2008-10-06

المادة المقدمة هنا، مطروحة للنقاش في المؤتمر الرابع لحزب الشعب الفلسطيني، ولكنها ايضاً مطروحة للجدل العام، وخاصة في اطار المسعى لتجديد اليسار الفلسطيني، بوصفه يساراً عصرياً، تقدمياً، وديمقراطياً، وكذلك بوصفه حامل اساسي لهمّ المشروع الوطني.
إن هذه المادة تأتي في سياق المساهمة في تعزيز "طريق اليسار الى التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية" وهو الطريق الذي سقط من اجل اجتيازه الاف المناضلين والمناضلات ممن حركتهم القضية الاساس لكل يسار، وهي قضية التغيير التقدمي، وهي القضية التي لا تزال تطرح نفسها على الصعيد الفلسطيني.
وتقسم المادة المقدمة الى ثلاثة اقسام، المقدمة، وهي المعروضة في هذا الكتيب، ثم القسم الثاني والذي يتناول رؤية وبرنامج اليسار للقضية الوطنية، وللقضية الاجتماعية – الاقتصادية، وللقضية الديمقراطية ، وللنظام السياسي، وللموقف من علاقة الدين بالدولة، ومن قضية المرأة والنظام التعليمي، والعمل النقابي.
اما القسم الثالث فيتناول مفهوم الحزب وطبيعة حزب اليسار العصري والموحد، على ضوء المتغيرات في اسلوب عمل الأحزاب في ظروف شبه علنية، او علنية بالكامل، ولتجربة العمل بما يعزز العلاقة بين قضايا الحزب والمجتمع، والترابط الوثيق بين القيادات المجتمعية والحزبية، ومتطلبات تعزيز الاستقلالية من جهة، والترابط مع قوى وحركات اليسار الاقليمية والدولية من الجهة الأخرى.
إن هذه المقدمة ، خاضعة للنقاش، وللتطوير، وهي تأتي في سياق فرش ارضية البناء المطلوبة من اجل توسيع الأفاق لتطور حزب الشعب الفلسطيني نفسه، ولتطور الطموح المرافق للحزب من اجل تعزيز اليسار الفلسطيني وتوحيده، انه طموح بناء مقومات حزب اليسار التقدمي، واضح المعالم، والتوجهات، والتنظيم.

حقبة جديدة في تاريخ حركة التحرر الفلسطينية


مهد اندلاع الانتفاضة الشعبية في نهاية عام 1987، لنشوء حقبة جديدة في تاريخ الحركة التحررية الوطنية الفلسطينية.
لقد تمثل ذلك في تكريس اعتبار الاراضي الفلسطينية المحتلة الساحة الرئيسية للنضال الفلسطيني، والاعتراف الرسمي الواضح بذلك من قبل القوى السياسية الفلسطينية وقيادة م.ت.ف، التي كانت تكابر في عدم الاقرار بهذه الحقيقة خوفاً من نشوء ما يسمى قيادة محلية بديلة عن م.ت.ف.
كما أن الانتفاضة الاولى كرست شكل النضال الجماهيري الشعبي الفلسطيني وبأولويته على شكل المقاومة المسلحة في الاراضي الفلسطينية، كنضال مؤثر وفعال وقادر على تحقيق النتائج الكفاحية والسياسية المطلوبة.
وساهمت الانتفاضة الاولى مساهمة حاسمة في تكريس برنامج واقعي لمنظمة التحرير الفلسطينية، تمثل في اعلان الاستقلال1 ومبادرة السلام الفلسطينية، التي مهدت لبدء عملية سياسية، ترتكز على المفاوضات برعاية دولية2 من أجل حل الصراع الذي دأبت اسرائيل على رفض حله على اساس الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كما طورت الانتقاضة الاولى تجربة شعبية ديمقراطية مميزة، اتخذت شكل اللجان الشعبية والوطنية وأعطت مثالا ملموسا على انجازات العمل الوحدوي المشترك الذي قادته القيادة الوطنية الموحدة. وسمحت الانتفاضة ببروز قيادات جديدة على كافة المستويات المحلية والعامة والسياسية، ووفرت الفرص لتطوير ذلك، رغم الحساسية والتحسبات التي كان يثيرها ذلك عند القيادة الرسمية في الخارج.
كما ان الانتفاضة لعبت دوراً هاماً في التأثير على المجتمع الاسرائيلي. اذ وسعت دائرة القوى التي تدعم التفاوض المباشر مع قيادة  الشعب الفلسطيني والاتفاق معها، اضافة لما حققته من زيادة تركيز اهتمام الأطراف الدولية المختلفة بضرورة ايجاد الحلول للقضية الفلسطينية، واتساع دائرة التعاطف والدعم العالمي للشعب الفلسطيني وحقوقه.
***
أعطى اتفاق أوسلو 1993 واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية على أساسه، هذه الحقبة مظهراً مختلفاً وأبعاداً جديدة لهذه الحقبة، حيث اصبحت حجر الزاوية لطبيعة وملامح وتناقضات ومستقبل حركة التحرر الفلسطينية، في حقبتها الجديدة.
ان حجم الأثر الذي تركه نشوء السلطة الفلسطينية بالنسبة لواقع القضية الفلسطينية ومستقبلها، لا يقلل منه استخفاف المعارضة باتفاق اوسلو ، أو باقامة السلطة، كما لايتلاءم مع التبسيط الساذج احياناً الذي طبع مواقف المتحمسين للإتفاق والقائمين على بناء السلطة.
وقد تبين وخاصة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، والوضع الذي اضحت فيه السلطة، بعد حصار الرئيس الراحل عرفات، ثم بعد نتائج الانتخابات التشريعية في 2006 ، أن تأثر الواقع الجديد للشعب الفلسطيني بنشوء السلطة الوطنية، كان أكبر بكثير من عمر السنوات الست لتأسيسها قبل الانتفاضة، أو الاحدى عشرة عاماً لها بعد الانتخابات التشريعية.
فعلى صعيد الفكر السياسي الفلسطيني، أعطى نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، طابعا ملموسا لهدف الدولة الفلسطينية الذي ظل  حتى عام 1988 يراوح بين الجدل والخلاف السياسي والنظري حول مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة،  التي شهدت منظمة التحرير الفلسطينية صراعا طويلا حولها، وتحديدا منذ مطلع السبعينات3، وحتى اعلان الاستقلال.
لقد حسم اتفاق اوسلو ونشوء السلطة ، على المستوى الفلسطيني، الحد الاقصى لحدود هذه الدولة، وأفقها المباشر، في حدود الرابع من حزيران عام 1967. ومثلت السلطة نواة أول صيغة كيانية للشعب الفلسطيني على أرض وطنه. وشكل تضمين اعلان المبادئ بحث قضايا اللاجئين بالاضافة الى الحدود والقدس والمستوطنات والمياه بالنسبة لقيادة المنظمة والسلطة فيما بعد، أساسا للنظر بايجابية تجاه الاتفاق، ومن حيث اقرار اسرائيل بحث هذه المسائل، التي كانت ترفض مجرد البحث فيها، تمهيدا لحلها لصالح الشعب الفلسطيني.
غير أن اتفاق اوسلو، ونشوء السلطة الوطنية، لم يغيرا من جملة حقائق ترافقت معهما، فعلى الرغم من أن هذا الاتفاق كان أول اتفاق سياسي فلسطيني يقوم على أساس الاعتراف المتبادل، الا أن هذا الاعتراف لم يكن متساويا بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفقا للصيغة التي تضمنتها رسائل الاعتراف المتبادل والتي نصت على "أن حكومة اسرائيل قررت الاعتراف ب م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني وعلى اقامة مفاوضات معها من خلال عملية سلام الشرق الاوسط،" في مقابل أن "م.ت.ف تعترف بحق اسرائيل في الوجود بسلام وامان".2
كما أن الصيغة الانتقالية التي ارتكز اليها الاتفاق، وفي ظل استمرار الاستيطان والتوسع الاسرائيلي، جعلت هذه الصيغة تلعب لصالح اسرائيل في مواجهة طموح الشعب الفلسطيني، بتحويل السلطة من سلطة اتفاق " حكم ذاتي محدود" الى دولة مستقلة ذات سيادة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967، ما هدد بمخاطر تكريس السلطة من حيث الجوهر بدلا عن الدولة، والذي استوجب الجدل اللاحق حول جدوى استمرار السلطة بهذا المعنى، بعد أن اعادت اسرائيل سيطرتها الكاملة على مناطق السلطة بعد الانتفاضة الثانية والاجتياحات الشاملة لكافة اراضي السلطة في العام 2002.
كما أن حقيقة وضع السلطة التي تجلت بأكثر ما يكون كسلطة على السكان دون سلطة أو سيادة على الارض، عمقت من ازمة مضمون السلطة ذاتها التي جاءت نتيجة التزامات متبادلة ودولية، والتي قامت بشكل بنيوي على طبيعة اعتمادية تابعة . فقد قيدت الاتفاقات هامش حرية وحركة السلطة في كافة المجالات، بما فيها مواردها الاقتصادية، وأراضيها ومعابرها وأجواؤها.. الخ، ولم تقلل علاقة السلطة بالمجتمع الدولي  والمساعدات المباشرة وغير المباشرة التي قدمها المجتمع الدولي لها، الى جانب مساعدات العالم العربي، من حقيقة تحكم اسرائيل الحاسم في وضع السلطة وامكاناتها.
ولم تقتصر اعتمادية السلطة على الطابع الاقتصادي والمالي، والذي زادت مظاهره مع تضخم اعباء الجهاز الوظيفي والامني للسلطة الفلسطينية، بالقياس الى امكانياتها  المحدودة، بل امتدت لتشمل مختلف الجوانب السياسية والأمنية والديبلوماسية والتنموية، ما شكل نقصاً واضحاً في قدرة السلطة على ادارة صراعها بالمرونة المطلوبة، سواء في ظل وضعها الانتقالي أو في سعيها لانجاز القضايا النهائية التي جرى ترحيل التفاوض عليها الى المرحلة اللاحقة.
وقد ثبت بعد ذلك وهم قدرة اتفاق اوسلو على الصمود و التطور، دون تدخل فعلي من الاطراف الدولية والتي كانت تواجهها ايضاً مشكلة  الانحياز الأميركي لصالح اسرائيل ، في كافة الازمات التي عانى منها هذا الاتفاق وتطبيقاته.
إن الانحياز الاميركي ومحدودية تدخل الاطراف الدولية الاخرى، لعب دوراً حاسماً في الفشل في قراءة الاعراض التي تجلت في ازمات المفاوضات التي تلت اتفاق اوسلو، حول اعادة الانتشار، أو التوسع الاستيطاني، ثم في دلالة هبة النفق عام 1996، بل تم الامعان في البحث عن معالجات امنية وبروتوكولية ومالية واقتصادية  لهذه الازمات على حساب المعالجة السياسية الجذرية لها.
وفي الوقت الذي كان هذا الواقع يفرض فيه على قيادة السلطة، والمنظمة، ان تحافظ على عناصر قوتها ومضاعفة هذه العناصر لصالح استكمال اهدافها التي بات واضحا ما يعترضها من مشاكل رئيسية، خاصة بعد تقدم اليمين الاسرائيلي واغتيال رابين 1995، فانها تجاهلت ذلك وواصلت ممارسة ذات الاخطاء الرئيسية في مسلكها.
تطلب الواقع الجديد بناء السلطة كنموذج متطور ومميز لمستقبل الدولة الفلسطينية، بما يتضمنه ذلك من تعزيز سلطة القانون  والمؤسسات الديمقراطية والأمن لصالح المواطن، من جهة ومن الجهة الأخرى تقليص طبيعة السلطة الاعتمادية وزيادة قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الاسرائيلية المباشرة وغير المباشرة، التي تجلت بوضوح بعد انتفاضة الاقصى. كما كان ذلك يتطلب  المحافظة على وحدة الشعب الفلسطيني وعلى دور م.ت.ف وتعزيزه بصورة ابداعية على ضوء الوضع الجديد.
بدل كل ذلك اتخذت الامور اتجاها آخر، جعل من اداء السلطة وسلوكها مصدرا للنقد المتواصل داخليا وخارجيا. وجعلتها طبيعتها الاعتمادية وتضخمها، وضعف الالتزامات الدولية حيالها كيانا غير مرن في القدرة على صد الهجمات عليها. وانعكس كل ذلك على واقع وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وعلى واقع م.ت.ف التي فشلت في اعادة صياغة دورها كقيادة عامة للشعب الفلسطيني على ضوء المتغيرات الجديدة.
وعلى العموم فان موقع السلطة الوطنية في حالة الصراع مع الاحتلال من جهة، وفي حالة الصراع الفلسطيني الداخلي من الجهة الأخرى، أصبح نقطة الارتكاز في الحقبة الجديدة من تاريخ حركة التحرر الفلسطينية.
وقد فرض واقع نشوء السلطة تحولات هامة على صعيد الوضع الفلسطيني الداخلي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وباتت متطلبات اداء السلطة تجاه المجتمع والجماهير الفلسطينية مشابهة، الى حد كبير، لمتطلبات هذا الاداء في الدول المستقلة، رغم محدودية امكانيتها لذلك. كما أن متطلبات المجتمع وخدماته وقضاياه العامة، اصبح لها عنوان مباشر واحد وهو السلطة الوطنية وليس الاحتلال أو اية أطراف أخرى.
لقد خلق هذا الوضع أساسا لحقيقة تنامي التداخل بين القضايا الوطنية والاجتماعية. ولم يعد يكفي لمعالجة هذا التداخل العميق، الركون الى التسليم المبدئي المبسط بأولوية  الصراع الوطني على الاجتماعي. بل أن هذا التداخل، جعل من غير الممكن التقدم في معالجة الوطني دون الالتفات الى الاجتماعي الاقتصادي والديمقراطي.
      وقد زاد من هذه الحقيقة أن السلطة ذاتها لم تثبت بالممارسة تغليبها للعامل الوطني واستحقاقاته المختلفة، على ادائها الداخلي، بل أنها تحولت الى ما يشبه صيغة السلطة التي تبحث عن الامتيازات والمكانة والمال واجهزة الامن.
وعلى العموم يمكن القول أن المنحى الذي اتخذه سلوك واداء السلطة، حال دون  تطوير العناصر الايجابية المختلفة التي حملتها الانتفاضة الأولى عام 1987، وقي مقدمتها تنامي دور القوى الاجتماعية والطبقات الشعبية التي حملت لواء الانتفاضة على اكتافها. وكذلك تنامي دور وبنيان الاطر الجماهيرية والقيادية التي انبثقت عنها، ما ادى الى تراجع ادوار هذه القوى واطاراتها القيادية، التي اضعفها واجهضها المنحى الذي تمثل به سلوك السلطة واولوياتها. وقد انطبق ذلك على دور وتأثسير قوى اليسار الفلسطيني التي لعبت دوراً هاماً في الانتفاضة الأولى عام 1987 وما قبلها، ولكن هذا الدور تراجع بوضوح مع نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية.
وبرغم كل شيء، فقد شدت السلطة الوطنية أخيرا الجميع باتجاهها كمحور في الحقبة الجديدة لتاريخ حركة التحرر الفلسطينية، فهي باتت احد عناوين الصراع الاساسية مع الاحتلال. بين ما يريدها أن تكون وبين ما تحاول هي أن تكون، وبين ما تستطيع فعلا أن تكون، وباتت هي العنوان المباشر للعلاقات الدولية العملية مع الشعب الفلسطيني. وبات أمر دعمها أو محافظتها على التزاماتها، أو اصلاحها، يرتبط بالاجندة الدولية بصورة لا يمكن فصلها عن متطلبات الاجندة الفلسطينية.
وعلى الصعيد الداخلي فقد بات التنافس والصراع على السلطة شأناً للقوى المعارضة لاتفاق اوسلو ولنشوء السلطة، بذات القدر الذي هو شأن للقوى المؤيدة لها.
وبغض النظر عن المكانة التي مثلتها السلطة الوطنية، والآثار التي تركتها على التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب الفلسطيني، والصراع الذي تولد ولا يزال عليها، ودرجة الانجاز الفعلي الذي تحقق من اقامتها. فانها اصبحت محوراً  مركزياً في الحقبة الجديدة من تاريخ حركة التحرر الفلسطينية، وانها بكل تجلياتها وانعكاساتها قد طبعت ملامح هذه الحقبة.

التغيرات في التركيب الاجتماعي والاقتصادي


بنشوء السلطة الوطنية الفلسطينية شهد الواقع الاقتصادي – الاجتماعي داخل الاراضي الفلسطينية تغيرات كبيرة، ما لبثت أن تأثرت بصورة عميقة بما رافق اندلاع الانتفاضة عام 2000، تم اغلاق قطاع غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي منها عام  2005، ثم بعد الحصار الذي فرض على حكومة حماس وانعكاسه على الشعب الفلسطيني بعد الانتخابات التشريعية 2006.
صورة ذلك تتمثل في التزايد غير المسبوق في نسبة الفقر، والذي بلغ اكثر من 60% والبطالة، التي بلغت اكثر من 30%.
تبدى بوضوح ان الضحية الأولى لجملة  التغييرات، هي الطبقات الشعبية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة، التي تلقت ضربة شديدة باغلاق سوق العمل الاسرائيلي امامها، بعد أن كان هذا السوق يستوعب اكثر من ثلث القوى العاملة الفلسطينية، ويحقق نسبة هامة من اجمالي العائدات.
مع اغلاق هذا السوق، تحول القسم الأكبر من العاملين فيه الى عاطلين مباشرين عن العمل. وزاد العرض في القوة العاملة زيادة كبيرة على نسبة الطلب التي توفرها المشروعات الاقتصادية الفلسطينية، سواء في قطاع الصناعة او في قطاع المقاولات الذي يعتبر الأكثر استيعاباً للعمال الذين فقدوا اماكن عملهم في اسرائيل ، او في قطاع الخدمات الذي يتطلب مستوى اعلى من التأهيل والمهنية، ومع ذلك فقد ظل القطاع الزراعي رغم ضعف الاهتمام الرسمي به هو الملاذ الاكثر استيعاباً لهذه الأوساط.
ومع اندلاع الانتفاضة عام 2000، والتدمير الاسرائيلي الممنهج والمثابر للبنية التحتية ولوسائل تسويق البضائع المحلية والذي تكرس بعد الانتخابات التشريعية 2006، ومع اغلاق قطاع غزة، فإن مجمل المشاريع الاقتصادية الفلسطينية القائمة، تضررت، وبات الخطر يتهدد هذه المشاريع التي تراجع الاستثمار فيها، وباتت غير قادرة على استيعاب اعداد اضافية من القوة العاملة، ومضطرة للإستغناء عن اعداد من العاملين لديها، بالاضافة الى  تراجع  مستوى الاجور والضمانات والحقوق العمالية، ما زاد من بؤس وفقر العاملين والعاطلين عن العمل على السواء.
والى جانب الطبقة العاملة التي لا تزال تمثل القسم الأكبر من قوة العمل الفلسطينية، تضررت بصورة ملموسة اوساط المزارعين الفلسطينيين، والعاملين في القطاع الزراعي، حيث تلقى القطاع الزراعي بمجمله ضربة كبيرة بسبب حصر السوق الداخلي امامه، وبسبب الاغلاقات والحواجز سواء بين الضفة والقطاع، او بين اجزاء الضفة نفسها،  فضلاً عن اغلاق الاسواق الخارجية امام التصدير الزراعي، بما في ذلك الى اسرائيل ذاتها.
وقد أثر بناء جدار الفصل العنصري، وعزل الاراضي الواسعة التي رافقته ومصادرتها، تأثيراً كبيراً في مفاقمة مشكلة المزارعين الفلسطينيين، وفي خسارة اراضيهم واستثماراتهم وخاصة في مناطق جنين، طولكرم، قلقيلية. كما تضررت المناطق الزراعية بسبب تجريف الاراضي في شمال غزة وشرقه ومنطقة خانيونس، وقد مس كل ذلك بصورة ملموسة العاملين الزراعيين الذي انخفضت اجورهم وفرص عملهم.
والى جانب هذه الطبقات، تنضم سنوياً اعداد جديدة من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، الى سوق البطالة الذين تتقلص نسبة استيعابهم في اسواق العمل.
ان الطبقات الشعبية الفقيرة، والأشد فقراً التي تتكون من الطبقة العاملة والعمال الزراعيين واقسام واسعة من المزارعين، بالاضافة الى العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات ، تميزها خصائص متنوعة ومشتركة في آن. فهي اولاً موزعة على مجموع مناطق السكن، في الريف الفلسطيني والمدن والمخيمات، وهي اعلى كثافة في قطاع غزة عنها في الضفة الغربية. وهي في مناطق شمال الضفة مثل جنين وطولكرم وقلقيلية، اعلى منها في وسط الضفة. وهي في ريف محافظة الخليل اعلى منها في مدنه، وهي تمثل الغالبية الساحقة من ابناء المخيمات.
ويزيد من واقع معاناة هذه الطبقات، غياب شبكة امان او ضمان اجتماعي لحقوقها، وضعف تبني قضاياها والدفاع عن مصالحها، رغم انتشار ووجود النقابات العمالية، وبسبب غياب ظهور قيادة مستقلة من صفوف هذه الفئات، سواء على الصعيد النقابي او الجماهيري.
واما الواقع الذي يعيشه ابناء هذه الطبقات العاملين في القطاع الصناعي الفلسطيني ، فإنه يتميز بانخفاض الاجور، وضعف مستوى الضمان الاجتماعي ، وحدة المنافسة، وضعف مستوى التنظيم النقابي.
لقد أهملت قوى اليسار الفلسطيني في الحقبة الجديدة لحركة التحرر الفلسطينية، العمل في اوساط الطبقات الشعبية، وفي العمل اساساً من اجل تنظيمها والدفاع عن مصالحها، وحقوقها، وتعزيز هذه الحقوق وتطويرها عبر قوانين ونظم الحماية لهذه الحقوق، وبناء شبكات الأمان الضرورية لها.
وقد احسّت الغالبية الساحقة من ابناء هذه الطبقات، انها تركت لرحمة الأقدار عندما اغلقت امامها فرص العمل داخل اسرائيل، ومستها البطالة والفقر، وتحولت الى منتظر لمشاريع التموين الجديدة، والاغاثات الغذائية، وظاهرة "الكوبونات والطرود" المهينة التي رافقتها. كما أحسّت أن القوى السياسية والنقابات العمالية لها عالم آخر غير عالم الدفاع عن مصالح هذه الطبقات.
أن الابتعاد عن هذه الطبقات لم يكن محصوراً فقط في غياب المسعى الجدي لمعالجة قضاياها المباشرة ، وانما كذلك في عدم  رسم أو تحديد اي افق، لأهدافها وتطلعاتها ومستقبلها، وعدم استثمار الطاقة الكفاحية الكامنة لديها، بأفضل اتجاهات الترابط بين مصالحها الاجتماعية – والوطنية، بدل الاكتفاء بأن تلعب هذه الطبقات دور الرصيد الاحتياطي للتضحية والنضال والمقاومة، والكفاح الوطني دون أن تكون لها مكانة موازية في تقرير توجهات الحاضر وآفاق المستقبل.
نشأ بسبب ذلك تراجع ملموس في بناء وتعزيز حركة مستقلة في اوساط الطبقات الشعبية ، تستند الى ترسيخ الوعي والتنظيم في صفوفها،وبمصالحها. وحل بدل ذلك  الإحباط واليأس وانعدام الثقة، مع تزايد البؤس في اوساطها، والذي ولد سلوكاً احتجاجياً، عقابياً، ضد القوى السياسية التي تخلت عنها، بعد أن منحتها هذه الطبقات، الثقة والاخلاص، وحيث بدأت بالتفتيش عن بدائل اخرى تعطيها املاً بما هو افضل .
ان استعادة ثقة الطبقات الشعبية، هي اصعب اليوم بكثير مما كانت عليه في السابق، وستستمر كذلك اذا ما ظل نشاط قوى اليسار محصوراً في الحقل السياسي وحده، أي في اطار الاستقطاب السياسي لكسب اصوات هذه الطبقات بمعزل عن الدفاع عن مصالحها. كما انها ستكون اصعب اذا ما بات عنوان ذلك التنافس يقتصر على الخدمات الاعاشية لهذه الطبقات، على شكل بطاقة التموين والطرد الغذائي، والصدقة.
ان التحدي الحقيقي هو في اعادة الاعتبار للوعي بالمصالح الحقيقية لهذه الطبقات ولحقوقها في اطار قوانين وتشريعات ملموسة، تعزز هذه الحقوق الاجتماعية والاقتصادية  والنقابية، وتوفر لها شبكة امان اجتماعي حقيقية، على اساس التزامات واضحة تتولاها السلطة وتتضمنها الموازنات التي تقررها. وهو – أي التحدي - في اعادة بناء حركتها الاجتماعية والنقابية المستقلة ، وفق اهداف محددة، وعبر تنظيم ملموس لهذه الطبقات، ومن خلال قادة حقيقيين يخرجون من بين صفوفها، ويحتلون موقعهم المشروع في تمثيلها على الصعيدين الاجتماعي والوطني سواء بسواء.
واذ برهنت التجربة التاريخية أن وعي الطبقات الفقيرة بمصالحها، وتحولها من "طبقة بذاتها الى طبقة لذاتها" ، كانت تتم بتضافر كبير بين ابناء هذه الطبقات وبين الاقسام الاكثر تنوراً من الطبقات الوسطى والمثقفين الثوريين، والتي كان يحفزها الدور السياسي للقوى والأحزاب التي تلتحم مع مصالح  هذه الطبقات ، فإن هذه العملية شهدت تراجعاً كبيراً في فلسطين، كانعكاس لواقع القوى السياسية، وخاصة اليسارية منها، وكذلك لواقع الطبقات الوسطى وفئات المثقفين.
ان الفئات الوسطى في المجتمع الفلسطيني، تتوزع ما بين اقسام العاملين في "السلطة"و القطاع الأهلي،  بالاضافة الى القطاع الخاص بما فيه اصحاب المشروعات الاقتصادية والخدماتية الصغيرة والمتوسطة انفسهم.
أن هذه الفئات ذات التنوع الواسع، والتي تتكون اساساً من اوساط خريجي الجامعات والمتعلمين، وهي اوساط فنية تتجدد باستمرار، خضعت لتأثيرات مختلفة منذ نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية.
فالأوساط الأكثر تنظيماً من هذه الفئات، والتي ضمت الأطباء والمهندسين، واساتذة الجامعات، والمحامين، والمحاسبين وأوساط المهنيين عموماً، والتي كانت تمثل الحلقة الأبرز من ابناء الفئات الوسطى، وذات القدرة التنظيمية الأفضل، من خلال نقاباتها المهنية العريقة، وجدت نفسها امام عملية عاصفة من التغييرات، تمثلت في نشوء جهاز سلطة كبير ومتضخم، سحب منها اعدادا لا بأس بها لشغل الوظائف الكبيرة والمتوسطة في هذا الجهاز، واعطاها من امتيازات السلطة اكثر مما كانت تتوقع واكبر من واقع السلطة ذاتها. وفي الجانب الآخر تنامت مجموعة من المشروعات الخاصة في قطاع الخدمات الذي استوعب ايضاً اقساماً اخرى من الفئات الوسطى، مثل البنوك، وشركات التأمين، وشركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها، بالاضافة الى تزايد اعداد المنظمات الأهلية التي استوعبت ايضاً بداخلها وعلى رأسها اقساماً من اوساط هذه الفئات الوسطى، التي عملت بموازنات وامكانيات كبيرة.
لقد أحدثت هذه العملية المتسارعة، تفاضلاً كبيراً في وضع الفئة الوسطى، وتسببت في ارباكها ثم في اعادة تنظيمها على اسس جديدة. وفي خضم هذه العملية، حصل تفاوت كبير في مداخيل ابنائها، ففي الوقت الذي ظلت الغالبية الساحقة منهم تعيش في مستويات دخول متواضعة ومتدنية، من مثال صغار ومتوسطي العاملين في قطاع السلطة، وابرزهم قطاع المعلمين والصحة، وكذلك صغار ومتوسطي العاملين في قطاع الخدمات، من مهندسين ومحاسبين وفنيين، والعاملين في الجامعات وفي المشاريع الخاصة، فإن هناك شرائح محدودة تحسنت مداخيلها، وبدأت بالانفصال تدريجياً عن  هذه الاوساط، وخاصة تلك الشرائح التي حققت مداخيل غير مبررة او مشروعة.
ان هذه العملية اصابت بالارباك ابناء الفئات الوسطى، خاصة وانها شهدت في سياقها عملية استقطاب  واسعة للممثلين السابقين لهذه الفئات، ولقادة  العمل النقابي والسياسي من ابنائها،  الذين باتوا يحتلون وظائف عليا في السلطة الجديدة، او في المنظمات الأهلية او في القطاع الخاص، بالاضافة الى ما رافق هذه العملية من حراك في  مراكز ثقل تواجد وتركز الفئات الوسطى، في القطاعين العام والخاص.
ان هذا الارباك تجلى في تفاوت المصالح والاهداف لهذه الأوساط، والتي بات يغلب عليها الطابع الفردي وانتعاش نزعة تنمية المكاسب والامتيازات الشخصية والخاصة، وميول الانكماش والعزلة في رغبات شخصية ومحدودة.كما تجلى في تراجع مكانة العمل النقابي الذي كان يميزها، وتقلص فرص ظهور قيادات جديدة من بين هذه الأوساط ، حيث ، تأخذ مواقعها الطبيعية في الخارطة الاجتماعية والسياسية  المزدحمة  والتي بات يغلب على تكريسها الطابع البيروقراطي القائم على احتكار تمثيل هذه الأوساط بممثليها السابقين، او باختزال ذلك في اطار التمثيل السياسي للقوى القائمة.
وقد عكس هذا الواقع ذاته على القوى السياسية، التي شهدت ظاهرة ابتعاد او ابعاد المثقفين وابناء الفئات الوسطى عنها، وخاصة عن القوى اليسارية . وبالتالي لم يعد الارتباك الذي تولد بفعل الحراك الواسع حول الفئات الوسطى، مقصوراً على تفاوت مصالح واهداف المجموعات المختلفة التي توزعت في مواقع جديدة في اطار هذا الحراك، ولكنه امتد ايضاً الى الاطار السياسي الذي كان ابناء هذه الفئات يلعبون فيه  ادواراً هامة، سواء على صعيد القيادة اوالتنظيم اوالثقافة.
ان عملية الحراك الكبيرة هذه، وبرغم ما رافقها من محاولات متنوعة لاعادة بناء تصورات مشتركة، لاقسام مختلفة من ابناء هذه الفئات، لدورهم ولاجتهاداتهم على المستوى السياسي والفكري، ظلت محدودة، وظل دور الممثلين الجدد لهذه الأوساط محدوداً ايضاً. ذلك لأن التمثيل النقابي ظل في الغالب انعكاساً للتمثيل السياسي، ولم يجر تعزيز عملية ضرورية لرؤية المصالح المستقلة لهذه الفئات والدفاع عنها وعن حقوقها، باستقلالية مسببة عن الطابع السياسي، ولأن الأمر كذلك، ظل دور الاطر التنظيمية لهذه الأوساط، والممثلة في النقابات المهنية، وهي اطر ديمقراطية ومهنية مهمة، دوراً محدوداً لا يتلاءم مع المكانة والدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الفئات.
ان اجمالي عملية التراجع هذه، مس العصب الأهم في مساهمة الفئات الوسطى، والدور الأبرز لها في حقل الثقافة و السياسة، الذي تراجع بصورة لا تتلاءم مع التراث  الفكري والسياسي والأدبي للشعب الفلسطيني ، وباستثناء حالات محدودة من المثابرة النادرة للمثقفين على حجز مساحة في اطار التكوين الفكري والسياسي السائد، فقد شهدت هذه المساهمات تراجعات كبيرة.وباتت ظلاً للسياسي اكثر منها ناقدا ومحفزاً للجدل الفكري والسياسي.
إن التراجع والانكفاء كان الابرز في مساهمات المثقفين الفلسطينيين ، بما في ذلك الجلد الدائم للتجربة السابقة، ولمكوناتها السياسية والفكرية، وهو امر مشروع، ولكنه لم يترافق مع المساهمة الكافية في تطوير ما هو قائم ولا في السعي  لإنشاء البديل الديمقراطي ، وبذلك ظلت هذه المساهمات تمثل صيغة "ما لا تريد"  هذه ا لأوساط ، ولكنها لم تقل او تسهم عملياً في تشكيل الصيغة القادرة على تحقيق "ما تريد" فعلاً،  الامر الذي سهل على غيرهم، أن يستخدم "ما لا يريدونه " من اجل "ما يريده هو". هنا بالتحديد تكمن النقيصة الاكبر لقوى اليسار الفلسطيني، التي سمحت باغتراب المثقفين عنها، ولم تبذل الجهد المطلوب لالتقاط وتطوير نزعاتهم النقدية ، بل ناصبتهم في احيان مختلفة، العداء.
اما بالنسبة للجناح الآخر من الفئات الوسطى، الذي يمتد ليشمل صغار ومتوسطى التجار، واصحاب المنشآت الخاصة الصغيرة والمتوسطة، فقد توفرت له فرص انتعاش اقتصادي ملموس مع نشوء السلطة، ومع تزايد فرص الاستفادة من القروض الميسرة التي خصصت لهذه القطاعات، ومع زيادة قيم الاستهلاك والقدرة الشرائية، واتجاهات السوق التي عكسها تضخم جهاز السلطة والعاملين فيه.
وقد استغلت هذه الاوساط الفرصة التي توفرت لزيادة تنظيم ذاتها، وتطوير مؤسساتها، والتجاوب مع مشاريع تطوير القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة، التي ظهرت على شكل برامج لبناء المؤسسات وتطويرها، وعلى شكل مشاريع لتنمية بعض القطاعات وفرص تطويرها.
غير أن هذه العملية التي كانت تتعاكس مع مجرى حركة الجناح الآخر من الفئات الوسطى، اعترضتها عقبات ملموسة، مثلت السلطة جزءاً منها، عبر عدم تطوير الأنظمة والقوانين المساعدة لتطور هذه القطاعات، واستغلال الوظيفة العامة للمصالح الشخصية من قبل العديد من كبار الموظفين، هذا الى جانب النزعة "الاحتكارية" في محاولة هيمنة الشركات الكبرى، على قطاعات اقتصادية بعينها.
لقد ظهر ذلك في التحكم بالقطاع التجاري، من خلال الوكالات وفرض انماط عمليات البيع والتوزيع على التجار، وكذلك في قطاع الخدمات، وخاصة تكنولوجيا المعلومات.
ومع اندلاع الانتفاضة، تبدت بوضوح مشكلة غياب عناصر الحماية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ولذلك فقد تعرضت العديد من هذه المشروعات للانهيار والافلاس والتورط في سداد القروض التي حصلت عليها،  والذي زادته محدودية دعم السلطة لها او دعم الاتحادات الخاصة التي انشأتها.
هذا الجناح من الفئات الوسطى، انضم بشكل او بآخر الى الطبقات الشعبية، الا أن جزءاً محدوداً منه اندمج مع الشركات الكبرى، ومن  تبقى في الوسط فقد ظل يصارع  دون حماية تذكر.
ان مجمل هذه العملية اضعفت بقوة مكانة وواقع الطبقة الوسطى في المجتمع الفلسطيني، كما اضعفت الاسهامات التي كانت تتمتع بها بصورة واضحة قبل نشوء السلطة الفلسطينية.
اما الرأسمالية الوطنية ، والتي باتت تتكون من قسمين، محلي ووافد، فقد حصلت عليها تغييرات مهمة ايضاً . فالرأسمالية المحلية التي تمثل امتداداً لذات القطاع الذي عمل في هذا الميدان، قبل نشوء السلطة الوطنية، والذي تعرض من خلال الاحتلال الى جملة هائلة من التعقيدات والتحكم سواء في حصوله على رخص اقامة المصانع، والاستيراد، او التصدير، او التسهيلات والاعفاءات الضريبية، وهي ظواهر لم تختف كلية  بعد نشوء السلطةبحكم تحكم الاحتلال في مسار الاستيراد والتصدير، وكذلك في حركة البضائع الداخلية في الضفة نفسها، وبين الضفة والقطاع.
إن هذا القطاع كان يرجو أن تؤمن له السلطة درجة معينة من الحماية الاقتصادية، التي لا تجعله عرضة لمنافسة حرة مفتوحة غير متكافئة، وكذلك أن تقوم السلطة بالمساهمة في تطوير هذا القطاع.
السلطة لم توفر اية ميزة حمائية للصناعة الفلسطينية. وعلى العكس فقد انخرط عدد من المتنفذين في السلطة وبعض كبار الموظفين في عمليات تسهيل التنافس مع الصناعة الوطنية من خلال الوكالات ورخص الاستيراد ،  وتغلغل الفساد الاقتصادي ازاء مشاريع الاستثمار الجديدة او تطوير القطاع الصناعي. وتعرضت عملية انشاء المناطق الصناعية التي كانت ستمثل محاولة للتوفيق بين مصالح القطاع المحلي والوافد والاستثمار الاجنبي، الى التعطيل بسبب الظروف السياسية.
وبالاجمال فقد تراجعت فروع الصناعة الفلسطينية بسبب المنافسة والصعوبات في قطاعات  الأحذية والنسيج، والصناعات  الغذائية وغيرها.  
وظل عبء الصناعة الوطنية واقعاً، على كاهل رأس المال المحلي، الذي واصل صراعه من اجل الاستمرار والتطور من جهة، والذي بحث عن شراكات جديدة تحافظ عليه مع استثمارات جديدة من جهة اخرى، كما انه توسع في اتجاهات جديدة، مثل الاستيراد – ولسلع منافسة لمنتوجاته ذاتها – والخدمات.
اما رأس المال الوافد، فقد ركز على قطاعات التجارة والوكالات، والخدمات، والمقاولات والبناء. وقد دخل في بعضها في تنافس فوري مع رأس المال المحلي ممثلاً في كبار التجار والمستوردين والوكلاء، ومع بعض المنتجات الفسلطينية، حيث بات يركز بين يديه مجموعة هامة من الوكالات التي كان يحوزها في الخارج، وبدأ بتوسيعها بوكالات جديدة، وفرض نمطاً معيناً من آليات التعامل التجاري على اساس ذلك،  كما ركز ايضاً على بعض المشاريع التي ساهمت في تطوير البنية التحتية ، في قطاع البناء والمقاولات والكهرباء، والاسكان، وبعض المشاريع الصناعية، بالاضافة الى قطاع الاتصالات. كما توسع نشاط هذا القطاع في مجال الخدمات، بما فيها شركات التأمين ، والمصارف، وتكنولوجيا المعلومات، والاوراق المالية وغيرها.
وقد اعتمدت اهم المشاريع الاساسية للرأسمال الوطني، على العقود الاحتكارية التي وفرتها السلطة الوطنية لشركاته. كما استفادت هذه المشاريع من التمويل الاساسي الذي وفره  الدعم والهبات والقروض المقدمة للسلطة، بالاضافة الى الاستثمارات الفلسطينية التي رصدت فيها ، كما اتجهت هذه المشروعات الى مجال الخدمات ، وكذلك قطاع البناء وحيث تطلب ذلك عقوداً احتكارية خاصة، امنتها السلطة الوطنية الفلسطينية، لاسباب مزدوجة استثمارية ونفعية.
ويقوم الاساس في هذه المشروعات بمجموعها على المراوحة بين الاستثمارات الفلسطينية والدعم الخارجي، وعلى دعمه باستثمارات داخلية، ويعتمد التنفيذ على تعاقدات وشراكات خارجية وداخلية.
ان الراسمالية الوطنية الفلسطينية، الوافدة تحديداً، والتي سبق أن اشار اليها المفكر الفلسطيني البارز وامين عام حزب الشعب الفلسطيني السابق، بشير البرغوثي، بكونها تمتلك ميزة خاصة  في انها كونت ثروتها خارج نطاق العلاقات الاقتصادية الفلسطينية، في الخارج، ولم تكن على حساب استغلال الطبقة العاملة الفلسطينية، لم تعد كذلك، بل أن هذه الاستثمارات اصبحت جزءاً من صيغة رأسمالية فلسطينية ملموسة، عكست اندماجاً بين مصالح رأس المال الوافد، وبيروقراطية السلطة، وبشراكة جزئية محدودة للرأسمال المحلي. وان هذه الصيغة تراوحت بين مظهرين، الاول  تحقيق استثمار انتاجي محدد ساهم في تكوين البنية التحتية الضرورية للاقتصاد الفلسطيني، والثاني تمثل في مشروعات اعتمدت على اعادة توزيع  للايرادات المالية والاقتصادية في عملية طفيلية اكثر منها عملية انتاجية حقيقية.
لقد اكتسبت عملية الاستثمار والتنافس الاقتصادي الرئيسي لقطاعات رأس المال الوطني، مظهر التداخل بين مصالحها ومصالح بيروقراطية السلطة التي تحكمت في منح العطاءات والعقود والامتيازات وضمنت لنفسها حصصاً ومكانة فيها.
ان الرأسمالية الوطنية باتت مشوهة بحكم هذا التداخل، وبحكم غياب خطة تنمية اقتصادية حقيقية، بل أن عملية التنمية الاقتصادية خضعت لتداخل المصالح هذا، وبالتالي فانها تطورت دون ضوابط او قواعد حقيقية، وترتب على تكريسها احتكارات اقتصادية مهمة كالاسمنت والبترول، من جهة، وبقاء دور ثانوي للرأسمال المحلي والصناعة من جهة ثانية، وخسائر كبيرة للمشروعات الصغيرة، وللطبقات الفقيرة التي تكبدت خسائر هائلة في سوق الاسهم، او التي خضعت لاستغلال كبير في اسعار الخدمات التي ولدها الاحتكار وغياب الرقابة عليها.
وبالتوازي مع هذه العملية، نشأت ونمت شريحة جديدة، طفيلية، اعتمدت اساساً على مكانتها في السلطة الوطنية الفلسطينية، واستغلت توجه السلطة الاحتكاري  للسلع الاساسية الذي رافق نشوءها، والتحكم في التراخيص والعقود التي احتاجها القطاع الخاص.
ان هذه الشريحة ، تمتعت بهامش كبير للنشاط الاقتصادي باسم السلطة، وفرته لها علاقتها المباشرة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقد شملت مجموعة من كبار المسؤولين ، في الاجهزة والمؤسسات الاقتصادية والوزارات والحكومة والاجهزة الأمنية، انتفعت انتفاعاً مباشراً مكنها من تكوين ثروات هائلة، وبحيث بات مشروع السلطة بالنسبة لها، مشروعاً اقتصادياً نفعياً مباشراً، وباتت مكانتها في السلطة ، هي الاساس للمحافظة على مصالحها، ولشراكاتها في المشروعات الاقتصادية المختلفة التي اقامها رأس المال الوطني، وبما جعل مجمل ارتباطاتها السياسية والاقتصادية، يعتمد اعتماداً حاسماً على ذلك من جهة وعلى الامتيازات الداعمة لهذه المكانة من الاطراف الخارجة من جهة اخرى، مما دمج بصورة واضحة مصالحها النفعية بمصالحها السياسية.
ان غياب السيطرة المركزية للسلطة، وخاصة بعد الانتفاصة وحصار الرئيس الراحل عرفات وانتقائية العلاقات السياسية الخارجية مع السلطة ومع رموزها، وشل مؤسسات السلطة ذاتها، وضعف الصبغة القيادية للحركة الفلسطينية، سواء عبر الحكومة التي دخلت سابقاً في تناقضات مختلفة، مع الرئيس الراحل ابو عمار، او عبر م.ت.ف التي كانت لجنتها التنفيذية شبه معطلة، واطارها القيادي شكلياً اكثر منه اطاراً حقيقياً، زاد من قوة هذه الشريحة وتأثيرها واستثمار حالة الضعف هذه  لصالحها ولتعزيز مواقعها السياسية والاقتصادية مع اوساط الرأسمالية الوطنية الأخرى ، وخاصة تلك ذات المشاريع المشتركة لصالح السلطة او عبر العقود الخاصة معها.
ان هذه الشريحة، من البيروقراطية الطفيلية، هي التي فرخت من داخلها كل مظاهر الاضرار بمشاريع التنمية الحقيقية، وباستغلال المال العام، وسيادة نمط من الفساد الاقتصادي والسياسي.

حول التركيب السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية


لقد احدثت هذه التغييرات الى جانب التغير الاساسي الذي احدثه نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، تغييرات ملموسة  في تركيب الحركة الوطنية الفلسطينية. فمن الناحية الموضوعية، مثل نشوء السلطة الوطنية احتكاكاً مباشراً مع قضايا المجتمع، وبنية ومصالح قواه الاجتماعية، الامر الذي شكل اساساً لزيادة تداخل القضايا الوطنية – والاجتماعية، اكثر من ذي قبل ، وبات من غير الممكن تلبية متطلبات الوطني بمعزل عن الاجتماعي.
وقد ولد ذلك موضوعياً، استحقاقات مباشرة على صعيد مواقف وأدوار القوى السياسية، التي بات موقفها وسلوكها ازاء القضايا الاجتماعية – والديمقراطية، وليس فقط المواقف السياسية العامة، مؤشراً على الاتجاه الذي يمكن أن تعكسه في صورة القضايا والمصالح المجتمعية المختلفة.
لقد حافظت حركة فتح، في مستهل هذه العملية ، على تمثيلها لمصالح قوى وشرائح اجتماعية متنوعة. وظلت قادرة على استيعاب اوساط متنوعة من الفئات الوسطى، التي انفتحت امام نشطائها فرص جديدة من خلال السلطة وما يحيط بها. كما أن فئات الرأسمالية الوطنية ظلت ترى فيها التنظيم الاكثر مراعاة لمصالحها ومتطلباتها.
وقد عمل الرئيس الراحل عرفات على جعل السلطة مرتكزاً جديداً لتعزيز المكانة والقاعدة السياسية لحركة فتح، وله كرئيس للشعب الفلسطيني، بالاستفادة من مختلف عوامل القوة والفرص التي تتيحها السلطة، في المجالات الاقتصادية والخدماتية والسياسية المختلفة.
فمن جهة تم استيعاب اوساط متنوعة من المستقلين ومن ابناء الفئات الوسطى في المناصب الوزارية، والوظائف العليا. وجرى تكريس قوة وزعامة مجموعات متنوعة من هؤلاء ومن نشطاء وقياديين في حركة فتح وغيرها، بوصفهم وسطاء لخدمات الجمهور التي كان يجيزها الرئيس الراحل عرفات، من خلال الكتب والرسائل والتوقيعات في مختلف الشؤون تقريباً.
غير أن الأهم في هذه العملية كان توسيع القاعدة السياسية والاجتماعية للسلطة وتنظيمها من خلال استيعابها في جهاز السلطة ذاته، الأمني والمدني، الذي شهد تضخماً هائلاً، ولافتاً في هذا المجال.
وبالتدريج فقد حلّت عملية التوظيف في مؤسسات السلطة، وتقديم الخدمات، عبر آليات الوساطة الى حد بعيد، وتشكل "النظام الزبائني" ذاته، محل عملية التعبير الحقوقي عن مصالح الطبقات الشعبية التي بدأت تحس تدريجياً بالاغتراب عن السلطة وخدماتها، وبخيبة الأمل من مؤسساتها واطاراتها النقابية والتنظيمية التي باتت ، والى حد كبير،  جزءاً من نسيج السلطة.
كما شهدت هذه العملية اغتراباً بين القاعدة الواسعة من الجمهور والنشطاء السياسيين وبين شريحة تتشكل من العاملين في السلطة الوطنية، وبالأخص كبار ومتوسطي الموظفين فيها، باعتبار ذلك جزءاً من امتياز واداة للتزعم والقيادة المحلية او العامة وفقاً للاعتبارات المحيطة بكل منها، وطبيعي أن ذلك قاد ايضاً الى تفكك الهياكل والبنى التنظيمية داخل تنظيم فتح التي اصبحت تقاد من خلال  كبار المسؤولين في السلطة، الذين هم ايضاً كبار المسؤولين في التنظيم ذاته، وقد امتد ذلك كي يشمل الاجهزة الامنية  التي باتت تتنافس في الانتخابات الحركية والطلابية.
ان هذه الحالة "الكلاسيكية" الى حد ما في تجارب بلدان اخرى، طرأت عليها تغييرات وفرت لها الامكانية النظرية للتخلص من تراكم تبعاتها السلبية التي تجلت فيما بعد،  وامام حركة فتح ذاتها، بعد انتفاضة الأقصى والاستقلال.
فقد وفرت الانتفاضة، الفرصة الذهبية لحركة فتح من اجل استعادة  المكانة المعنوية لها، بسبب الموقف الذي اتخذه الرئيس الراحل عرفات في كامب ديفيد 2000 واعلان الانتفاضة الثانية، والدور الكبير الذي لعبه القيادي مروان البرغوثي فيها ، ما سمح لفتح باستقطاب اوساط واسعة من الشبيبة، الا أن ذلك لم يصمد بفعل تعاملها مع التعقيدات التي خلفتها الانتفاضة، وتركيز الهجوم الاسرائيلي في بعض المراحل ، على السلطة ومؤسساتها، ورئيسها، وما رافقه من حصار اقتصادي ومالي، واغلاق سوق العمل في اسرائيل والذي اظهر بوضوح التفاوت في الواقع الاجتماعي الذي كانت تحد منه وتخفيه الحالة شبه المستقرة للسلطة الوطنية الفلسطينية قبل اندلاع الانتفاضة، والنجاح في شحن الاحتقان الاجتماعي المتراكم باتجاه الصراع مع الاحتلال.
لقد اظهر هذا الواقع انعدام آليات الحماية لأبسط الحقوق بالنسبة للطبقات الشعبية، وفي مقدمتها العمال، وخاصة تلك الفئة منهم، التي كانت تعمل داخل الخط الأخضر، وتحولت الى طليعة لجيش العاطلين عن العمل، الذي بات يتنامى بسرعة. وظهرت التفاوتات في وضع الفئات الوسطى، من بين العاملين في السلطة او خارجها، وكذلك داخل السلطة نفسها بين العاملين في الأجهزة الأمنية (باستثناء الشرطة والامن الوطني)، وبين العاملين في اجهزتها المدنية. كذلك امتد الأمر بالنسبة للراسمالية  الوطنية، وشرائحها المختلفة.
ومع تعقد هذا الواقع، والحصار الذي فرضته اسرائيل طويلاً على السلطة وعل الرئيس عرفات، ومع التصعيد الكبير للقمع وللعنف ضد الشعب الفلسطيني، فإن الشريحة الوحيدة تقريباً، التي حافظت على امتيازاتها بل وعززتها وبدأت تسعى لتحويلها لامتيازات سياسية ايضاً، هي تلك الشريحة الطبقية البيروقراطية، التي ادارت العمل الاقتصادي للسلطة الوطنية، مما حولها الى قوة اقتصادية وسياسية وامنية مهمة.
لقد اثر هذا الواقع على قدرة حركة فتح، التي طالما تمتعت بها، في جذب قوى اجتماعية متنوعة ، وحيث ظهر ذلك  في خضم الصراعات السياسية التي شهدتها فترة حصار الرئيس ابو عمار واسلوب تعامله مع مجمل الأزمة، الا انه اكتسب ابعاداً اخرى اكثر عمقاً ووضوحاً بعد وفاة الرئيس عرفات، الذي هيمنت قيادته على حركة فتح، وعلى مجمل العمل السياسي الفلسطيني، لعقود طويلة. لقد ادت وفاة ابو عمار، ثم التوجه للانتخابات الرئاسية والتشريعية بوصفها تكريساً للخيار الديموقراطي في بناء النظام السياسي الفلسطيني، الى بروز مجمل نواقص  مجموع قوى م.ت.ف ، وليس فقط  حركة فتح، و التي بات عليها جميعاً  ودفعة واحدة أن تحدد خياراتها السياسية والاجتماعية، واتجاهات مصالحها، وشكل التعبير عنها بعد الاستكانة التي كانت تغلب عليها .
وان تقدم كشف حساب حقيقي امام الجماهير عن مجمل التجربة السابقة.
ان الطرف الوحيد الذي نجح في تقديم نفسه متحررا من تبعات ذلك، هو حركة حماس، رغم انها ليست كذلك، اذ هي تتحمل ايضاً مسؤولية مباشرة عما آل اليه الوضع الفلسطيني والظواهر التي رافقت الانتفاضة. لكن حركة حماس كانت قد عززت رؤيتها، ونشاطها بوصفها حاملة مشروع آخر، وعنواناً آخر جدياً للمعارضة، وتحديداً للقوة الرئيسة الحاكمة، وهي حركة فتح، وفي اطارها قوى م.ت.ف التي لم تكن حماس جزءاً منها.
وبرغم الغموض الذي يتصف به برنامج حماس الا انه يمكن التعرف بوضوح على صيغة ومضمون ورؤية حركة حماس ،  بوصفها حركة اسلامية تنتمي الى الاسلام السياسي، وصاحبة تصور للمشروع الوطني، ونظام الحكم، والتعرف على الفضاء الذي تتحرك فيه، والقوى الاجتماعية التي ترتكز اليها.
هذا في الوقت الذي فقدت فيه المكونات الأخرى لخارطة القوى السياسية الفلسطينية وفي مقدمتها حركة فتح، الوضوح المطلوب تجاه رؤيتها للقضايا المختلفة.
ان استحقاق الوضوح والشفافية ، تجاه مختلف القضايا، الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية، والموقف منها، سيلازم فتح ملازمة حيوية، رغم اتكائها على ارث الارتياح لكونها حركة غير ايديولوجية. الا أن هذا التقدير الذي سمحت به الطبيعة الخاصة لانطلاقة الثورة الفلسطينية وانبعاث هويتها الوطنية، لم يعد كافياً اليوم، حيث حدة الصراع السياسي الملموس على برنامج ورؤية وممارسة سياسية، تجاه قضايا محددة، تبدأ مما اصطلح عليه "بالثوابت" وتمتد تجاه المفاوضات، والقرارات الدولية، واساليب النضال، والتحالفات، ومشروعات الحلول السياسية ، وكذلك تجاه رؤية وفلسفة الحكم، والنظام السياسي، والاقتصادي، وبالتالي رسم الفضاء الذي تتحرك به، والقوى الاجتماعية والاقتصادية التي ترتكز اليها.
وبدون شك فإن مدى بلورة هذه الرؤية والبرنامج الجديد لحركة فتح، والقوى الاجتماعية التي ستعبر عنها، بما في ذلك موقف الرأسمالية الوطنية والقطاعات المختلفة من الفئات الوسطى التي كانت ترى في حركة فتح سابقاً، معبرة عنها، اضافة الى طبيعة التشكيل القيادي للشخصيات التي ستنهض بفتح، كل ذلك هو ما سيقرر التصنيف الأخير لهذه الحركة في خارطة القوى السياسية الفلسطينية، وهي عملية لا يكفي لانجازها توحد فتح خلف راية الصراع مع حماس.
ان واقع فتح هذا، ومستقبلها مهما كان شكله، اقل او اكثر ليبرالية، لا يمكن أن يوفر بديلاً عن اتجاه واضح، ليسار فلسطيني تقدمي عصري، متماسك، في رؤيته للقضية الوطنية، وكذلك للنظام السياسي ولقضايا الحقوق الاجتماعية والديمقراطية.
لقد تعمدت حماس بذكاء كبيرة من خلال مواجهتها لفتح ومنظمة التحرير، ككل واحد، الى اظهار اليسار الفلسطيني كملحق بحركة فتح . وقد ساعدتها على ذلك اخطاء اليسار نفسه. كما أن فتح دأبت على عرض صراعها مع حماس بوصفه صراعاً على برنامج م.ت.ف، ورؤية قوى المنظمة للنظام السياسي.
ان كلا العرضين للمسألة، من حماس وفتح، يتفق ضمناً على طمس الرؤية الخاصة لهذا اليسار، وذلك ببساطه لأن اليسار نفسه سمح بذلك من خلال انكفائه وتراجعه وذوبانه الى هذا الحد او ذاك مع الرؤى التي باتت تتركز في الاستقطاب بين حماس وفتح، وفي العجز عن تقديم رؤية أخرى، لطالما كان يطمح لها انصار اليسار، على شكل صيغة تيار ثالث.
ان هذه الرؤية، هي الكفيلة فقط، باعادة بناء وتجديد وتنظيم اليسار الفلسطيني، وبدون هذه الرؤية المستقلة ، او المشروع المستقل لليسار فإنه سيظل يعاني الطمس والتهميش او التحول الى دور الوساطة بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي لا يشكل بحد ذاته مبرراً لوجود تيار سياسي.
واذ يمكن الافتراض أن هناك قاعدة ما، لتيار اليسار في الساحة الفلسطينية، وان هناك تعبيرات تنظيمية لهذا اليسار، تمثلها القوى التي تعتبر امتداداً له، الا أن ذلك لا يمثل بحد ذاته برهاناً كافياً على أن هذا اليسار يشق طريقه برؤيته المستقلة، ويراكم القوى من اجل تحقيق مشروع واضح ومحدد وملموس ، على الصعيد الوطني، والاقتصادي او الاجتماعي – الديمقراطي.
ان الاتجاه الثالث المطلوب هنا، لا يبنى على اساس جمع كل من هو ليس مع فتح او حماس، كتنظيم، ولكن على اساس طرح فضاء فكري سياسي ثالث، بين الفضائين اللذين تتحرك بهما كل من حركتي حماس وفتح. أن الفضاء العام الذي تتحرك به حماس ومن ينضوي في اطارها، هو فضاء الاسلام السياسي، بما له من مكونات رؤيته وفكره وبرامجه الاجتماعية والسياسية.
واما فضاء فتح، ومن ينضوي في سياقه العام، سواء من اطر قائمة او قد تنشأ في اطار هذا الفضاء، فهو فضاء ليبرالي، متنوع، فرداني، نفعي،  له ايضاً برامجه ورؤاه وممارساته في هذا الاطار.
ان الفضاء الثالث المفقود الى حد كبير، رغم تعبيراته التنظيمية، هو فضاء اليسار الحديث (التقدمي)، كرؤية للتغيير في حقل الوطني والاجتماعي العام والديمقراطي والسياسي.
أن تقديم هذا المشروع بوضوح كامل بات ضرورة موضوعية، تمليها زيادة التداخل في المهام الوطنية والاجتماعية، والنضال من اجل تكريس النظام السياسي الديمقراطي، اضافة الى متطلبات الاستقلال الوطني. وهو كذلك يمثل التزاماً ذاتياً على قيادة هذا التيار وتنظيماته التي يجازف في حال استمرار الحال على ما هو عليه بتضييع الارث التاريخي لهذا اليسار، واعاقة المستقبل امام نهوضه الموضوعي اللاحق.
ولذلك فأن تجمع الديمقراطيين، ليس بديلاً عن تدعيم تيار يساري عصري، ديمقراطي، مستقل، ، بل أن غياب هذه العملية، سيعني افراغ الساحة من رؤية واضحة ذات امتداء نظري وعملي، انساني لقضايا التحرر الوطني، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة في مواجهة الهيمنة والاحتلال والاستغلال والتمييز والاستبداد، وتعطيل الديمقراطية.

رؤية اليسار وقضايا اليسار


أن المقولة العميقة التي تتلخص بأنه "لا توجد حركة ثورية بدون نظرية ثورية" هي مقولة مركزية، في بناء رؤية اليسار وتجديد هذه الرؤية، على اساس عصري، وعلى اساس مراكمة المعرفة، والتعلم من الخبرة والتجربة.
واذ يمكن الاعتراض من البداية، وهو اعتراض مشروع، على أن اليسار مفهوم نسبي، وفضفاض، ولا يمثل بحد ذاته نظرية متناسقة، الا أن هذا المفهوم مع ذلك، هو الذي سيمثل نقطة الانطلاق نحو ارساء الرؤية الاكثر ملامسة وجذرية، لليسار ذاته، بالاستناد الى التجربة الملموسة والى الخصوصية التي تميز واقع الشعب الفلسطيني.
وعلى اساس ذلك ايضاً، يمكن الافتراض، أن هذا اليسار، سيكون متنوعاً، ومنفتحاً وعصرياً وتقدمياً، وديمقراطياً، وان الموقف الملموس من القضايا المحددة، التي ستميز هويته، هو الذي سيكسو هيكله العظمي باللحم، وهو الذي سيسمح باعادة الفرز بين صفوفه، ووضع الخطوط الفاصلة وتحديد نقاط الاختلاف بينه وبين التيارات الفكرية والسياسية الاخرى في الساحة الفلسطينية.
وبهذا المعنى فإن على هذا اليسار، أن يكون اكثر انفتاحاً على جماهيره داخل وخارج التنظيمات السياسية القائمة. وهو ملزم بأن يجري تفاضلاً نظرياً، حول قضايا اليسار، بينه وبين التيارات الأخرى من جهة، وبينه وبين اقسامه المتنوعة من الجهة الاخرى،  وذلك بتحفيز الجدل والصراع الفكري والمعرفي.
ان هذه العملية الفكرية، تجاه مشروع او رؤية اليسار لقضية التحرر الوطني، والاجتماعي والاقتصادي، الديمقراطي، وللنظام السياسي، ولقضية المساواة والعدالة الاجتماعية وللتنظيم السياسي وقواعد عمله العصرية هي فقط، التي ستشكل المحطة الحاسمة في اعادة بناء اليسار وتجديده، وهي قضية لا تكفي معالجتها بالقطعة، بل بمشروع متناسق تجاه مختلف الحقول والقضايا، وعلى اساس هذا المشروع يجري تجذير قواعده ومرتكزاته الجماهيرية .
ان الاساس في مضمون رؤية اليسار، كونه يمثل صيغة للتغيير، وصيغة ثورية، جماهيرية، شعبية، لهذا التغيير، وان اليسار لا يبقى كذلك دون محافظته على جوهره هذا، وفي مركزه التغيير عبر التحرر الوطني ومن اجل العدالة الاجتماعية والمساواة، واقامة بديل للرأسمالية عبر صيغة ملائمة للاشتراكية.
لقد كانت القضية الجدلية الرئيسية لفكر اليسار المتنوع عالمياً، وتاريخيا، هي البحث عن بديل للرأسمالية، ورفضها كنهاية للتاريخ ، ورفض تجلياتها الملموسة ايضاً في الاستعمار والهيمنة والاحتلال ، وهي البحث عن افضل اساليب النضال والتنظيم ، والعمل بين الجماهير لتحقيق ذلك..
ويقوم جوهر رفض الرأسمالية استناداً الى رفض طبيعتها الاستقلالية، وتنافيها مع قيم العدالة والمساواة، التي هي المرتكزات الرئيسية لليسار، واساس بحثه التاريخي عن بديل للرأسمالية، لتجاوزها، وتحقيق مجتمع العدالة والمساواة، الذي مثل الطموح لكل التصورات والاشكال للاشتراكية، فيما سبق كارل ماركس، وفيما تلاه ايضاً، مع فارق هام وكبير، وهو أن الفكر الماركسي قدم تحليلاً جوهرياً وعميقاً لآليات التطور الرأسمالي وقوانينه، استناداً الى تحليل العلاقات الاقتصادية والرأسمالية وعلم التاريخ، وعلى اساس منهج مادي جدلي واضح في تطوره بالاستناد الى تطور مفهوم الفلسفة والاقتصاد، والمجتمع.
ان القضايا التي ولدها فكر اليسار وتطوره لم تختف ابداً من جدول السجال النظري لمفكري وقادة اليسار الاشتراكي، بل تنوعت وتعددت قبل ثورة اكتوبر في روسيا 1917، وبعدها، بما  فيها السجال مع لينين نفسه حول الدولة ، وحيث اظهرت التجربة عجز الدولة في معالجة القضية الاساس التي ولدت اليسار، والقائمة على موقع العدالة،  في الدولة، وتحقيق التوازن الضروري بين تعزيز العدالة والمساواة، وبين الدولة ، دولة الحق والقانون.
وفي الوقت الذي ادى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، الى تراجع ملموس في رؤية وتجربة اليسار الاشتراكي، فإنه في نفس الوقت حرر هذا الرؤية من طغيان اللون الواحد عليها، وفتح الباب مجدداً لاستعادة تنوعها وتجديدها، استناداً الى حقيقة بسيطة، وهي أن الراسمالية وتجلياتها المباشرة في الهيمنة والاستغلال والتمييز زادت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتجلت في حجم المآسي والحروب والتدمير في العالم، وفي التعدي على المكتسبات الاجتماعية داخل بلدانها، واعادت اسوأ اشكال الاستعمار والاحتلال العسكري والاقتصادي، وعززت التفاوت والهوة بين الطبقات وبين المراكز والاطراف على الصعيد العالمي.
ولذلك فإن البحث عن بديل للرأسمالية، وتجاوزها، والبحث عن العدالة والمساواة، والافلات من الهيمنة المتوحشة للرأسمالية وممثلتها الأساس، الامبريالية الاميركية، ظلت تحرك فئات واسعة من القوى والحركات والأحزاب، والمفكرين، على امتداد العالم، ما اتاح التنوع والتجديد والانبعاث لفكر اليسار، على نطاقات واسعة، والتصدي للقضايا الجديدة، باسلوب اكثر عصرية، من مثال قضايا العولمة الرأسمالية، والهيمنة، والحركات الاحتجاجية والحريات وغيرها.
ان المظهر الأبرز لليسار الجديد، الآن، هو خصوصية حركاته التي جعلت صياغته اكثر ارتباطاً بالواقع الملموس للبلدان التي يتحرك فيها. بل أن احدى التحديات المطروحة امامه، اليوم، هي تجاوز ضعف التنسيق والتعاون بين اقسامه المختلفة على الصعيد الأممي.
لقد حفر هذا اليسار في الصخر كي يجدد نفسه في بلدانه. وبالقدر الذي كان ذلك جريئاً وواضحاً، ومرتبطاً بالواقع الاجتماعي، وعصرياً، بالقدر الذي تحقق لهذا اليسار، اما تحسين  مواقعه وتعزيزها ، او استلام السلطة بوسائل ديمقراطية . هذا هو حال العديد من بلدان اميركا اللاتينية اليوم، وهو حال التطوير الاقتصادي الكبير الذي تشهده الصين وفيتنام، والجهد الهائل للتغلب على معيقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيهما. وهي كذلك في تقدم العديد من هذه الأحزاب في بلدان القارة الاوروبية بما فيها الشرقية.
وعلى اساس ذلك فإن رؤية اليسار، لن تحقق التقدم المطلوب دون أن تكون ابداعية. وهي لن تكون كذلك دون أن تنظر بوضوح وجرأة الى هويتها وطابعها، وجوهر القضايا التي ترتكز اليها، وهي حصيلة الفلسفة الاساسية والجوهرية للتجربة التاريخية، ولتجربة اليسار ذاته.
ان من ابرز هذه القضايا، رفض تمركز القوة والثروة، ورفض التمييز واللامساواة، على اساس الطبقة او اللون او الجنس او المعتقد. كما انها تتلخص في الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية وحقوقها الاجتماعية، وحقوق التنظيم النقابي والسياسي، ومناهضة الامبريالية، والعولمة الرأسمالية.
غير أن هذا المضمون لليسار، تتولد عنه قضايا ملموسة، وهي التي تشكل الفرق الملموس بينه وبين التيارات الفكرية والسياسية الأخرى. وهي في حالتنا الملموسة تشكل الفرق بين اليسار الفلسطيني، وبين مختلف التيارات، الاسلامية، او الليبرالية النفعية الفردانية الأخرى. وبمدى المثابرة على توضيح هذا الفرق، بمدى ما يكون لليسار من مبرر خاص لوجوده في الدائرة الواسعة لاوساط الديمقراطيين الفلسطينيين.
ان هذه القضايا واسعة تشمل البعد الوطني للصراع، والبعدين الاجتماعي والاقتصادي للسلطة او الدولة، والنظام السياسي، والديمقراطية وفصل الدين عن الدولة، وهي تقوم على تمسك اليسار برفض الاستغلال والتمييز الطبقي المرتبط بالرأسمالية والاحتكار والسوق الحرة، وسعيه من اجل توفير الضمانات الاجتماعية الضرورية للطبقات الشعبية، وتلبية مصالحها وحقوقها، وبالمسؤولية المحددة للدولة او للسلطة عن ذلك في مواجهة المسعى الليبرالي الخالص، لتجريد الدولة من اية مسؤولية على هذا الصعيد .
كما تشمل هذه القضايا توسيع اولوية الانتماء للمجتمع مقابل النـزعة الفردية الملازمة للنمط الرأسمالي، وعلى المسعى من اجل المساواة بتعزيز اسس المساواة الاجتماعية والاقتصادية، بين المرأة والرجل، وعلى اساس المواطنة دون تمييز في الجنس والمعتقد او اللون.
ويتلخص جوهر التمايز الاساسي لليسار الفلسطيني، عن التيار الديني تجاه قضايا المجتمع والدولة، في ارتكاز اليسار الى أن القوانين والتشريعات والثقافة التي يجب أن تلعب دورها في تطوير المجتمع، لا أن تكون فقط انعكاساً له. وفي هذا السباق تندرج رؤية اليسار الى الحداثة والتنوع، وتجاه الثقافة والحريات، والابداع الفكري والمعرفي والثقافي، والى تطوير القوانين والتشريعات والانظمة بما يسمح بتوسيع المحتوى والنهج الديمقراطي، كرؤية ومنهج اشمل من حدود كونها وسيلة فقط للادارة السياسية. بمعنى آخر توسيع مدى الديمقراطية باتجاه مرتكزاتها الاساسية، القائمة على التنوع والتعددية، والحرية والمساواة، والمواطنة، وصياغة النظم والقوانين التي تكرس ذلك وتعززه.
وعلى اليسار المحافظة على فصل الدين عن الدولة،  فصل المقدس عن السياسي، والمواطنة عن المذهبية، وفي رفض تحويل الدولة الديمقراطية، الى دولة دينية وحكومة دينية، انطلاقا من المحافظة على الاطار العام لمفهومه القائم على هذا الفصل دون المساس باحترام الأديان، وحرية التدين.
ويرتبط بهذا الموضوع وبما سبقه، نظرة اليسار الى التقدم، والقائمة على اساس تطوير مجالاتها المادية والفكرية، وحرية الابداع والتفكير.
غير أن هذه التمايزات النظرية سواء عن التيار الديني ، او الليبرالي النفعي، الفرداني، انما  تتطلب نقاشاً مستفيضاً في كل جانب منها، والمزيد من بلورة المعالجة اليسارية لكل قضية فيها، وهي لا تغيّب حقيقة القضايا المباشرة التي يتوجب على اليسار اعتبارها الجوهر الاساسي، في حركته ونشاطه. وهي قضايا تعزيز دور ووعي الطبقات الشعبية وتنظيمها في الدفاع عن مصالحها وحقوقها، وفي مقدمتها مكافحة الفقر، والبطالة، ومن اجل الضمانات الاجتماعية الحقيقية، سواء على شكل تشريعات او على شكل تنفيذ لهذه التشريعات. ولا يكفي في هذا الصدد عرض القضايا العامة بل من المطلوب تحديد الخطط والبرامج التفصيلية التي تجعل النضال من اجل هذه القضايا واقناع الجماهير بالحلول التي يحملها اليسار لها، قناعة حقيقية.
وهذا الامر ينطبق بصورة ملموسة على رؤية اليسار لقضية التنمية في فلسطين، والموقف من خطط وبرامج وفلسفة التنمية،وكذلك الامر تجاه الشأن الاقتصادي، ودور السلطة الاقتصادي والاجتماعي، والفلسفة التي تحرك هذا الدور ومظاهرها المختلفة.
كما ينطبق ذلك على الرؤية للنظام السياسي، وتركيبه، والاسس والقواعد التي تحكم هذا النظام وقوانينه، التي تتطلب تطويراً ، باتجاه تعزيز مضمونها الديمقراطي، وتعزيز الدور الاجتماعي للسلطة تجاه الضمانات والحقوق الاجتماعية.
إن الانطلاق لمعالجة هذه القضايا استناداً الى رؤية يسارية، بات ضرورة اكثر الحاحاً من حدود التقاطعات تجاه عمومية القضايا المطروحة. فهو بحاجة الى الغوص في تحديداتها، ووضع الآليات والخطط الكفيلة بتشكيل الروافع الحاملة لهذه القضايا، على صعيد الحركة الشعبية، وعلى صعيد المؤسسات والاطر السياسية. وبمقدار ما يتصدى اليسار برؤيته المستقلة للمعالجات الجريئة لهذه القضية، مسكوناً بعزيمة التغيير الحقيقي، بمقدار ما ستعرف الجماهير اين هي نقاط التمايز في اطروحات الاصلاح، والتغيير، والمستقبل، وكذلك في الحكم على جدية الخطوات المقترحة لتحقيق هذا التغيير، وفي السعي الحقيقي من اجل تحقيقه بمشاركة الجماهير.
ان يساراً فلسطينياً، واضحاً، جريئاً، عصرياً، يستطيع أن يتصدى لهذه المهام، ولابداعات معالجتها دون قوالب جامدة، ودون نسخ ميكانيكي لتجارب أخرى.
وعلى اساس النوع في فكر اليسار الفلسطيني، باقسامه ومنطلقاته وتوجهاته المختلفة، سيثري ليس فقط فكر اليسار وتجربته، وانما المتطلبات الحقيقية لتجديده وابداعه. وفي داخل هذا اليسار ستكون الغلبة لا للعقائد الجامدة ولا للانكفاء الى الماضي، او التفلت من هذا الماضي، وانما لابداع الحاضر واستشراف المستقبل. وسيكون هذا هو حقل التباري الحقيقي بين مختلف التيارات الفكرية لليسار الفلسطيني، ولكن في ظل رسم الحدود (رغم متطلبات التحالف الديمقراطي) بين هذا اليسار وبين التيارات الليبرالية والنفعية الفردية المختلفة، وبذلك سينطبق على هذا اليسار القول المأثور: أن العقيدة جامدة، ولكن شجرة الحياة، خضراء دائماً.

حزب اليسار المنشود


ان المهام المطروحة، والقدرة على تحقيقها، لا يمكن أن تتم دون حامل أساسي، ورافعة حقيقية للقيام بها، وهي في هذه الحالة تتمثل في التنظيم السياسي القادر على تقديم نفسه بوصفه المعبر الأوضح عن رؤية هذا اليسار، وعن خططه وبرامجه الرامية لتحقيق هذه الرؤية، وعن آلياته وادواته من اجل تحقيق ذلك، وهي العملية التي ينبغي أن يضطلع بها حزب اليسار.
لقد نشأ جدل طويل على المستوى العالمي، وعلى المستوى المحلي الفلسطيني ايضاً، حول جدوى الدور الذي يمكن أن تقوم به الأحزاب، وهل أن المكانة التاريخية لدور الأحزاب والنقابات ايضاً، قد ظلت كما كانت عليه ام انها فقدت هذا الدور، مما يستلزم البحث عن آليات اخرى، اكثر عملية ونجاعة، خاصة في ظل التنوع الذي شهدته الحركات الاجتماعية وحركات الضغط والمناصرة، والاطر والمؤسسات الاهلية المختلفة.
وقد دفع اليسار الفلسطيني اكثر من غيره، ثمن ظهور واستمرار هذا الجدل، والذي لن يتوقف، ولكنه في حالتنا الملموسة يكاد يكون محصوراً في سؤال: هل من حاجة لوجود الاحزاب "اليسارية" بعينها ، ام لا؟ لأن هذا الجدل لا يدور عملياً، عن حركة حماس، او حركة فتح، او الجهاد الاسلامي،  بل ان اوساطاً مختلفة من المثقفين واليساريين تتمنى على حركة فتح، توحيد وضبط اتجاهاتها وعناصرها من اجل أن تلعب دورها بصورة افضل في الحياة السياسية.
وبدون شك فإن غياب وتأرجح رؤية اليسار يشجع على حصر الجدل عملياً في حدود وجود تنظيماته، وبالتالي فإنه اذا ما كان صحيحاً أن غياب رؤية اليسار لا يمكن أن يقود الى تعزيز حزب اليسار، فإن العكس صحيح ايضاً، حيث أن غياب وضعف الاطار التنظيمي لليسار، لا يساعد كذلك على تأصيل رؤيته وتجذيرها، بل والحال كذلك يتحول التنظيم الى كابح، ويغرق في المعالجات الجزئية للقضايا، وتطغى رؤية المباشر والآني على الرؤية الاستراتيجية .
ولم يكن صدفة أن اليسار الفلسطيني، وتعبيراته التنظيمية، دفعت ثمناً غالياً للجدل النظري حول الحاجة الى وجود الأحزاب والتنظيمات، خاصة وان التغييرات الموضوعية التي اشرنا اليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ونشوء السلطة الوطنية وما رافقها من تغيرات في التركيب الاجتماعي الاقتصادي والسياسي للواقع الفلسطيني، قد أثّرت عليها بقوة. الا أن الأثر الأهم المباشر، تمثل في كون هذا الجدل كان يتحرك على العموم في الحديقة الخلفية لتنظيمات اليسار، التي مثلتها الى حد كبير المؤسسات الأهلية والاقسام الأخرى للمجتمع المدني ، ويعود ذلك الى سببين على الأقل، الأول أن عبء النهوض بالمجتمع المدني، وانتقاد السلطة وتحريك المجتمع ضد سلبياتها، كان مطلوباً بدرجة اساسية من قوى اليسار، لأن حركة فتح، كانت تشكل السلطة، وتقود المجتمع السياسي أن صح التعبير، ولا يمكن أن تضطلع بهذا الدور ، كما أن التيار الآخر للمعارضة والذي كانت تمثله حماس ، فقد اعتمد على وسائل أخرى وفعاليات مختلفة للتعبير عن هذه المعارضة، دون الاعتماد المباشر على المجتمع المدني، وبالتالي فإذا ما كان جوهر المعارضة عبر المجتمع المدني، هو من مسؤولية اليسار في الحالة الملموسة فإنه من الطبيعي أن يتركز الجدل حول ذلك في اوساط هذا اليسار واطره ومؤسساته، خاصة حول دورها في احداث التغيير وآليات تحقيق ذلك ووسائله.
اما السبب الثاني فقد كان ذو علاقة بالقوى الأساسية الممولة للمشاريع وأنشطة وبرامج مؤسسات المجتمع المدني والسلطة على حد سواء، حيث كانت هذه القوى كحكومات او كأحزاب هي في الغالب ذات توجه ليبرالي، وارادت أن تؤثر في خلق نخبة مماثلة لها، سواء في اطار السلطة او في اطار المجتمع المدني سواء بسواء.
لقد ادى اثر هذه العملية الى استقطاب اوساط هامة من قيادات اليسار في المؤسسات الأهلية، مع وهم التغيير عبر سيل البرامج والمشاريع للتنمية الديمقراطية وبآليات تحقيق ذلك عبر المؤسسة ذاتها، بمعزل عن الأحزاب السياسية من جهة، وبمعزل عن التنظيمات النقابية من الجهة الأخرى. وقد عزز هذه العملية والوهم بقدرتها على النجاح بديلاً عن عمل الأحزاب والتنظيمات النقابية، تضخم الامكانيات المالية التي تم وضعها في يد المؤسسات بالقياس الى الأحزاب، والدعم السياسي الدولي الذي وظف لتشكيل نخبة سياسية جديدة من هذه الفئة، يمكن أن تتوافق مع النخبة الجديدة في السلطة او تكون عنواناً لمعارضتها من الجهة الأخرى.
لقد أكدت تجربة الانتخابات التشريعية محدودية اثر هذه البرامج في الجمهور، واوهام القدرة على استبدال التنظيمات السياسية بالنخب. وتبدى أن ما استفاد منه الجمهور من برامج هذه المؤسسات هو ذاك الذي ذهب مباشرة لصالح المشاريع التنموية  الملموسة بما فيها شق الطرق او اقامة مراكز الخدمات، او العيادات الصحية او الآبار، او مساعدة قطاعات الجمهور على تنظيم صفوفها.
والى جانب هذه العملية التي استقطبت كوادر هامة من قوى اليسار في هذه المؤسسات، فإن الحراك العام لوضع الفئات الوسطى في المجتمع الفلسطيني، اثر على اوساط اخرى من قيادات اليسار وكوادره، التي رأت أن نشوء السلطة وبداية استقرار المجتمع، تفرض عليها ترتيب اوضاعها الخاصة داخل هذا المجتمع، فانضمت في البحث عن اشكال ذلك، او آثرت الانعزال والانطواء، في ظل غياب اهداف مباشرة وعملية وجوهرية لادوارها.
وبالترافق مع هذه العملية، ومع ازدياد عزلة التنظيمات اليسارية، عن قاعدتها الاجتماعية في الطبقات الشعبية، وفي الفئات الوسطى ضعفت قدرتها على تجديد واستبدال القيادات ، وملء الفراغات التي نشأت بسبب هذه العملية، الأمر الذي عمق من ازمة القيادة التي تحولت اقسام كبيرة منها اما الى موظفين مباشرين او غير مباشرين في السلطة، او في المؤسسات الاهلية، او متفرغين حزبيين، مما حولهم الى نمط واحد ، شبه بيروقراطي، وفوقي في نظرته لقضايا القوى الاجتماعية المختلفة التي كان التواصل معها يمر عبر قياداتها النقابية والجماهيرية او السياسية، وتمثيلها عبر حلقات قيادة هذه التنظيمات، هو العنصر الأهم في تواصل قوى اليسار مع المجتمع والتعبير عن مصالح الفئات التي تمثلها.
وبرغم الاجراءات التي اتخذت، في هذا التنظيم او ذاك من تنظيمات اليسار، من اجل معالجة ذلك، وتوسيع الحياة الديمقراطية الداخلية، الا أن ذلك ظل محدوداً، ولم يؤد الى الهدف المنشود، بل بات يتأثر بذات العوامل التي تأثرت بها حركة فتح، بحيث اصبح مفهوم التنظيم مكرساً لخدمة اعضائه، لا للنضال من اجل التغيير الذي يشمل اعضاءه. وتأثر اختيار المسؤولين باعتبارات العشيرة والحمولة والبلدة والمحافظة، في ظل تعزيز هذه الروابط التي نمتها السلطة على حساب الروابط المجتمعية والمواطنة. كما باتت نجاحات القيادة مرتبطة بالقدرة على تلبية متطلبات اعضاء التنظيم، وكوادره التي تزايدت وبصورة مشروعة، بسبب غلبة هذا النمط الذي اتبعته حركة فتح، سواء على صعيد التوظيف في السلطة، او الترفيعات فيها، او الالتحاق باجهزتها المدنية والأمنية.
ان هذه العملية المتواصلة حولت الحزب السياسي، وقيادته الى ما يشبه "الواسطة، بين اعضائه وبين قيادة السلطة او رئيسها. وقد نمت هذه الظاهرة دون علاقة مع كون هذا التنظيم مشاركاً في السلطة او معارضاً لها.
ان هذا المفهوم المشوه لحزب اليسار، الذي غزا الساحة الفلسطينية، يجب أن يتغير وان يبرز مرة أخرى، مفهوم جديد، يرى في الحزب الرافعة الأساسية لتعبئة وتنظيم الجماهير، والنضال من اجل حقوقها، والسعي المثابر في طريقه من اجل التحرر، وبلوغ السلطة لتحقيق الأهداف الواضحة التي يناضل من اجلها.
إن التعاقد الداخلي بين الحزب وبين اعضائه يجب أن يكون على ذلك. والتعاقد بينه وبين الجماهير يجب أن يكون صريحاً وواضحاً ايضاً على اساس ذلك، وعلى اساس أن الحلول الفردية، والصدقات المحدودة، والرشوات، فهي ليست الحل للقضايا الاجتماعية، بل التشريعات والميزانيات والضمانات الاجتماعية وشبكات الأمان التي يوفرها الحكم، وان النضال من اجل ذلك الحل يستحق التضحية، وان النجاح فيه ممكن وواقعي وليس ضرباً من الأوهام والخيال.
إن حزب اليسار المنشود بهذا المعنى، يصبح ضرورة للطبقات الشعبية، وللفئات الوسطى الأكثر فقراً، وللمثقفين التقدميين وللديمقراطيين. واذا ما كانت غلبة الوطني على الاجتماعي في مرحلة التحرر الوطني، قد اعاقت هذه المهام سابقاً، فإن التداخل المتزايد بين الوطني والاجتماعي، الذي يشهده الواقع الراهن، يجعل من وجود هذا الحزب ومن مهامه ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتصبح خسارة فقدانه او تراجعه خسارة للقوى والفئات الاجتماعية التي عليها أن تحس وتدرك ضرورته ودوره بالنسبة لها، ليس كجدول صغير في خارطة القوى السياسية، بل كهضبة مرتفعة وعريضة ، تؤشر الى المستقبل بتضاريس واضحة.
وهنا بالتحديد يجب اعادة العمل في بناء التنظيمات الجماهيرية لحزب اليسار في اوساط  الطبقات الشعبية، وبين العمال و المزارعين، والشباب والمرأة، والعاطلين عن العمل، والمثقفين والطلبة.
ان هذه التنظيمات الجماهيرية المستقلة، والمرتبطة بحزب اليسار، هي التي ستكون اداته الرئيسة من اجل اعادة عمقه الجماهيري، ومن اجل ضمان تفعيل وحيوية الاطر الجماهيرية الموحدة، ودمقرطتها بصورة مطلبية، عبر آلية التمثيل النسبي الكامل كوسيلة رئيسية لضمان فعاليتها وتنوعها.
ان مشروع اليسار يجب أن تعكسه وسائل اعلام متنوعة تنطق باسمه، وفي مقدمتها صحيفة تعبر عنه، وتواصلاً اعلامياً عصرياً، قادر على عرض موافقه ورؤيته وقضاياه، بصورة فعالة ومؤثرة في الرأي العام، وقادر قبل أي شيء آخر على تأمين الوحدة والتنظيم لمواقفه، من قبل كل اعضائه وأنصاره.
ان اليسار بدون ضمان الوحدة في موافقه الفكرية والسياسية، والتعبئة بهذه المواقف، لا يمكن أن يخطو اية خطوة جدية الى الامام. كما لن يكون قادراً على ضمان تنظيم قواه وجماهيره امام سيل التأثيرات والمنافسة الفكرية والسياسية والايديولوجية المثابرة، في عالم يلعب فيه الاعلام الدور الحاسم في تشكيل الرأي العام.
ان جهاز اعلام عصري ومؤثر لليسار الفلسطيني، هو ضرورة لا غنى عنها، وعليه سيتوقف الكثير في خوض النضال الفكري والسياسي، ضد مختلف اتجاهات التضليل والتناقض في اطروحات التيارات الأخرى، ولتوضيح الفروق والتمايزات بين مواقفه ومواقفها، وفي الدعاية وتعبئة الرأي العام لصالح مواقفه وتوجهاته، والطريق لابراز قضاياه وقياداته، ولفعالياته وانشطته المتنوعة، وبذلك يستطيع أن يفسح المجال واسعاً، امام مختلف تيارات واتجاهات الابداع التقدمي والانفتاح الفكري ، هذا المفهوم لحزب اليسار كحامل لمشروع اليسار، هو الذي سيعيد تشكيل قيادته وكوادره واعضائه ونمط علاقاته مع الجماهير، وستبقى الأساس الوحيد لذلك القناعة الواضحة.
المسألة الاهم هنا هي أن مشروع اليسار سيعيد تشكيل قيادة اليسار وكوادره وعضويته، وسيجعل الاساس لذلك، هو القناعة بهذا المشروع والانتماء له، والتفاني في  العمل من اجل تحقيقه.
ولن يكون ذلك موضوعاً ضبابياً عاماً، بل سيكون موضوعاً ملموساً مباشراً يمكن قياسه، وبالتالي فإن القيادة والعضوية في حزب اليسار، هي قيادة مرتبطة تمام الارتباط بذلك.
أن انعدام الثقة بمشروع اليسار، والتردد في العمل من اجله، او الاستحياء منه، لا يمكن أن تؤدي بأية قيادة الى التقدم به الى الامام، بل انها افضل وصفة لاستمرار تعثره وانكفائه.
ان هذا المشروع، هو مشروع اعضاء متماسكين من المقتنعين به يتعاملون بعصرية عالية مع التواصل والانفتاح على الاقسام الواسعة من الجمهور، وسيطرح ذلك على كل معني سؤالاً حاسماً، اذا ما كان قادراً على المضي بهذا المشروع الى الامام ام أن عليه افساح الطريق امام غيره ، ولن يتوقف ذلك عند حلقات القيادة والاستحقاقات التي يمليها عليها،  بل سيمتد ايضاً الى مختلف الحلقات الوسطى والقاعدية من اعضائه.
ان العضوية في حزب اليسار، يجب أن تكف عن كونها لا تحمل فرقاً  بين عضو الحزب وبين عضو المؤسسة او النادي او النقابة، او المواطن العادي. أن هذه العضوية يجب أن تكتسب معنى آخر اكثر وضوحاً من الاستعداد للالتزام في اطارات ومهام ملموسة للحزب، وفي العمل وفقاً لقراراته التي تتخذ بالأغلبية، وفي التصويت له في الانتخابات، وفي المشاركة النشيطة في خوض نضالاته، وفي اختيار ممثليه للمناصب العامة، وفي الاستعداد لدعم الحزب مالياً.
ان العضوية العائمة لا يمكن أن تعزز فرص نهوض حزب اليسار، وكذلك وسائل التنظيم الانعزالية عن الجمهور لن تعزز الفرص ايضاً. أن الجمع الناجح بين عضوية صلبة ، مثابرة، وقيادة عصرية للجماهير، هي الآلية الانجح لذلك.
ان الأنظمة الداخلية لحزب اليسار، يجب أن تغطي ضمان مرتكزاته البنيوية على الصعيد الفكري، وتنوع الاجتهاد تجاه القضايا المطروحة على جدول الاعمال العملي، سياسياً، واجتماعياً وفكرياً، والآلية الديمقراطية لحسم القرار بشأنها ، دون كبت او تقييد، ولكن ايضاً دون تمييع، وبما يجعل الالتزام بالانتماء للحزب، ولقراراته الديمقراطية، معياراً ملموساً للعضوية فيه.
ولضمان ذلك وحيويته، يجب أن يكون معيار العضوية ملموساً، وحاسماً، وكذلك يجب أن يكون تركيب القيادة متنوعاً، وقائماً على آلية ديمقراطية تراعي التنوع والنسبية حتى داخل الحزب وتياراته المختلفة، ولا يحول ذلك دون وجود آلية واضحة والزامية لاتخاذ القرارات وفي مقدمتها في هيئاته المركزية.
ولا شك أن على الحزب أن يشكل مؤسساته العصرية لاداء وظائفه، في القضايا الفكرية والاعلامية والمالية، والفصل بين المهام الادارية في هيئاته المركزية ومؤسساته، وبين المهام القيادية، وتعزيز طابع التطوع في انشطته ووظائفه.
ان الصيغة التنيظيمة الاساسية للحزب، تقوم على المزج الصريح بين الديمقراطية والتنوع الواسع للاراء ولكن في اطار مضمون الحزب اليساري وبرنامجه وبين الآلية الواضحة لاتخاذ القرارات والالتزام بها.
ويساعد على ذلك تطوير النظرة تجاه مؤتمرات الحزب، التي يجب أن تتوزع بين وظيفتها في تعزيز استراتيجية الحزب وسياساته، وبين انتخاب هيئاته، التي يمكن أن يتم الفصل بين تنفيذها عبر مؤتمرات متخصصة.
كما ينبغي اعتماد آلية واضحة وثابتة، لاختيار مرشحي الحزب للانتخابات العامة او المناصب العامة، ووضوح التنافس على اساس ذلك ضمن لوائح ثابتة ومنظمة تشكل جزءاً اصيلاً في النظام الداخلي.
وبدون شك فإن عملية ابراز القادة، وتوسيع المشاركة في تقرير السياسات، ستظل العامل الحاسم في قدرة الحزب على توسيع حراكه الداخلي وضمان تجدده الدائم.
ان حزب اليسار، هو بكل المقاييس حزب تقدمي في هويته النضالية الوطنية، والاجتماعية الاقتصادية وفي سعيه ونضاله من اجل الوصول الى السلطة لتحقيق برنامجه، ولكن ذلك لا يعني انه حزب منفلش، ومائع، واقل من نادي للثرثرة والتذمر والمطالبات.
ان تلخيص جدول الاعمال المطروح الآن امام اليسار، هو رؤية واضحة لليسار، ضمن قيادة شديدة القناعة بهذه الرؤية، وحزب تقدمي قادر على تحويل هذه الرؤية الى صيغة للتغيير والى آليات لبناء مستقبل جديد.


بسام الصالحي
ألامين العام
حزب الشعب الفلسطيني