2014-11-27

فلسطين قبل الأخير على مقياس الديمقراطية العربي

الأربعاء 26/11/2014  

وكالات: أظهرت نتائج تقرير مقياس الديمقراطية العربي الرابع للعام 2012 - 2013 أن آثار الربيع العربي كانت بمجملها إيجابية، لكنها كانت محدودة: فقط ارتفعت علامة المقياس حوالي عشرين نقطة (من 558 في 2010 إلى 578 في التقرير الحالي). شمل التحسن في عملية التحول الديمقراطي خمس دول (الجزائر وتونس والأردن وفلسطين ومصر) فيما تراجع الأداء في دول أربعة (البحرين ولبنان والمغرب والكويت). شمل التحسن المقياس بشقيه الممارسات والوسائل بحيث أصبحت علامة كل منهما الأفضل منذ بدء العمل بهذا التقرير السنوي العام 2006.


يشمل التقرير الرابع، الذي صدر حديثا، تسع دول عربية وتتشكل عناصره من أربعين مؤشراً تقيس جوانب جوهرية في عملية التحول الديمقراطي. يهدف التقرير لتوثيق عملية التحول الديمقراطي وإلى التأثير عليها من خلال توفير آلية تسمح للداعين للديمقراطية في العالم العربي وللمواطن العادي الراغب في مساءلة حكامه والمشاركة في صنع القرار بمراقبة تطور هذه العملية عن كثب. كما يوفر المقياس آلية موضوعية لقياس التغيير في العملية الديمقراطية بشكل ذي مغزى من حيث الدلالات على الإمكانات الكامنة في ذلك التغيير وفي إمكانات استدامته.

 

المقياس العربي في القراءة الرابعة

حصل مقياس الديمقراطية العربي في القراءة الرابعة على علامة (578) بزيادة قدرها عشرين نقطة مقارنة مع التقرير السابق، وقد شملت الزيادة كل من مقياسي الوسائل والممارسات. يشير التصنيف الراهن، إلى قصور في عملية التحول الديمقراطي وقدرتها على إحداث تحول حقيقي في العالم العربي، فلا تزال هذه العملية جنينية. بل إن تحليل النتائج الرقمية من حيث تعبيرها عن وسائل (كالتشريعات) أو ممارسات (كإجراء انتخابات) يشير إلى أن عملية التحول الديمقراطي تبدو إما مدفوعة من الخارج أو تهدف لإرضاء الشارع شكلياً حيث ترتفع قيمة مقياس الوسائل (وهي الأكثر حساسية للضغوط الداخلية أو الخارجية) لتصل إلى 821 نقطة فيما تنخفض قيمة مقياس الممارسات (وهي الأقل حساسية للضغوط الخارجية والجماهيرية) لتبلغ 496 نقطة فقط. تشير هذه النتائج إلى أن الربيع العربي قد أعطى نتائج إيجابية، لكنها محدودة. كما إن وجود فجوة واسعة بين مؤشرات الوسائل والممارسات تطرح أمام الباحثين تساؤلاً عن مدى جدوى الدور الذي تلعبه الإصلاحات القانونية والدستورية في عملية التحول الديمقراطي.


وشمل الارتفاع الحاصل في القراءة الراهنة مقياسي الوسائل والممارسات. ارتفع مقياس الوسائل 15 نقطة ويعود ذلك لسببين، أولهما تحسن علامة الوسائل في الأردن وتونس والجزائر، وثانيهما هو تعليق القياس في بلدين كانت علامة الوسائل فيهما ضعيفة، وهما السعودية وسوريا. لم تتغير علامة الوسائل لبقية الدول المشمولة في هذا التقرير. أما مقياس الممارسات فقد شهد هو أيضا ارتفاعاً مشابهاً بلغ مقداره ستة عشرة نقطة ويعود ذلك لسببين: اولهما هو تحسن علامة الممارسة في الجزائر وتونس والأردن ومصر وفلسطين وثانيهما تعليق القياس في ثلاثة بلدان كان علامة الممارسة فيها ضعيفة وهي السعودية وسوريا واليمن


من الجدير ذكره أن علامة الممارسات قد تراجعت في ظل الربيع العربي في أربع دول وهي البحرين والكويت والمغرب ولبنان. رغم التحسن شبه المتطابق في علامتي الوسائل والممارسات فإن الفجوة بينهما قد بقيت كبيرة. إن وجود فجوة كبيرة بين قيمتي الوسائل والممارسات يعني وجود فجوة مهمة في عملية التحول الديمقراطي تجعل هذه العملية غير متكاملة، بل وعرضة للتراجع بسهولة
.

انخفضت بشكل طفيف علامة قيمة واحدة من قيم المقياس الأربعة وارتفعت علامة القيم الثلاثة الأخرى. جاء الانخفاض في مجال سيادة القانون حيث انخفضت العلامة من 630 إلى 626. في المقابل، ارتفعت علامة احترام الحريات بشكل كبير (50 نقطة) مقارنة بالتقرير السابق وارتفعت علامة المساواة والعدالة الاجتماعية بـ 13 نقطة وعلامة وجود مؤسسات قوية ومساءلة بست نقاط


من الجدير بالإشارة أن علامة الوسائل لكافة القيم قد ارتفعت باستثناء وجود مؤسسات عامة وقوية حيث بقيت كما كانت. أما بالنسبة للممارسة، فقد حصل تحسن في قيمتي احترام الحقوق والحريات (73 نقطة) والمساواة والعدالة الاجتماعية (14 نقطة) وحصل تراجع طفيف في قيمتي سيادة القانون ووجود مؤسسات عامة وقوية
.


جاءت المغرب في مقدمة الدول العربية المشمولة في المقياس حيث بلغت علامتها 652، وتبعتها الأردن بـ 645 نقطة، ثم الجزائر بـ 616 نقطة. جاءت تونس في المرتبة الرابعة بـ 607 نقطة، تبعتها لبنان بـ 582 نقطة، ثم مصر بـ 581 نقطة، وجاءت الكويت في المرتبة السابعة بـ 547 نقطة، تبعتها فلسطين بـ 511 نقطة ثم البحرين بـ 452 نقطة
.


أظهرت النتائج أن الجزائر قد شهدت أفضل نسبة تحسن في عملية التحول الديمقراطي يتبعها في ذلك تونس والأردن ثم فلسطين ومصر. جاء التحسن في الجزائر بشكل خاص في المؤشرات المتعلقة بسيادة القانون، مثل مقاضاة الجهات التنفيذية والاعتقال التعسفي والأمن الشخصي.


كما طرأ تحسن ملموس على المؤشرات المتعلقة بوجود مؤسسات عامة قوية ومساءلة مثل حالات خرق الدستور ونجاعة المؤسسات العامة وحالات إعاقة عمل البرلمان. أما في تونس فإن التحسن جاء أساساً في المؤشرات المتعلقة باحترام الحريات مثل حالات إعاقة النشاط الحزبي، وتدخل الأجهزة الأمنية، وتنظيم (أو خرق) نشاطات الاحتجاج


وشهدت تونس أيضاً تحسناً في مؤشر متعلق بسيادة القانون وهو مقاضاة الجهات التنفيذية. أما في الأردن فقط جاء التحسن في كافة القيم وخاصة في بعض المؤشرات المتعلقة باحترام الحريات، مثل الرقابة على المطبوعات ومواقع الانترنت، والقدرة على انتقاد السلطة، وبروز مواقف المعارضة في الصحافة المحلية. كذلك حصل تحسن في بعض مؤشرات وجود المؤسسات العامة القوية والمساءلة وخاصة مؤشر مساءلة الحكومة
.


فلسطين بالمرتبة الثامنة من تسع دول

حصلت فلسطين في المقياس علامة (511) مما أبقت عليها في المرتبة الثامنة بين الدول التسع. وقد تقدمت علامتها بسبعة عشر نقطة مقارنة بالقراءة الثالثة. ويشير المقياس الفرعي حسب نوع المؤشرات إلى حصول فلسطين على علامات ترتفع فوق المعدل العربي في مجال الوسائل وتنخفض في مجال الممارسات (هي في المرتبة الأخيرة بين الدول التسع في الممارسات).


أما المقياس الفرعي لمقومات الديمقراطية فيشير إلى ارتفاع علامات فلسطين عن المعدل العربي في المقياس الفرعي للمقومات المتعلق بالمساواة والعدالة الاجتماعية بينما تنخفض في باقي المقاييس الفرعية. وعند تفصيل المقاييس الفرعية حسب نوعها إلى وسائل وممارسات نجد أن المقاييس الفرعية المتعلقة بالوسائل ترتفع عن المتوسط العربي فيما يتعلق بالمؤسسات العامة وسيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية وتنخفض عنه في مجال احترام الحقوق والحريات وهي نفس الصورة التي عكستها القراءات السابقة. أما المقاييس الفرعية المتعلقة بالممارسات فتنخفض عن المتوسط العربي عدا تلك المتعلقة بالمساواة والعدالة الاجتماعية. يشار هنا إلى أن فلسطين حصلت على ثالث أعلى العلامات في المقياس الفرعي للوسائل بعد المغرب ومصر، وحصلت (كما أسلفنا) على المرتبة الأخيرة في الممارسات
.


يرى الفريق الوطني في فلسطين أن استمرارها في هذه المرتبة المتأخرة في مقياس الديمقراطية العربي هو نتاج طبيعي لظروف الاحتلال والانقسام، وغياب المجلس التشريعي، وانتهاك القانون الأساسي، وانتهاء ولاية الرئيس والبرلمان، وغياب أية انتخابات عامة، والاستخفاف بعمل المحاكم. ناهيك عن غياب الأفق السياسي لحل عادل يضمن ممارسة الحق في تقرير المصير والسيادة الوطنية
.

تعاني فلسطين من التشرذم السياسي بالإضافة إلى الاحتلال، الأمران اللذان يجعلان من قيام الشارع بالمطالبة بالإصلاحات محدودا جدا، ذلك لوجود قضايا وجودية، وصراعات طاغية تجعل من المطالب الديمقراطية أمرا ثانويا في نظر الناس. وهذا ما يفسر أنه في الوقت الذي كان الشعار الدارج في الشارع العربي عامة "الشعب يريد تغيير النظام" كان الشعار في الشارع الفلسطيني:

"الشعب يريد إنهاء الانقسام". أما كون فلسطين كانت قد حازت على مؤشرات ومكانة أفضل في سنوات سابقة، فذلك يعود إلى الدفع الخارجي، وإلى حاجة السلطة الفلسطينية في حينه إلى اكتساب الشرعية في ظل اتفاقات مع إسرائيل لم تحظَ بتأييد شعبي.


إن الدفع الخارجي لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، يبقى رهينة للحالة الاستعمارية التي تعيشها فلسطين، فهو دفع يهدف بالأساس إلى الحد من التوتر الناجم عن حالة الاستعمار، وهو أيضا يعمل تحت سقف الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية التي لم تضمن أي سيادة ذات مغزى للسلطة الفلسطينية
.


تشكل عملية التحول الديمقراطي في فلسطين مشروعا مستقبليا وليس راهنا بطبيعة الحال، أي أن الإنجازات في هذا الاتجاه لن تكتمل بأي حال من الأحوال بانعدام الاستقلال الوطني والسيادة، ولكنها سوف تشكل بيئة للإسراع في إنشاء بنيان ديمقراطي بعيد التحرر. وبهذا المعنى، فإن فلسطين اليوم أبعد عن إمكانية إنشاء دولة ديمقراطية حرة مما كانت عليه قبل سنوات لغياب التخطيط لأي انتخابات عامة جديدة، وغياب المساءلة. كما أن النخبة الحاكمة (فتح ) لديها القليل من الاحترام للقيم الديمقراطية أو سيادة القانون. وممارسة وسائل الإعلام للرقابة الذاتية... الخ
.


يذكر أن مقياس الديمقراطية العربي يصدر كل سنتين من قبل مبادرة الإصلاح العربي والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، ويشرف على هذا التقرير فريق عمل رئيسي يتكون من خليل الشقاقي ومضر قسيس وجهاد حرب من المركز الفلسطيني، وبسمة قضماني وسلام كواكبي من المبادرة العربية، وفرق عمل وباحثين يمثلون مؤسسات بحثية وجامعية عريقة في العالم العربي
.