستطع أن تشكل درعاً لحماية الوطن. وبوضعها الحالي لا يمكنها أن تكون كذلك. وايضا هناك اقرار بشلل العديد من أجهزة ومؤسسات السلطة والحاجة لإعادة بنائها على أسس سليمة ومن جديد. ويأتي المجلس التشريعي الذي غاب دوره وتأثيره بشكل كامل في مقدمة هذه المؤسسات، اضافة للعديد من الوزارات التي غاب دورها تماماً عن الساحة الوطنية الأمر الذي يعني أن لا مجال أو مفر من تبني النهج الديمقراطي لبناء دولتنا الوطنية المستقلة وبناء مؤسساتها لاحقاً. وقبل هذا وذاك ترشيد انفاق المال العام وبناء اقتصاد وطني يخلصنا من طائلة الاعتماد على سوق العمل الاسرائيلي المستخدم سيفاً مصلتاً على رقاب عمالنا ورقاب جماهير شعبنا.

واذا كان من الصحيح القول أن انجازات الانتفاضة تحتاج الى الكثير من العمل حتى تصبح غير قابلة للتراجع عنها، فانه اتضح أن الوضع العربي والاسلامي والعالمي والداخلي الاسرائيلي لم ينضج بعد لتطوير هذه الانجازات. لقد استطاعت الادارة الاميركية أن تستبدل المطلب الفلسطيني بلجنة تحقيق دولية، والمساند دولياً وعربياً واسلامياً، بلجنة تقص للحقائق ثم فرغتها من مضمونها. كما تحاول الادارة الاميركية احتواء المطلب الفلسطيني بكسر الاحتكار الأميركي لرعاية المفاوضات واستبداله بمشاركة رمزية دولية، اوروبية – روسية، صينية وعربية ومن الأمم المتحدة.

وعلى صعيد اسرائيل فاقمت الانتفاضة من أزمة النظام الحاكم، كما عبرت عن ذلك مواقف حكومة باراك السابقة التي اخذت تناور للافلات من الأزمة، بتقديمها الوعود عن حل ممكن عبر الادارة الأميركية.. وعرضت تقليصاً جزئياً لمطامعها، الى حد الاستعداد للاعتراف بدولة فلسطينية وعلى أجزاء من القدس ايضاً، ولكنها اصرت في الوقت نفسه على تثبيت وضم الكتل الاستيطانية، والغاء حق اللاجئين في العودة، وابقاء سيطرتها الأمنية على مواقع استراتيجية من أراضينا، وعلى اجوائنا وحدودنا ومعابرنا.

وعلى خلفية فشل هذه السياسة جاءت نتائج الانتخابات الاسرائيلية، وانتخاب اريك شارون لرئاسة الوزراء لتؤكد تفاقم أزمة الحكم في اسرائيل في فرض حل مجحف ومنقوص على الشعب الفلسطيني. وعدم جاهزية الرأي العام الاسرائيلي في هذه المرحلة، للتوصل الى حل نهائي يستجيب للمطالب الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية، واستعداده لدعم استخدام المزيد من القوة والعدوان لقمع انتفاضة شعبنا وهذا ما أراد التعبير عنه بالتصويت لصالح اريك شارون.

لقد شكل فشل سياسة حزب العمل، وادراك حزب الليكود ان سياسته القائمة على الضم والالحاق وأرض اسرائيل الكاملة ستصطدم بعقبات جدية ، القاعدة العريضة المشتركة لائتلاف الحزبين في حكومة "الوحدة الصهيونية" التي تشكلت برئاسة شارون، وتبنت شعار أمن الاحتلال الاسرائيلي اولا! وعدم التفاوض في ظل العنف! أي عدم التفاوض في ظل استمرار الانتفاضة.

لهذا فإن مواصلة الانتفاضة وتعميق مضامينها الشعبية، وعزل حكومة شارون على الصعيدين العربي والدولي، وعدم العودة الى نمط المفاوضات بمعزل عن الحركة الشعبية كما كان الأمر قبل الانتفاضة، هي مهام اساسية ، تنتصب الآن أمام القيادة الفلسطينية ومختلف القوى والفصائل، ويكتسب تنفيذها أهمية مضاعفة.

واذا كان فشل حزبي العمل والليكود في فرض سياستهما على الشعب الفلسطيني، هو عامل التوحيد الذي جمعهما في حكومة واحدة، فإن هذا يعني وعلى نفس المستوى، ان اسباب ازمة الحكم في اسرائيل، لا تزال قائمة وعميقة، وستزداد حدة، كلما تصاعد كفاح الشعب الفلسطيني وانتفاضته ضد الاحتلال. ومن هنا فان مستقبل هذه الحكومة الاسرائيلية سيكون مثل سابقاتها، وسيتوقف مصيرها على طبيعة تعاملها مع الانتفاضة، وعلى مدى قدرة الشعب الفلسطيني في تعزيز وحدته وصموده ومواجهته لها، وفي التمسك بحقوقه الوطنية وعدم التنازل عنها.

اما على صعيد السياسة الأميركية، او ما يسمى بالوسيط "الوحيد والنزيه" فيبدو واضحاً ان استبدال ادارة كلينتون السابقة، بادارة جمهورية جديدة برئاسة بوش الابن، سيؤدي ايضاً، الى استبدال اساليب التعامل الاميركية مع قضايا الشرق الاوسط، باتجاه اتباع سياسة أكثر تركيزاً على منطقة الخليج ومحاولة بناء توافق اقليمي - او حلف اقليمي اذا امكن - ضد العراق.

وقد جرى تدشين هذه التوجهات لدى الادارة الاميركية الجديدة من خلال سلسلة من الاجراءات والخطوات، جرى تجسيدها عملياً بالغارات الجوية على ضواحي بغداد وبالدعوات المستمرة لفرض ما يسمى "بالعقوبات الذكية" على العراق.

لهذا فقد اصطدمت جولة وزير الخارجية الاميركي كولن باول الاخيرة لمنطقة الشرق الأوسط بفعاليات الشجب والاستنكار، والتي لم يستطع ان يخفي مفاجأته منها.

لقد اكد باول في محادثاته مع الجانب الفلسطيني على ثلاث نقاط وهي: اولا ان وقف العنف هو مسؤولية تقع على عاتق الطرفين وثانيا ان التنسيق الامني بين الجانبين يجب ان يكون ثنائيا وليس ثلاثيا كما كان في السابق. وثالثا ان استئناف المفاوضات لا يمكن ان يكون من نقطة الصفر، ولا من النقطة التي انتهت اليها المفاوضات السابقة، وانما من نقطة معينة يتوجب الاتفاق عليها.

واقترح ايضا بعض الاجراءات الشكلية والاسترضائية للجانب الفلسطيني مثل تخفيف الحصار الاقتصادي وتحويل مستحقات الضرائب للسلطة مقابل وقف العنف، وحسب التفسير الاسرائيلي وقف الانتفاضة. كما دعا الجانب الاسرائيلي لوقف نشاطاته الاستيطانية.

ويبدو واضحا من هذه المطالب ان الادارة الاميركية تريد اعطاء بعض المسكنات للوضع على الساحة الفلسطينية، حتى يتسنى لها التفرغ للمحافظة على امن الخليج ولمواجهة العراق.

وقد شجعت هذه المواقف رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد شارون على بلورة ما اسماه بخطة لتسوية مرحلية طويلة المدى، وبهدف ان تتحول الى تسوية دائمة ضمن "تعايش الأمر الواقع" الذي يخطط لفرضه على الشعب الفلسطيني.وهذا هو المغزى من دعوته لقصر التفاوض على الملفين الأمني والاقتصادي، وبهدف مقايضة بعض التسهيلات الاقتصادية بعودة ما يسمى بالهدوء والتعاون الأمني، وهذا هو نفس التوجه تقريبا الذي حمله وزير الخارجية الأميركي.

وبالتالي تكون دعوات التهدئة التي اطلقتها الادارة الاميركية، هي بمثابة وصفة جاهزة لتجميد الاوضاع، كما انها تنطوي على تقدير من جانب اصحابها واصدقائهم في المنطقة، بأنه لن تكون هناك امكانية لاتفاقات هامة في فترة حكم اريك شارون.

لهذا فاننا نعتقد ان الرد الفلسطيني على هذه السياسة من الضروري ان يصاغ على ثلاثة مستويات.

المستوى الأول: اتباع ما يمكن وصفه بسياسة "احتواء الاضرار" وتحديد خطوط امام الادارة الاميركية، لا يسمح لاسرائيل بتجاوزها مثل عدم توسيع الاستيطان، او الاستمرار في البناء الاستيطاني، والتوقف عن فرض سياسة الأمر الواقع الاحتلالي ولا سيما في القدس، وليكن الاختبار الاول لسياسة الادارة الاميركية، في مطالبتها بوقف العمليات الجارية لبناء 1000 وحدة استيطانية في مستوطنات غوش عتصيون - بين الخليل وبيت لحم - وبوقف عمليات البناء لحوالي 660 وحدة استيطانية في مستوطنة بسجوت قرب رام الله، وبوقف بناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في مستوطنة آدم بجوار القدس وفي ابو ديس وغيرها.

المستوى الثاني: التأكيد على مبدأ الحماية الدولية للشعب الفلسطيني والتشديد في نفس الوقت بأن هناك فارقاً كبيراً بين أمن اسرائيل وأمن الاحتلال الاسرائيلي، وان الامن لن يكون الا مقابل الولاية الجغرافية الكاملة للشعب الفلسطيني.

المستوى الثالث: من الضروري أن لا يعطى الانطباع لادارة بوش بأن مطلبها باعطاء شارون فرصة "يعني اتوماتيكيا بأن كل شيء سيسير على ما يرام. لهذا فمن الضروري التفاوض اولا مع هذه الادارة حول دورها في المفاوضات القادمة، وحول فهمها لقراري مجلس الامن 242 و 338، وحول الضمانات التي كانت قد قدمتها ادارة بوش الأب للطرف الفلسطيني، ثم وهذا هو الأهم حول آلية عمل الدور الأميركي في المفاوضات المقبلة.

وعلى الصعيد الخارجي عربياً ودولياً عصفت الانتفاضة ومنذ البداية، بالفرية الكبرى القائلة بأن القضية الفلسطينية قد حلت، وبأن لا حاجة للدعم والتضامن العربي معها، وبأن القضايا المتبقية يمكن حلها من خلال المفاوضات، وايقظت الشعوب العربية وبفعل هدير صوت الشعب الفلسطيني على حقيقة أن قضية العرب المركزية ما زالت بدون حل، وأن هرولة المطبعين مع اسرائيل لم يكن لها ما يبررها، وأن الشعب الفلسطيني ما زال محتاجاً لعون اشقائه، وهو حين يتكفل بتقديم مهر الدم، لا يطلب من هؤلاء الأشقاء أكثر مما يستطيعون، وفي المقدمة عدم مساعدة اسرائيل على مواصلة تضليلها للرأي العام، العربي قبل العالمي. وهكذا حركت الانتفاضة، ولأول مرة منذ حرب الخليج، الشارع العربي الذي ضغط على نظمه الحاكمة لتسارع الى وقف التطبيع، والى عقد قمة عربية، ثم اسلامية، من أجل نصرة الشعب الفلسطيني ووقف العدوان المتصاعد عليه.

وكان يمكن لقرارات القمة العربية وآليات متابعة تنفيذها، ان تكون اكثر تأثيرا واستجابة لمطالب الانتفاضة، لولا الضغوط التي مورست ولا تزال تمارس من قبل الولايات المتحدة وغيرها، وما نعرفه عن اوضاع كثير من النظم العربية، وتشابك مصالحها مع المصالح الاميركية وحليفاتها، وبالتالي خوفها من نهوض شعبي قد يلحق الضرر بهذه المصالح، الامر الذي يتطلب تعزيز التعاون ايضاً، مع القوى والفعاليات الشعبية في العالم العربي وعلى الصعيد العالمي الواسع.


الانتفاضة والتحركات السياسية الجارية:


لقد أدى تصاعد الأحداث وازدياد تفاعلاتها السياسية، على مختلف الأصعدة الداخلية والعربية والدولية، الى القاء مسؤوليات كبيرة على عاتق القيادة الفلسطينية، وعلى مختلف القوى السياسية من أجل النضال المثابر والفعال لفتح آفاق جديدة لتطوير الانتفاضة واستعادة مضمونها الشعبي الديمقراطي، وتعزيز قاعدتها الاجتماعية، وتخليصها من حالة الارتباك الناتج عن الاخطاء المرتكبة من جهة، وعن الضغوط الشديدة التي تبذلها ادارة كلينتون وحكومة باراك السابقتان وبعدهما ادارة بوش الابن وحكومة شارون الحاليتان، لفرض حل سريع مجحف ومنقوص لا يستجيب لحقنا في التحرر والاستقلال والعودة، من جهة اخرى.

واذا كان لا يختلف اثنان حول ضرورة التمسك ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والنضال من أجل تنفيذه، فقد تنشأ بعض الاختلافات حول كيفية التصدي للضغوط الخارجية، أميركية أو اسرائيلية أو غيرها، والتي تحاول استدراج الموقف السياسي الفلسطيني من موقع التمسك بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، الى ما هو أقل من ذلك، وكان هذا هو هدف ادارة كلينتون من طرح افكارها،كمرجعية جديدة للمفاوضات. وهذا هو الهدف الآن من طرح شارون لما يسمى بالحل المرحلي طويل الأمد.

فلا أحد يعتقد حتى أصحاب الأفكار أنفسهم ومن أتى بعدهم، أن بالامكان التوصل الى اتفاق مع اسرائيل، خلال الأيام القليلة القادمة ولهذا فان هدفهم هو وضع صيغة جديدة للعملية التفاوضية، تبعدها عن مضمونها وعن أهدافها، وهي صيغة تتعارض بشكل كامل مع الصيغة التي طرحتها الانتفاضة، والتي تدعو الى اطار دولي ملزم يكسر الاحتكار الأميركي لعملية التسوية، ويضع آليات لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، مع ضمانات دولية تكفل تنفيذ هذه القرارات.

وهذا يعني أننا الآن نقف أمام صيغتين سياسيتين متناقضتين وأمام نهجين متعارضين، سيتوقف على رجحان كفة أحدهما، الكثير من النتائج التي ستؤثر تأثيراً كبيراً على مستقبل القضية الفلسطينية وآفاق حلها حلاً عادلاً ومقيماً.

اننا في حزب الشعب الفلسطيني، نرى أن الانتفاضة الشعبية الراهنة قد أسهمت في نقل النضال الوطني الفلسطيني الى مرحلة انهاء الاحتلال كاملاً عن أرضنا وتجسيد الاستقلال، وانها قد أنهت الصيغة التفاوضية السابقة التي بنيت على مرجعية الأمن الاسرائيلي للمفاوضات بدل قرارات الشرعية الدولية، وعلى الرعاية الأميركية الوحيدة لهذه العملية، وعلى الانحياز الأميركي المطلق لاسرائيل، وعلى غياب الضمانات الدولية التي تضمن التنفيذ، وعلى غياب الدور العربي الفاعل.

لقد انهارت بفعل الانتفاضة، جميع هذه القيود المكبلة والكابحة لأسس الحل العادل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن الرجوع اليها بأي حال من الأحوال، لا من خلال الاقتراحات المنقوصة، ولا من خلال الضغوط او عمليات القمع والاغتيال والتدمير والحصار. وهذا يزود القيادة الفلسطينية بقدرات أكبر في مقاومة الضغوط التي تمارس عليها من أوساط داخلية وخارجية، ولا سيما من "دعاة القبول بالحل السريع والمنقوص". وهذا الواقع الجديد يضعنا أمام مهمات جديدة تقوم على التكامل بين المضمون الوطني التحرري الذي حملته الانتفاضة، وبين ما يجب أن يكون عليه مضمون المفاوضات الجارية والمقبلة وعلى أساس ان كلا الحالتين (الانتفاضة والمفاوضات) تستهدفان تنفيذ نفس الأهداف.

ولهذا فمن وجهة نظر حزبنا يترتب على الحركة الوطنية الفلسطينية وقواها السياسية والاجتماعية، ان تتمسك بأربع مهمات أساسية:

اولاً: تعزيز الوحدة الوطنية حول برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الذي هو برنامج الانتفاضة، وكذلك تدعيم صمود الجبهة الداخلية وتحصينها بعدد من الاجراءات الداخلية ، وخصوصاً أن الفترة القادمة ستشهد المزيد من التصعيد الاسرائيلي، وخاصة مع مجيء شارون الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية. ومن هذه الاجراءات التوقف عن ممارسة تكتيكات نضالية محددة مثل عمليات اطلاق النار من داخل التجمعات السكانية الفلسطينية ومظاهر العسكرة الأخرى، للحيلولة دون التعرض الى المزيد من ردود الفعل الاسرائيلية العنيفة، والتركيز بالمقابل على المضمون النضالي الشعبي الاجتماعي للانتفاضة، وعلى رفع وتائر التعبئة السياسية والتنظيمية للجماهير ببرنامج الانتفاضة وأهدافها.

ثانيا: حشد جميع القوى في مواجهة خطرين رئيسيين يتهددان القضية الوطنية. يتمثل الأول في استدراج الموقف الفلسطيني لتسويات تستبدل المباديء الأساسية لعملية التسوية، ممثلة في تنفيذ القرارين 242 و 338 . ويتمثل الخطر الثاني في خطة الفصل التي تلوح بها اسرائيل، والتي تستهدف رسم الحدود من طرف واحد، وتحويل المناطق الفلسطينية المحاصرة والمقسمة في عدد كبير من المعازل، الى نموذج لما يسمى بالدولة الفلسطينية القادمة، وبما يعني فرض تعايش الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني مع بقاء الإحتلال وهذا ما تلوح به حكومة شارون.

ثالثاً: ان تبادر القيادة الفلسطينية بالتعاون مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية لوضع خطة طواريء وطنية ولإتخاذ خطوات سياسية تؤدي بالتدريج الى تجسيد السيادة الوطنية الفلسطينية على الأرض، وتدخل انجازات الانتفاضة الى صلب النظام السياسي الفلسطيني على شكل قوانين وتشريعات ومؤسسات وعادات عمل وذلك تمهيداً لخطوات أكثر تقدماً مثل: الاعلان عن موعد لاجراء الانتخابات البرلمانية، الانتخابات البلدية والقروية، اقرار الوثيقة الدستورية، اقامة حكومة وطنية شاملة. ان مثل هذه الخطوات ستسهم في فتح آفاق جديدة أمام الشعب الفلسطيني وانتفاضته وتشحنهما بقوة دفع جديدة، وتضع البداية للايفاء بمتطلبات الانتفاضة ولمواكبة مضمونها الكفاحي.

رابعا: اعادة الاعتبار لدور اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي يمكن ان تكون حكومة الوحدة الوطنية والممثلة للشعب في كافة اماكن تواجده. وتعزيز الصفة التمثيلية للمنظمة وتفعيل هيئاتها وعقد اجتماعات منتظمة للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية وتنفيذ قراراتهما كمرجعية سياسية عليا للشعب الفلسطيني ولانتفاضته.

نحن نقول ان الحل النهائي لا يتطلب بالضرورة حلاً مرحلياً جديداً أو مباديء جديدة، فالمباديء موجودة اصلاً في القرارين 242 و 338، وهي مباديء صريحة لا بأس من اعادة التذكير بها ومنها عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ومبدأ الانسحاب، والحل العادل لمشكلة اللاجئين وعلاقات سلام وحسن جوار بين دول المنطقة، وحدود آمنة يتفق عليها. وبالتالي فعندما تطالب حكومة شارون بحل مرحلي جديد وبمباديء جديدة فإنها تريد القول ان مباديء القرارين 242 و 338 غير موجودة! ولا بد من الاتفاق على مباديء اخرى تشكل أساساً وسقفاً جديداً للمفاوضات! أي انها تريد تثبيت مرجعية جديدة للمفاوضات، وتحديد أهداف جديدة لها، لا جامع بينها وبين أهداف الشعب الفلسطيني. وذلك بدل البحث في الآليات والوسائل لتنفيذ المباديء التي اقرتها قرارات الشرعية الدولية، وبما يعني تنفيذ الانسحاب الشامل والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة دولته الوطنية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين وفق القرار 194.

لقد حافظت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، بدعم من الولايات المتحدة، على نهج حرف المفاوضات عن مرجعيتها وأهدافها، واعتقدت انها نجحت في ذلك من خلال فرض العديد من القيود والاشتراطات في اتفاقات المرحلة الانتقالية، ولا سيما في فصلها لموضوع السيادة على الأرض عن الاتفاقيات المذكورة، وفي ترجيحها لمرجعية الأمن الاحتلالي التوسعي والاستيطاني ، على قرارات الشرعية الدولية، وفي عدم تنفيذها للاستحقاقات الأساسية التي نصت عليها الاتفاقات الانتقالية وخاصة اعادة الانتشار الثالثة للجيش الاسرائيلي، وانسحاب الحكم العسكري وحل الادارة المدنية الاسرائيلية واعادة النازحين والافراج عن الأسرى.

ومع بدء مفاوضات الحل النهائي، قبل مفاوضات كامب ديفيد واثناءها وبعدها، حاولت حكومة باراك بدعم من الادارة الأميركية تكريس هذه القيود، مع ادخال بعض التعديلات، من خلال فرض ترتيب معكوس لجدول أعمال هذه المفاوضات يبدأ بالحدود والترتيبات الأمنية وتثبيت الكتل الاستيطانية، لتحديد ما ستحصل عليه اسرائيل في هذه المجالات، وللانتقال بعد ذلك لنقاش طبيعة الكيان الفلسطيني او الدولة الفلسطينية، داخل الحدود والقيود التي تكون قد حددتها سلفاً، وفي اطار الترتيبات الأمنية الملائمة لها، ومقايضة اعترافها بهذه الدولة بتنازلات فلسطينية في موضوعي القدس واللاجئين.

لكن الرفض الفلسطيني لما يسمى بمشروع السلام الاسرائيلي، واندلاع الانتفاضة اثر ذلك، كتعبير شعبي واسع عن رفض هذا المشروع ، وعن مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع الاحتلالية، وعن الطموح من اجل نيل الحرية وتحقيق الاستقلال، قد دفع الجانب الاسرائيلي لإدخال بعض التعديلات التكتيكية على مواقفه دون المساس بمضمون هذه المواقف.

وقد تمثلت هذه التعديلات كما طرحتها حكومة باراك السابقة - وهي بعيدة جداً عن حقوق الحد الأدنى التي يطالب بها الجانب الفلسطيني- بزيادة مساحة الانسحاب الاسرائيلي من نسبة 66% من الضفة الغربية كما كانت في "خارطة المفهوم" التي قدمت في مرحلة سابقة الى ما بين 94 و 96% كما نصت افكار كلينتون (هذه النسب غير دقيقة لان اسرائيل تخصم عادة ، مساحة القدس الكبرى ومساحة منطقة اللطرون، ومساحة المناطق الفلسطينية المتاخمة للبحر الميت كما أن هذه النسب لا تقاس فقط بمساحتها الجغرافية، وإنما ايضا بأهميتها الاستراتيجية ) وعبرت هذه الأفكار عن استعداد لتفكيك المستوطنات النائية والمعزولة والتي تقدر جهات اسرائيلية غير رسمية عددها بحوالي 120 مستوطنة، وعن الاعتراف بدولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة وعاصمتها القدس، وعن الاستعداد للاعتراف بسيادة فلسطينية محدودة على اجزاء من القدس الشرقية، وعن وضع منطقة غور الأردن تحت اشراف قوات دولية.

ومقابل ذلك طالبت حكومة باراك الشعب الفلسطيني بتنازلات مؤلمة وفي مقدمتها التنازل عن حق العودة وفق القرار 194، وقصره على العودة الى أراضي الدولة الفلسطينية أو التوطين والتأهيل خارجها، والابقاء على الكتل الاستيطانية وضمها الى اسرائيل، وأغفلت موضوع السيطرة على المياه والأحواض المائية باعتبارها تقع تحت الكتل الاستيطانية المذكورة وتحت سيطرتها. وطالبت بترتيبات وتسهيلات أمنية كبيرة في غور الأردن وفي حالات الطواريء وعلى الطرق المؤدية للكتل الاستيطانية وفي المناطق الاستراتيجية وفي الأجواء الفلسطينية، وأبقت مناطق السيطرة الفلسطينية في القدس جزراً معزولة ومحاطة بالمستوطنات المنوي ضمها لاسرائيل.

ولهذا فقد رفض حزبنا في حينه المطالب الاسرائيلية والأفكار الأميركية، وأكد في بيانه الصادر بتاريخ 31/12/2000 ما يلي: "تحاول الولايات المتحدة واسرائيل استبدال مرجعية السلام، ممثلة في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242 و 338 و 194، بمرجعية جديدة تلغي مبدأ الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران لعام 1967"، وتحاول أيضاً "اظهار باراك بمظهر الساعي للسلام، والى فرض عزلة على الموقف الفلسطيني الرافض لها، بإثارة الفزع لدى اوساط عربية ودولية من خطر عودة الليكود الى الحكم في اسرائيل، ودفع هذه الأوساط الى ممارسة الضغوط على القيادة الفلسطينية" للقبول بها. وحذر البيان بأن القبول بهذه الأفكار سيؤدي الى انقسامات داخلية فلسطينية صعبة، والى "الدخول في مفاوضات طويلة حول التفاصيل، والى اتفاقات وتفسيرات وملاحق اتفاقات لفترة طويلة وغير محددة من الزمن".

ماذا يعني ذلك؟! انه يعني من وجهة نظر حزبنا ان الضغوط الأميركية – الاسرائيلية لفرض حل مجحف ومنقوص على الشعب الفلسطيني لن تتوقف، وستتواصل في المستقبل ايضاً. كما انه يعني ان حالة الصراع الراهنة ليست مرشحة لأي حل سريع في المستقبل القريب وان احتمالات التصعيد والمواجهة (وخاصة بعد مجيء شارون الى الحكم في اسرائيل) لا تزال تتفوق على احتمالات التهدئة والتسوية السريعة. وهنا تكمن الأهمية السياسية لاستمرارية الانتفاضة وتطويرها وتعميق مضمونها الجماهيري. كما تكمن ايضاً أهمية تعزيز الصمود الداخلي الفلسطيني لفترة طويلة من الوقت.

نحن نعتقد أن النضال الوطني الفلسطيني، والانتفاضة الفلسطينية، قد أوجدا وضعاً محفزاً لمواصلة العمل الموحد بين الجميع ، قيادة واحزابا وفصائل وقوى اجتماعية ، من أجل اسقاط المحاولات الرامية للالتفاف على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني او لتغيير مرجعية المفاوضات والهبوط بسقفها الى ما هو أقل من قرارات ومرجعية الشرعية الدولية.

ان علينا اسقاط جميع الأوهام حول احتمال الوصول الى حل نهائي سريع ما دامت اسرائيل تصر على التمسك بمواقفها، وكذلك التصدي لأصحاب الاتجاه القائل بأن شيئاً أفضل من لا شيء، وللمنادين بانتهاز الفرصة السانحة قبل ضياعها، لانه اذا كان ثمن ما يسمى بالفرصة السانحة هو تقديم التنازلات ، فان مثل هذه الفرص العرجاء لن تنتهي ما دام اعداء الشعب الفلسطيني يحاولون الانتقاص من حقوقه.

اننا ندعو الى قيام تحرك سياسي وفق صيغة تفاوضية جديدة تلبي أهداف النضال الوطني ، وتتخلص من النواقص التي واكبت المفاوضات الانتقالية، وتنظم الجهد السياسي والجهد النضالي في خطة تؤمن التناسق والتلازم بينهما، وعلى أساس ان الانتفاضة قد جاءت في سياق العملية السياسية الجارية، ومن أجل اعادة صياغتها على قاعدة جديدة.


الأداء الحزبي في اطار الانتفاضة:


مارس حزبنا دوره في اطار الانتفاضة، انطلاقاً من مسؤولياته الوطنية. واذا كانت كافة منظماتنا الحزبية، في المحافظات وفي لبنان واقليم اوكرانيا، والرفاق في اوروبا، قد قدمت مساهمتها في فعاليات الانتفاضة، فانه لا بد من التنويه بالتفاوت بين منظمة واخرى، بين محافظة واخرى. ففي الوقت الذي لعبت فيه بعض المحافظات ادواراً قيادية، وبرز فيها وجه الحزب الكفاحي، كان ذلك الدور متواضعاً في محافظات أخرى، ويرجع ذلك لعدة اسباب منها مبادرة الرفيق سكرتير المحافظة ودور الرفاق القياديين الآخرين من جهة، ومن جهة اخرى ضعف قدرة المركز على تلبية الاحتياجات المالية اللازمة لتغطية النشاطات،ومن جهة ثالثة الموقف الانتقائي من بعض البيانات الحزبية الصادرة عن المركز.

أما على صعيد المركز ورغم الملاحظات عن ضعف الظهور الاعلامي، خصوصاً في الفضائيات العربية، او الظهور فيها تحت اسم غير حزبي، وطرح افكار واراء لا تتفق مع سياسة الحزب، والبيانات الصادرة عن المركز، وعدم ايلاء الاعلام المرئي، بشكل خاص، الاهتمام المطلوب لهذه البيانات، وعدم السعي الجاد للتغلب على المقاطعة الاعلامية، نقول رغم ذلك فقد قام المركز بدور مقبول من خلال متابعة الاحداث واصدار البيانات والبلاغات والتصريحات المناسبة للحدث. لقد قام المركز باصدار حوالي 30 بياناً مركزياً. وكذلك وجه كما كبيراً من النداءات والرسائل للاحزاب الشقيقة ، العربية والعالمية - اكثر من مئة رسالة ونداء - ودعا عدداً منها لزيارة البلاد، والاطلاع على اوضاعنا عن كثب، وبغرض حشد التضامن الشعبي العالمي معنا، والتأثير على الحكومات المختلفة للتضامن على المستوى الرسمي . وكل ذلك اضافة الى اصدار العديد من البيانات الموقعية في المحافظات، عالجت جميع التطورات والأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية منذ انطلاقة الانتفاضة في 29/9/2000، وتضمنت موقفاً حزبياً تعبوياً تجاه القضايا الملموسة في سياق حركة الانتفاضة مثل قضايا العمال العاطلين عن العمل ومسألة المساعدات وما تخللها من ثغرات وكذلك حول أهمية انتظام العملية التربوية في المدارس، وعلاج آثار القصف الاسرائيلي الوحشي الذي تعرض له المواطنون وغيرها من القضايا.

وحتى قبل هذا التاريخ وبتاريخ 23 أيلول اصدر حزبنا بياناً حذر فيه من ورقة الأفكار الأميركية في ذلك الحين واعتبرها خروجاً على قرارات الشرعية الدولية ودعا لأوسع تحرك شعبي داخلي وعربي ودولي من أجل احباطها.

وفي 28/9 أصدر حزبنا بياناً ندد فيه بزيارة اريك شارون الى المسجد الأقصى وجاء فيه بأن هذه الزيارة لم تكن لتتم لولا الحماية والدعم اللذين وفرتهما حكومة باراك لها. وأكد البيان ان شارون اراد توجيه رسالة سياسية للشعب الفلسطيني يقول فيها بأنه الأكثر تطرفاً وصلفاً في فرض الأمر الواقع الاحتلالي على مدينة القدس العربية.

وفي 30/9 أصدر حزبنا بياناً دعا فيه لأول مرة، الى تشكيل لجنة تحقيق دولية، للتحقيق فيما ترتكبه حكومة باراك من جرائم ضد شعبنا ومن انتهاكات ضد اتفاقية جنيف الرابعة، والى العمل على تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني، وعلى الفور تبنت السلطة، في اجتماعها الرسمي، هذا المطلب.

وفي 3/10 وجه حزبنا رسائل الى حوالي 100 حزب شيوعي واشتراكي وتقدمي في العالم تحت عنوان "تضامنوا مع الشعب الفلسطيني من أجل وقف مجازر باراك".وقد رد العديد من هذه الاحزاب برسائل تضامن وتنظيم سلسلة من النشاطات الشعبية التضامنية مع شعبنا.

وفي 4/10 كرر حزبنا الدعوة لتشكيل لجنة التحقيق الدولية، كما دعا الى تقديم موعد انعقاد القمة العربية الاستثنائية.

وفي 5/10 أصدر المكتب السياسي بلاغاً مطولاً حيا فيه هبة الجماهير الفلسطينية في اسرائيل التي تضامنت مع الانتفاضة، كما حيا ايضاً هبة الجماهير العربية التضامنية في مختلف الأقطار العربية. وجاء في البلاغ أن الانتفاضة الفلسطينية هي انتفاضة سياسية وطنية شاملة، تسعى من اجل الوصول الى أهداف سياسية، تشكل ركيزة ومنطلقاً على طريق انهاء الاحتلال كاملاً، وبناء الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس وتحقيق عودة اللاجئين الى ديارهم. ودعا البلاغ الى تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ مظاهر الخلاف والتنافس على تبني الشهداء، والى تشكيل صندوق للتكاتف الوطني ولدعم عائلات الشهداء والجرحى والمتضررين كافة، والى التوقف عن أية نقاشات جانبية وفئوية ضارة تجاوزتها انتفاضة الشعب الفلسطيني، والى تطوير أشكال التحرك الجماهيري وبحيث تخفف قدر المستطاع من حجم الخسائر والتضحيات. كما دعا البلاغ الى محاكمة نتائج اية اجتماعات او اتصالات دولية وغيرها بمدى خدمتها لنضال شعبنا وبمدى تجاوبها مع أسس الحل العادل، وبمدى اسهامها في تطوير التضامن الدولي مع قضيته العادلة، وفك الحصار الذي تحاول واشنطن واسرائيل ضربه حول الموقف الفلسطيني. وعلى الصعيد التفاوضي اكد البلاغ على ضرورة طرح مبادرة سياسية فلسطينية تعيد العملية التفاوضية الى مرجعيتها وأهدافها، ممثلة في تنفيذ القرارين 242 و 338 وتضع آليات محددة وجدولاً زمنياً لتنفيذهما، والتوقف عن التفاوض حول قضايا الحل النهائي بطريقة مجزأة وخارج اطار تنفيذ القرارين المذكورين. كما دعا الى كسر الاحتكار الأميركي لعملية التسوية.وفيما بعد غدا هذا المطلب مطلباً للسلطة وللحركة الوطنية بأسرها.

وفي 7/10 وجه الحزب الى الأحزاب والقوى في العالم نداء ثانيا دعاهم فيه للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ومن جديد اجرى عدد من الاحزاب سلاسل من النشاطات الشعبية التضامنية مع شعبنا التحمت في معظمها مع نشاط الجاليات الفلسطينية في تلك البلدان.

وفي البيانات المتتالية التي اصدرها الحزب في 7/10 ، 8/10 ، 9/10 ، 10/10 ، 11/10 ، اعاد التأكيد على دعواته بوقف المجازر وتشكيل لجنة التحقيق الدولية وتأمين الحماية الدولية وكسر الاحتكار الأميركي وايجاد اطار دولي لعملية السلام، وهي مطالب غدت بعد تبنيها مطالب للحركة الوطنية وقواها وللسلطة الوطنية ايضاً. كما دعا الى تشكيل اللجان الشعبية والتصدي الى قطعان المستوطنين، واعتبر ان الانسحاب الاسرائيلي من قبر يوسف في نابلس هو خطوة على طريق الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة. وفي 13/10 وجه الحزب رسالة ثالثة الى القوى والأحزاب في العالم اوضح فيها آخر التطورات الجارية في المناطق الفلسطينية واشاد بمظاهر التضامن الدولي مع قضية الشعب الفلسطيني.

وفي 14/10 ، 15/10 ، 17/10 ، 19/10 ، 23/10 ، أصدر الحزب بيانات لخص فيها مطالب الانتفاضة والشعب الفلسطيني من القمة العربية الطارئة محدداً 12 مطلباً تتعلق بدعم الانتفاضة على الصعد السياسية والجماهيرية والاقتصادية والدولية، وبعد صدور قرارات القمة دعا الى تنفيذ هذه القرارات واستكمالها باجراءات عملية لردع العدوان الاسرائيلي والى بلورة خطة فلسطينية – عربية للتحرك السياسي المشترك. ورغم الانتقادات حول لهجة البيان فقد اثبتت التطورات اللاحقة صحة المواقف التي طرحها والتي استندت الى فهم عميق للواقع العربي، بما في ذلك حالة النظم العربية وارتباطاتها الدولية ومع اميركا بشكل خاص. وكذلك بعد تقييم موضوعي لعمق التحركات الشعبية العربية، وتأثيراتها على نظمها الحاكمة ، وحيث ان الصدام مع أي نظام عربي هو أمر غير مرغوب ولا يصب في مصلحتنا الوطنية الآنية من جهة، ومن جهة اخرى فنحن نصبو الى الحصول على التضامن والعون العربي مهما صغر، ولو كان بوقف الضغوط الموجهة من اميركا علينا، ووقف الهرولة العربية نحو التطبيع ..الخ, وفي بيانه حول نتائج قمة شرم الشيخ أكد الحزب بأن القضية المركزية تتمثل في وقف العدوان الدموي على الشعب الفلسطيني وهذا المقياس هو الذي سيحدد نجاح أو فشل هذه القمة. وانطلق الحزب في رؤيته للمشاركة الفلسطينية في القمة من زاوية كونه تكتيكاً لمواجهة الضغوط الدوليةم ن جهة ولفضح العدوان الاسرائيلي على شعبنا من جهة اخرى. وكان واضحاً أن الاتفاق الممكن الوصول اليه غير قابل للتطبيق، ومن طرفيه، مع ضرورة استخدامه مجدداً لفضح العدوان الاسرائيلي والمطالبة بوقفه وكذلك المطالبة بالحماية الدولية ولجنة التحقيق الدولية ..الخ. كما دعا الحزب الى استمرار الانتفاضة وايجاد اطار دولي وأسس جديدة لعملية التسوية تكسر الاحتكار الأميركي.

وفي بيانات الحزب بتواريخ 26/10 ، 31/10 ، 3/11 ، 5/11 ، 15/11 ، 19/11 ، 21/11 ، 29/11 جرى التركيز على ضرورة تعزيز الجبهة الداخلية وضمان حد أدنى من العدالة وتقاسم الأعباء ودعا الى تشكيل لجان العون والصمود وصناديق التكافل الاجتماعي والوطني لرعاية أسر الشهداء والجرحى وجميع المتضررين والعاطلين عن العمل من عمال وموظفين. ودعا ايضاً الى كسر سياسة الحصار والتجويع المفروضة على الشعب الفلسطيني، والى أوسع تحركات جماهيرية لمناسبة يومي الاستقلال والتضامن مع الشعب الفلسطيني من أجل تعميق المشاركة الشعبية في الانتفاضة.

وفي بيانات الحزب بتواريخ 11/12 ، 18/12 ، 31/12، 3/1/2001 ، أكد أن أزمة حكومة باراك واستقالته جاءت أبكر من أزمات حكومات اسرائيلية سبقتها وذلك بفعل الانتفاضة، وحذر من المفاضلة بين باراك وشارون أو بين حزب العمل وحزب الليكود وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتوصل الى حل نهائي عادل للقضية الفلسطينية، كما حذر الحزب من كامب ديفيد جديد ودعا الى رفض الأفكار الأميركية وتسيير مسيرات الاحتجاج ضدها، ودعا ايضا لجنة المتابعة العربية المنبثقة عن القمة الطارئة الى النهوض بمسؤولياتها والعمل بشكل جاد من أجل تنفيذ قرارات القمة المذكورة.

وفي 7/2 و 17/2/2001 اصدر الحزب بيانين دعا في الأول الى توحيد الجهود من أجل مواجهة النتائج المترتبة على نجاح اريك شارون رئيساً لوزراء اسرائيل، وحذر من الوقوع في فخ الشعار "اعطوا شارون فرصة" ودعا الى العمل بشكل جدي على الصعيدين العربي والدولي من أجل تضييق هامش المناورة امام شارون وعزل حكومته. واكد الحزب في البيان الثاني بأن استمرار العدوان والغارات الجوية على العراق يمهد لعدوان أوسع على الشعب الفلسطيني، ودعا الجماهير الى الاعلان عن شجبها واستنكارها لهذا العدوان المستمر والمتصاعد.

وفي 10 شباط/2001 - اصدر الحزب بياناً خاصاً بمناسبة اعادة تأسيسه التاسعة عشرة، أكد فيه على أهمية دور الحزب ونضالاته من أجل حقوق شعبنا الوطنية، كما دعا الى تعزيز الوحدة الوطنية ولترتيب البيت الداخلي ولضمان مقومات المعيشة الأساسية لفئات شعبنا الفقيرة والمسحوقة والتي تتحمل القسط الأكبر من تضحيات المعركة وضحاياها والتي هي العامود الفقري لهذه المعركة. كما دعا البيان الدول العربية الى تعزيز تضامنها مع الشعب الفلسطيني.

وفي 26/شباط/2001، اصدر حزبنا بيانا تحت عنوان "لا لخطة التحالف الاقليمي ، نعم لتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني" حذر فيه من المخطط الاميركي الذي حمله وزير الخارجية الاميركي كولن باول خلال جولته في عدد من دول المنطقة. ونبه البيان من خطر العودة لمفاوضات انتقالية جديدة مؤكداً ان أي حل للقضية الفلسطينية لن يكون الا عبر وقف العدوان الاجرامي الاسرائيلي، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

لقد كان هذا استعراضاً مكثفاً ، وكشفا بمواقف الحزب تجاه مختلف الأحداث والتطورات السياسية، وهي مواقف وطنية مسؤولة، وبعيدة عن الشعارات الرنانة والمغلقة والأحادية الجانب. وقد أثبتت تجربة الانتفاضة صحتها، وباتت تشكل أساساً جامعاً لمجمل قوى الحركة الوطنية الفلسطينية.

وفي تحديده لهذه المواقف فقد راعى حزبنا خمسة مرتكزات أساسية هي في صلب المصلحة الوطنية الفلسطينية وميزت مواقفه باستمرار وهي:

اولا: التركيز على المهمة المركزية، مهمة انهاء الاحتلال ومعالجة القضايا الداخلية من حيث خدمة ذلك للمهمة المركزية، واتباع طريق المعارضة البناءة او المعارضة الديمقراطية بديلاً لكل من طريق التفريط والاستسلام وطريق المعارضة العدمية، هذا الطريق - طريق المعارضة البناءة - الذي التزمه وتميز به حزبنا ومنذ قيام السلطة الوطنية.

ثانيا: التأكيد على وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية ذات الامتداد الاجتماعي الواسع وتغليب القضايا المشتركة على قضايا الخلاف، والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والخارج تحت قيادة منظمة التحرير كمجسد لهذه الوحدة.

ثالثا: الاستناد الى نهج منحاز للقوى والفئات الاجتماعية الكادحة وبافق سياسي بعيد يخدم قضايا التقدم والعدالة الاجتماعية بعد تحقيق الاستقلال.

رابعا: طرح المواقف والمهام التي تعزز نضالات الحزب ووحدته كقوة محركة في النضال الوطني وتعزيز دوره ونفوذه السياسي.

خامسا: حاجة الشعب الفلسطيني الماسة للتضامن العربي والدولي، ولتأييد الجماهير العربية والرأي العام التقدمي في اسرائيل على مختلف المستويات باعتبارها عوامل هامة، وبدونها لا يمكن لشعبنا تحقيق اهدافه، وضرورة اتباع سياسات تجند هذه العوامل لصالح نضالنا الوطني وعدم اتباع سياسات انعزالية او تكتيكات نضالية تتعارض معها.

ومن خلال مراجعة مواقف حزبنا اثناء الانتفاضة وقبلها، فاننا نجد ان هذه المرتكزات قد ميزت مواقفه ولم يخرج عنها ابداً.


على الصعيد التنظيمي:


اما على الصعيد التنظيمي العملي فان الاسئلة المطروحة امام اجتماع اللجنة المركزية اليوم هي: هل نجحنا في ترجمة هذه المواقف الى مهام عملية وانشطة جماهيرية، وتجسيدها لصالح تطوير قوة ونفوذ الحزب على الساحة السياسية وبين الجماهير؟‍ وكيف نقوِّم اداءنا الحزبي خلال الانتفاضة وما هي مواطن النجاح والفشل ولماذا؟

ان الاجابة على هذه الاسئلة تتطلب مراجعة معمقة للاداء الحزبي على الصعيدين التنظيمي والجماهيري، مركزيا وعلى صعيد جميع المحافظات، وتقديم تقارير مفصلة عن واقع كل محافظة وادائها خلال فترة الانتفاضة. كما انها تتطلب اعادة النظر في اشكال التنظيم الحزبي والاجابة على السؤال التالي: هل لا مركزية الادارة التنظيمية هي شيء صحيح في ظروف الحصار والانتفاضة؟‍ واذا كان الأمر ليس كذلك فما هي الصيغ التنظيمية الجديدة الواجب اتباعها‍‍ وما هي مساحة المسؤولية التي يمكن منحها لمجالس المحافظات ومكاتبها وسكرتيريها في هذه الحالة؟‍

لقد عقدنا في الآونة الأخيرة اجتماعات تشاورية لأعضاء اللجنة المركزية في الضفة وفي القطاع نوقشت خلالها سياسة الحزب في ظل الانتفاضة، وبعض القضايا التنظيمية ودور الحزب في اطار لجنة القوى الوطنية والاسلامية المكلفة بقيادة الانتفاضة في الضفة، ولجنة المتابعة العليا في قطاع غزة، وذلك بعد أن حالت ظروف الانتفاضة والحصار المفروض، دون انتظام اجتماعات اللجنة المركزية والعديد من الهيئات الحزبية. وجرى في هذه الاجتماعات تثمين مواقف الحزب السياسية، كما ظهرت في بياناته المتتالية، وخاصة بالنسبة للمهام والمبادرات الوطنية الموضوعية والواقعية التي تضمنتها هذه البيانات والمواقف.

وقدمت خلال هذه الاجتماعات ملاحظات هامة، تناولت بعض المظاهر السلبية في الحياة التنظيمية، تمثلت في تعامل بعض المحافظات بشكل انتقائي مع مواقف الحزب وبياناته والامتناع في حالات محددة ومعروفة، عن توزيع هذه البيانات لانها لا تتماشى مع "مزاج الشارع" على حد قول الممتنعين عن توزيعها. وفي حالة واحدة، أبدى الحزب تفهماً لاستفسارات الرفاق وقام باصدار بيان توضيحي رداً على قيام احدى الصحف بنشر بيانه حول تفاهم شرم الشيخ بين الرئيس عرفات وشمعون بيرس بعنوان مشوه ولا ينسجم مع مضمونه.

اننا نود أن نؤكد مجدداً، على أهمية دور الحزب التنظيمي والجماهيري في تجسيد مواقفه السياسية ونقلها الى الجمهور الواسع، وتجسيدها في مهام عملية وملموسة تعزز النضال الشعبي وتخدم أهداف الحزب السياسية، وأهداف الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال والعودة. ولهذا فاننا ننظر بخطورة بالغة لجميع مظاهر عدم الانضباط في احترام قرارات الهيئة المسؤولة، وبالأخص المكتب السياسي واللجنة المركزية واعتبار البعض لهذه المواقف والقرارات، مجرد وجهة نظر سياسية يحق لهم عدم الالتزام بها ومعارضتها وحتى التحريض ضدها بشكل علني. اننا ندعو الرفاق الى العودة الى تقاليدهم المجيدة في الالتزام ورفع راية حزبهم خفاقة، والدفاع عن مواقفه وسياساته التي أثبتت التجارب صحتها وزكتها الحياة، ومناقشة أية اعتراضات او انتقادات داخل الهيئات وليس خارجها، والمحافظة على وحدة الارادة والعمل في ادائنا لمهامنا، لأن هذا ما يميز حزبنا وتاريخه المليء بالأمثلة والنماذج التي تجسد وحدته، المصدر الأول لقوته .

وتأسيساً على ذلك فإننا ندعو الى مناقشة موضوعية لمجمل اوضاعنا الحزبية بهدف تطوير الايجابي والتخلص من السلبي، وتصحيح التجاوزات والخروقات بدءاً بأمانته العامة.

ان اللجنة المركزية ، وبحكم الصلاحيات والمسؤوليات المنوطة بها وفق النظام الداخلي، من واجبها اتخاذ القرارات الضرورية واللازمة من أجل تصحيح هذه الأوضاع، والحفاظ على الحزب ودوره وتعزيز وحدته وتوسيع نفوذه.


علاقات التنسيق الوطنية:


تأسست علاقات التنسيق الوطنية مع بدء الانتفاضة في اطار لجنة القوى الوطنية والاسلامية في الضفة، ولجنة المتابعة العليا في قطاع غزة، على مبدأ استمرار الانتفاضة.هذا على صعيد المركز أما على صعيد المحافظات، ورغم أن بيانات المركز لم تصل بانتظام للمحافظات، مما نجم عنه حدوث فجوة تواصل، الا أن لجان التنسيق الوطنية في المحافظات قامت بدورها الملموس، والقيادي الفعال في بعض المحافظات لسائر النشاطات. في هذه اللجان تفاوت دور حزبنا من محافظة لأخرى، وحيث لعب في بعضها دوراً قيادياً بارزاً ، كان موضع تقدير من سائر القوى المشاركة. ولكن تجدر الاشارة الى أنه كلما اقتربنا من تحقيق نتائج سياسية في اطار برنامج منظمة التحرير، كلما تقدمت مظاهر الاختلاف بين القوى التي تعارض المفاوضات والتسوية من حيث المبدأ وبين القوى التي تؤيد التوصل الى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وهي تشكل الأكثرية.

ومن أجل المحافظة على هذه الوحدة، فقد امتنعت هذه القوى حتى الآن عن اصدار أي بيان يطالب بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. والملفت للانتباه أنه في البيانات الصادرة عن لجان التنسيق في المحافظات كان الموقف مختلفاً، اذ لم تبد هذه القوى أية معارضة لتضمين البيانات مطالبة بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

نحن نعتقد ان غياب الاساس السياسي والبرنامج السياسي المشترك عن هذه الوحدة، يجعلها شكلية ومؤقتة، ويعطل امكانية قيام قيادة فعالة للانتفاضة، مما يستدعي من القوى المتجانسة سياسياً والمؤتلفة في اطار منظمة التحرير التنسيق فيما بينها في الاتجاه المذكور.

فمن واجب هذه القوى ان تحدد بوضوح ماذا تريد من الانتفاضة؟ والى اين ستصل بها؟ وما هي الآفاق السياسية التي تتطلع اليها؟ فالملاحظ حتى الآن أن هناك عدم اتفاق على الهدف المباشر للانتفاضة. أو بكلمات أخرى هناك خلط بين الهدف العريض (الاستقلال والعودة) والهدف المباشر الذي يخدم الهدف البعيد، وهو تعديل الخلل في ميزان القوى من خلال تفعيل جبهة النضال الجماهيري واستغلال ذلك في المفاوضات، وهذا سبب أساسي للارتباك الحاصل لدى بعض قيادات العمل الوطني الفلسطيني. وهو يستدعي من قوى منظمة التحرير التحرك في اتجاه الاجابة على الاسئلة المذكورة، واقامة تحالفها الوطني العريض والمميز ببرنامجه السياسي الواضح والمحدد، وهذا ما يفتقد اليه اطار التنسيق الوطني القائم حاليا.


التعاون مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي:

لقد اكتسب تعاون حزبنا مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي أهمية استثنائية وتحول الى تقليد نضالي ثوري، وقد اعتبرناه مدخلاً لتوسيع التعاون مع القوى الديمقراطية الاسرائيلية التي تؤمن بالحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية.

وجاءت هبة الجماهير العربية في اسرائيل تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية ومن اجل السلام والمساواة في الحقوق الاجتماعية والقومية، لتؤكد مجدداً وحدة الشعب الفلسطيني، وبأن نضال الجماهير العربية في اسرائيل من أجل السلام والمساواة، يمر بصورة أو بأخرى عبر لجم سياسة الاحتلال والاستيطان والعدوان للحكومة الاسرائيلية وانهاء هذه السياسة من خلال الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والانسحاب من اراضيه المحتلة.

لقد عزز هذا الواقع من أهمية تطوير علاقات التعاون السياسي والنضالي مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وكذلك مع باقي القوى التقدمية مثل التجمع الوطني الديمقراطي ومع جميع القوى الديمقراطية الاخرى.

وتزداد اهمية هذا التعاون بعد حالة التشوش والارتباك الشاملة التي حلت بقوى اليسار الصهيوني، نتيجة الصدمة التي احدثتها الانتفاضة داخل المجتمع الاسرائيلي، خاصة وان هذه القوى التي ايدت في الماضي حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولة مستقلة، وايدت التفاوض مع منظمة التحرير وعارضت اعمال القمع التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ولم تؤيد سياسة التوسع الاستيطاني، نقول ان هذه القوى ورغم مواقفها الايجابية المذكورة، الا انها تحجم الآن عن المطالبة باجلاء جميع المستوطنات عن الارض الفلسطينية، وتعارض بشدة حق الشعب الفلسطيني في العودة الى دياره وفق القرار 194، كما تتبنى مواقف مترددة وغامضة تجاه موضوع السيادة الفلسطينية على مدينة القدس، وهذا ادى الى انقسامها والتحاق بعضها بسياسة باراك ووقوف بعضها الآخر متفرجاً وغير مدرك لحقيقة ما يجري حوله.

نحن نعتقد أن حالة الصدمة والانقسام لن تزول عن هذه القوى بسرعة، وان استمرار الانتفاضة سيعمق التفاعلات الداخلية في المجتمع الاسرائيلي باتجاه ظهور قوى جديدة تقترب اكثر من مطالب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة، ومن اجل تعميق هذه التفاعلات يتوجب علينا كفلسطينيين التمسك بخطابنا السياسي الواقعي والداعي الى دولة فلسطينية في الحدود الجغرافية للمناطق المحتلة منذ حزيران 1967، وتفويت الفرصة على قوى اليمين الاسرائيلي المتطرف التي تحاول حشد التأييد لمواقفها من خلال الترويج بأن تفكيك المستوطنات سيؤدي بالنتيجة الى الجلاء عن حيفا وتل ابيب وعسقلان ..الخ والى القضاء على دولة اسرائيل، كما يتوجب ايضاً الامتناع عن ممارسة أي تكتيكات عسكرية تتجاوز هذه الحدود الجغرافية، وتستهدف المدنيين داخل اسرائيل وتضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.

ان حزبنا يؤكد تمسكه بهذه المواقف والنضال من اجلها، وسيعمل على تعميق اواصر التعاون مع القوى الديمقراطية والمؤمنة بالسلام العادل والشامل داخل المجتمع الاسرائيلي وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الاسرائيلي.

وفي هذا المجال فقد جرى مؤخراً عقد لقاء قيادي مع وفد من الحزب الشيوعي الاسرائيلي برئاسة أمينه العام محمد نفاع، وتم في هذا اللقاء تبادل واسع لوجهات النظر، التي اكدت تماثل مواقف الجانبين بالنسبة للقضايا السياسية المطروحة.

وفي نطاق التعاون مع الحزب والجبهة وفي اطار حملة الاغاثة والتضامن التي نفذاها داخل اسرائيل فقد جرى ارسال كميات كبيرة من المواد التموينية قدرت حتى الآن بحوالي 200 طن، قمنا بتوزيعها في حوالي 7 محافظات في الضفة ولم ننجح بتوصيل مساعدات الى محافظات غزة بسبب ظروف خارجة عن ارادتنا نسعى لمعالجتها.


العلاقات الدولية:


تشغل قضية العلاقات الدولية حيزاً هاماً في نشاط الحزب. فقد تمكن الحزب من اقامة علاقات وثيقة مع مجموعة واسعة من الأحزاب الشيوعية والديمقراطية في العالم شملت تقريباً جميع الأحزاب الشيوعية الأوروبية والصين وروسيا وجنوب افريقيا وفيتنام واليابان والهند وايران ويرتبط بعلاقات وثيقة مع الحزب الشيوعي الكوبي وعلاقات لم تكتمل مع بعض الأحزاب الشيوعية في أميركا اللاتينية. يضاف الى ذلك العلاقات الوثيقة مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي، والعلاقات مع الأحزاب الشيوعية العربية جميعها وايضاً مع مجموعة الأحزاب العربية الأخرى من خلال العلاقات مع الأمانة العامة للأحزاب العربية والتي عقدت مؤتمرين الأول في عمان والثاني في بيروت.

ويتابع الحزب العلاقات مع مجموع هذه الأحزاب من خلال العمل على التواصل وتبادل المعلومات لتطوير العلاقات المتبادلة بالاعتماد على الأشكال التي منها:

المراسلات : يتابع الحزب نشاط وقضايا الأحزاب الأخرى من خلال الرسائل العديدة التي تصله عبر شبكات الانترنت وال e-mail والفاكس وكذلك الرسائل من الحزب الى مجموع هذه الأحزاب بما في ذلك تعميم البيانات الصادرة عن الحزب أو ارسال رسائل خاصة حول وضع معين هذا بالاضافة الى صفحة الانترنت الخاصة بالحزب.

المؤتمرات : يتلقى الحزب دعوات لمؤتمرات الأحزاب أو طلب ارسال تحيات الى مؤتمرات بعض الأحزاب وكان الحزب دائماً يعمل على تلبية هذه الطلبات لما لها من أهمية ليس فقط في تطوير العلاقة بين الحزبين وانما لشرح قضية شعبنا وحشد التضامن معه وقد تمكن الحزب من خلال هذه المؤتمرات طرح قضية الشعب الفلسطيني الوطنية والخروج بقرارات تضامنية مؤيدة للحقوق الوطنية لشعبنا ، ومن هذه المؤتمرات، مؤتمر الحزب الشيوعي اليوناني الذي صدر عنه بيانين تضامنين مع الانتفاضة والقضية الفلسطينية وكذلك توقيع عريضة تضامنية من 43 حزباً شيوعياً وعمالياً وجهت الى الأمم المتحدة، وهذا ما حصل ايضاً في مؤتمر حزب اكيل في قبرص، وفي مؤتمر الحزب الشيوعي البرتغالي، ومؤتمر الحزب الشيوعي الروسي، ومؤتمر حزب العمال في بلجيكا، ومؤتمر الحزب الشيوعي النمساوي، وكذلك من خلال المشاركة في المؤتمر العام لإتحاد النقابات في اليونان.

الندوات الدولية : شارك حزبنا في عدد من هذه اللقاءات التي ضمت مجموعات من الأحزاب وكان آخرها مؤتمر الأحزاب اليسارية الاوروبية المتوسطية في المغرب والذي لم نتمكن من حضوره بسبب الاغلاقات الاسرائيلية وقد قرئت مداخلتنا التي ارسلت بالفاكس في المؤتمر وتم بناء على ذلك اتخاذ قرارات للقيام بفعاليات تضامنية مع الشعب الفلسطيني. كما شارك الحزب في ندوة سياسية في مهرجان الفحيص في الأردن السنة الماضية.

الزيارات : قام الحزب بترتيب عدد من الزيارات للأحزاب الشيوعية الاوروبية حيث قام الرفيق حنا عميره بجولة اوروبية شملت ست دول وقد اطلعتم على نتائجها من خلال التقرير الذي قدم في حينه.

الدعوات : وجه الحزب دعوات لمجموعة من الأحزاب لزيارة فلسطين للاطلاع عن كثب على الأوضاع وقد تمت من خلال ذلك زيارة وفد من الحزب الشيوعي اليوناني برئاسة الامينة العامة ووفد من الحزب الشيوعي الفرنسي ووفد من البرلمان الاوروبي لأحزاب اليسار ووفد من الحزب الشيوعي في جنوب افريقيا برئاسة أمينه العام، كما التقينا مع وفد الحزب الشيوعي الايطالي (إعادة التأسيس).

لقد أدت مجموعة هذه النشاطات الى ابراز الحزب على الصعيد الدولي بين الأحزاب الشيوعية والديمقراطية في العالم ويمكن القول أن حزبنا يحظى بالاحترام والتقدير بين مجموع هذه الأحزاب.

وقد استغل الحزب مجموع هذه النشاطات والفعاليات من أجل شرح وتوضيح موقف الحزب من قضية الشعب الفلسطيني الوطنية وقد استقبل هذا الموقف بالتقدير واصبح يمثل موقف هذه الاحزاب في قضية الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

ومن القضايا التي طرحناها على الوفود الحزبية التي زارتنا وعلى عددٍ من الأحزاب الشيوعية والتقدمية في العالم، قضية عقد مؤتمر دولي لهذه الأحزاب للتضامن مع القضية الفلسطينية، وكذلك ايضاً تشكيل لجنة تحقيق برلمانية دولية للتحقيق في الجرائم الاسرائيلية. هذا واتفقنا مع ممثلي هذه الأحزاب على مواصلة المشاورات والاتصالات من أجل اخراج هذه الأفكار الى حيز التنفيذ، وكذلك على ضرورة تعزيز تضامنها الشعبي والكفاحي والاعلامي مع قضايا شعبنا.


بناء على ما تقدم فاننا نؤكد على ما يلي:


على الصعيد السياسي العام:

ان الانتفاضة هي محطة نوعية متقدمة على طريق النضال من أجل التحرر الكامل من الاحتلال وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبما يعني حقه في اقامة دولته الوطنية المستقلة ذات السيادة على الأراضي المحتلة منذ العام 67 وعاصمتها القدس العربية وضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.

من اجل تحقيق هذا الهدف العريض يتوجب اصلاح الخلل في البنية الهيكلية للعملية التفاوضية ووضعها على أسس جديدة كما يلي:

كسر الاحتكار الأميركي.

تأمين اشراف دولي على المفاوضات - عقد مؤتمر دولي.

ج- تأمين الحماية الدولية لشعبنا الفلسطيني بصفة ذلك من الأهداف المباشرة للانتفاضة.

التوصل الى اتفاق نهائي تفصيلي يقر آليات تنفيذ قرارات الشرعية الدولية قرارات 242، 338، 194 مع ضمانات دولية ملزمة لتنفيذها وكهدف للمفاوضات يجسد هدف الانتفاضة في حل نهائي عادل ومقيم للقضية الوطنية.

هـ- عرض أي اتفاق قد يجري التوصل اليه للإستفتاء الشعبي العام لإقراره.

وتلازماً مع الهدف السابق ضرورة اعادة تشكيل الوفد المفاوض وفق أسس ومعايير واضحة ومحددة. والاسراع في تشكيل المرجعية السياسية ،بما في ذلك تفعيل دور اللجنة التنفيذية بصفتها الهيئة العليا المشرفة على المفاوضات، واللجوء الى نهج مصارحة الشعب، وعدم تركه فريسة للدعايات الاسرائيلية.

واذا كانت جماهير الانتفاضة وقواها السياسية على معرفة بالتزامات السلطة على الصعيد الدولي، وما تتعرض له من ضغوط من جهات مختلفة، عربية ودولية، واحتياجاتها لمخاطبة الرأي العام العالمي، وبالتالي اضطرارها للمشاركة في هذا اللقاء التفاوضي او ذاك، وللتعامل مع هذه الفكرة او تلك، فان تركيبة الوفد التفاوضي من نفس الاشخاص، وبالحركات غير الموزونة، والتصريحات المبهمة والمتضاربة والتي تصب في صالح الدعايات الاسرائيلية احياناً، لا تساعد على فهم جماهير الانتفاضة لها من جهة، وتتفاعل مع مشاعر القلق والشكوك ، الامر الذي ينعكس سلباً على فعاليات الانتفاضة والمشاركة الشعبية فيها من جهة اخرى.

لكل ذلك فان اعادة تشكيل الوفد المفاوض ومرجعيته السياسية ووضوح الأهداف ومصارحة الشعب باتت ضرورة ملحة.

وايضاً وتلازماً مع ما سبق وبسبب حاجة الجماهير الشعبية، في ظل الحصار والاغلاق وانعدام فرص العمل، وسياسة التجويع.. الخ، بسبب هذه الحاجة لمعالجة مطالبها بات من الضروري معالجة العديد من المظاهر السلبية، وفي المقدمة الضرب بشدة، وبالقانون، على ايدي العملاء.لقد كان من نتائج الانتفاضة الكبرى السابقة انهيار جهاز العملاء، وقد آن الأوان لاقتلاع هذا الجهاز من جذوره، وبدءاً بتطهير اجهزة السلطة من كل من تحوم حوله شبهات، ومروراً بحملة تحقيق واسعة لاستئصال شأفة هؤلاء الخونة ومن الجذور.ويرتبط مع ذلك معالجة جادة لسائر مظاهر الفساد والرشوة والتلاعب بالمال العام. ان ذلك يدعو اول ما يدعو الى اعادة تشكيل السلطة ذاتها ووضع برنامج وطني مفصل لمعالجة كل المظاهر السلبية في حياتنا ولاعادة بناء المؤسسات وفي مقدمتها الوزارات على اسس صحيحة.

توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني ، وتعبئة الجماهير بمضمونه، ووضع حد لسيل التصريحات المتعارضة والمتناقضة من جانب بعض المسؤولين الفلسطينيين، التي تثير البلبلة والارتباك بين صفوف الجماهير، وتضر بالوحدة الوطنية.

مواجهة جميع الضغوط التي ترمي الى استبدال مرجعية عملية السلام وأهدافها، وهذا يتطلب ايضاً تطوير الخطاب السياسي الواقعي الوطني وعدم الانجرار وراء الشعارات العدمية التي من شأنها الحاق الأضرار بالنضال الوطني الفلسطيني.

التوجه للقيادة الفلسطينية ، لدعوة قادة الدول العربية، الى تشكيل وفد رفيع المستوى، يقوم فوراً بزيارة الولايات المتحدة، والاتصال مع الادارة الأميركية الجديدة، ومناقشتها في طبيعة دورها المقبل، ومطالبتها باتخاذ موقف واضح ومتوازن ازاء حل النزاع في الشرق الأوسط وفق قرارات الشرعية الدولية، ومطالبتها ايضا باصلاح الأضرار التي نتجت عن سياسة الادارة الأميركية السابقة، وابلاغها بموقف عربي موحد يرفض سياسة ممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني للتنازل عن حقوقه العادلة.

القيام بحملة سياسية واسعة من أجل تعزيز التضامن العربي على الصعيدين الرسمي والشعبي، ومطالبة الدول العربية ، بالاسراع في تنفيذ قراراتها التي حددت أسس السلام العادل ووسائل تحقيقه، وطرح ورقة عمل بالقرارات غير المنفذة لمعالجة هذا الموضوع على مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في شهر آذار في عمان. وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية وضع برنامج عمل لحث الأطراف العربية، على تنفيذ خطوات التحرك السياسي المشترك على النطاقين العربي والدولي وعلى نطاق الأمم المتحدة، وذلك من أجل بلورة الآلية المناسبة لتنفيذ قرارات القمة وتطويرها خدمة لاستمرار الانتفاضة ولتعزيزها ولتدعيم التضامن العربي الرسمي والشعبي معها.

دعوة الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف الرابعة والخاصة بالمدنيين تحت الاحتلال الى عقد جلسة عاجلة لالزام الحكومة الاسرائيلية بتطبيق هذه الاتفاقيات في المناطق الفلسطينية.


على الصعيد الفلسطيني:


المحافظة على استمرارية الانتفاضة وتعميقها وتطويرها على أساس مبدأ المشاركة الجماهيرية السياسي والتنظيمي عبر تشكيل اللجان الشعبية، وتطوير أشكال التحرك الجماهيري على أسس ديمقراطية، والابتعاد عن مظاهر العسكرة وتوجيه الأوامر والتعليمات الفوقية، وتطوير المضمون السياسي لأداء الهيئة القيادية للانتفاضة بحيث تجسد أهداف الانتفاضة السياسية ممثلة ببرنامج التحرر والاستقلال والعودة باعتبارها المركبات الأساسية لوحدة المشروع الوطني الفلسطيني.

البدء فوراً بتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، باعتبارها المجسد للوطنية الفلسطينية ، وتعزيز دورها كمرجعية للسلطة الوطنية، ولعملية المفاوضات، وباعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والعمل على تعزيز دورها كمرجعية سياسية للانتفاضة.

اتخاذ اجراءات ذات طابع سيادي عملي لتجسيد سيادة الدولة الفلسطينية وتنفيذ قرارات المجلس المركزي الفلسطيني بهذا الخصوص، وتطويرها استناداً لزخم الانتفاضة وذلك باتخاذ اجراءات وسن قوانين تعزز الاستقلال السياسي والقانوني والاقتصادي.

تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية ذات الامتداد الاجتماعي الواسع مهما تفاوتت وجهات النظر حول التكتيك السياسي المتبع، وتوحيد الصفوف تحت شعارات انهاء الاحتلال واقامة الدولة المستقلة وعودة اللاجئين، ورصها حول الهدف الوطني الواحد، ومحاربة أية ممارسات فئوية ضيقة تضر بوحدة الجماهير الشعبية.

ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني وتصحيح أداء السلطة، ومعالجة كل الاشكاليات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ووضع خطة طواريء اقتصادية وتفعيل عمل كل الوزارات والمؤسسات والأجهزة المختلفة، بما يخدم صمود الشعب ويحافظ على استمرارية الانتفاضة، واتخاذ جملة من الاجراءات الداعمة، لحل مشاكل الجماهير وتعزيز دورها، وفي مقدمتهم اسر الشهداء والجرحى والعمال والمزارعين والتجار والصناعيين والطلاب، وضبط وترشيد المال العام، وعدم التهاون مع اية مظاهر او تجاوزات ضد الجماهير، والعمل على تشكيل اللجان الشعبية وصناديق التكافل الاجتماعي لحماية منجزاتها وتطويرها ، فالمعركة طويلة وقاسية وتحتاج لنضال طويل ورؤية سياسية واقعية.

حث السلطة الوطنية والاحزاب والتنظيمات والبلديات والغرف التجارية والنقابات العمالية والمهنية، والمنظمات النسائية والأهلية الى المبادرة بتشكيل لجان العون والصمود في كل مدينة وقرية ومخيم لوضع برامج طواريء لتشغيل العمال ولجمع التبرعات المالية. وحث رجال المال والأعمال من اصحاب الشركات والمصانع والمؤسسات عدم تسريح عمالهم وموظفيهم وتحمل نصيبهم من أعباء معركة الصمود. فهذه الوسائل يمكن أن نضمن حدا معينا من العدالة الاجتماعية وتقاسم الأعباء الاجتماعية.

عقد المؤتمرات الشعبية وتسيير المسيرات الجماهيرية في كل مدينة وبلدة ومخيم وقرية التي تؤكد على أ هداف الانتفاضة ورسالتها السياسية وتعبيء الجماهير بهذه الاهداف وتتصدى لأي محاولات للخروج عليها.

قيام جميع المؤسسات والبلديات والنقابات والجمعيات والاتحادات الى توقيع العرائض الجماهيرية التي تندد بسياسة الحصار والعدوان الاسرائيلية ورفع هذه المطالب الىا لمؤسسات الدولية.

تنظيم المظاهرات الجماهيرية الحاشدة ، في جميع المواقع نحو الحواجز العسكرية والاسمنتية الاسرائيلية، وردم جميع الخنادق التي حفرتها سلطات الاحتلال حول التجمعات السكانية الفلسطينية، وتنظيم الحملات الشعبية لاعادة تشجير المناطق الزراعية التي اجتث الاحتلال ومستوطنوه اشجارها وذلك من اجل كسر حصار العزل والتجويع المفروض على شعبنا.

تعزيز النضال الجماهيري وبمختلف الوسائل ضد الاستيطان والمستوطنين، ومقاطعة بضائع المستوطنات ومنتوجاتها، وكذلك مقاطعة العمل في المستوطنات وايجاد البديل الوطني لتشغيل ولدعم العمال الذين يقاطعون العمل فيها.

القيام بفعاليات ونشاطات جماهيرية مختلفة لنصرة قضية اللاجئين وحقهم في العودة، وكذلك تعزيز النضالات الشعبية من اجل كسر الحصار المفروض على مدينة القدس ووقف اجراءات تهويدها.

وبالمحصلة فقد أدرك حزبنا منذ البداية أن عليه أن يلعب دوراً ملموساً في اكساب الانتفاضة شعارات سياسية تمنع النزعة الاستخدامية لها من جهة، وتمنع التطرف وغلبة الشعارات الظلامية والعدمية عليها من الجهة الأخرى، وقد نجح الحزب في ان تصبح الشعارات التي رفعها وطالب باعتمادها في الانتفاضة شعارات وطنية عامة، بدءاً بالمطالبة بالحماية الدولية ، وكسر الرعاية الأميركية، والاصرار على تطبيق قرارات الشرعية الدولية وليس التفاوض حولها، والمطالبة بتعديل اطار المفاوضات وآلياتها، ومراعاة احتياجات الجماهير وتأمين متطلبات صمودها.

كما أدرك حزبنا حاجة الانتفاضة الى اطار قيادي محرك لها، ووحدوي، وضرورة تطوير صيغة القوى الوطنية والاسلامية ولكن دون ان يتجاهل الحزب امكانية التأثير والعمل المشترك مع بعض القوى السياسية الأكثر فاعلية وقرباً ايضا من توجهاته السياسية، ولذلك فقد احتفظ الحزب بعلاقات كفاحية وخاصة مع تنظيم فتح وحركيته العليا، ونسق عددا من المواقف المشتركة معها ، واجرى لقاءات مع كل من فدا والنضال الشعبي، ومع الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وقدم العديد من الاقتراحات لرفع مستوى اداء ودور الاطار القيادي او التنسيقي الرسمي للانتفاضة، ولا عجب ان ذلك لم يتحقق كما كان الحزب يرجو، اولا بسبب الية العلاقات والتوازنات ونمط العمل القائم في الساحة الفلسطينية، وثانياً بسبب عدم القدرة على الاتفاق على برنامج سياسي مشترك وموحد للانتفاضة مع القوى الدينية الفلسطينية وبعض القوى الرافضة الأخرى.

واعتماداً على الركيزة السابقة فان الحزب رأى ضرورة ان تحدث الانتفاضة تغييراً في بنية النظام السياسي الفلسطيني، بحيث يعاد تشكيلها على أساس آلية تراعي التغيرات التي فرضتها الانتفاضة على الأرض وأدوار القوى والمؤسسات والفئات الجديدة التي برزت فيها، وبما يسمح بمحاصرة نهج التفريط والفساد والارتباط المصلحي مع اسرائيل وبما يعزز اعادة بناء وحدة وطنية حقيقية تنعكس اثارها ليس فقط على الصمود السياسي وانما كذلك على اداء مؤسسات ووزارات وسياسات السلطة وتركيبتها.

وقد حدد الحزب تاكتيكه من مختلف تحركات السلطة واتصالاتها، بالاعتماد على ركيزتين:

الاولى: في العمل على الا تنزلق تحركات السلطة الى تجاوز اهداف الانتفاضة وبرنامجها وثوابت الموقف الوطني، وكذلك في الا تؤدي الى اضعاف الانتفاضة والاضرار بحركتها.

والثانية: في التمييز بين هامش الموقف الخاص بالسلطة ومتطلبات حركتها واتصالاتها الديبلوماسية، وبين موقف حزبنا او الانتفاضة من ذلك، وبحيث الا يؤدي اغفال هذا الفارق الى الدخول في صراعات داخلية تضعف الانتفاضة او الاندفاع لتبرير أي تحركات او اتصالات للسلطة من منطلق موقفها الايجابي سياسياً مع الانتفاضة، وان المعيار الأخير لكل ذلك هو مدى التمسك بالبرنامج الوطني.

لقد اكسبت هذه المرتكزات والتحرك الذي قاده رفاقنا على أساسها، الحزب مصداقية جيدة وموقفا متزناً وواقعياً وموحداً، وكان يمكن ان يكون ذو تأثير اكبر ايضا لو ان كافة الامكانيات قد سخرت لتعزيز دور الحزب وظهوره وتميزه ولو اعلامياً على الأقل.

واخيراً فلا شك ان الحزب طمح لأن يعزز دوره ونفوذه السياسي والجماهيري والتنظيمي وان يزيد عضويته وان يستنهض كافة امكانيات رفاقه وهو الأمر الذي لم يكن بنفس الوتائر في كافة المحافظات مما يتطلب فحصاً ومعالجة للنواقص التي شابته.

وبعد فان استمرارية الانتفاضة والتمسك بالموقف السياسي المعبر عن اهدافها، مقرونا بالتضامن العربي الرسمي والشعبي الكفاحي وبالتأييد الدولي، هو الذي سيحدد طبيعة التحركات السياسية الجارية ويوصلها الى هدفها، وهو الاداة الفعالة التي تستطيع احباط جميع مشاريع الاستسلام التي يحاولون تمريرها، واخراج عملية التسوية من دائرة الاحتكار الاميركي المنحاز لاسرائيل، وتهيئة الساحة الخارجية ولا سيما الاوروبية لممارسة دور سياسي فعال، في الضغط على اسرائيل، مهما كانت هوية رئيس وزرائها من العمل او من الليكود، لاجبارها على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية.

ان حزبنا اذ يؤكد تمسكه بمواقفه وسياسته الوطنية التي اثبتت التجارب صحتها، ليؤكد اعتزازه بنضال جماهيرنا وتضحياتها من اجل تحقيق اهدافها، كما ويؤكد ايضا اعتزازه بنضالات رفاقه الملتزمين بقضية شعبهم وبمواقف حزبهم التي باتت تشكل اساساً جامعاً لمجمل قوى الحركة الوطنية الفلسطينية.

اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني