2016-02-17

الاقتصاد العالمي أكثر اضطرابا

الكاتب: فهمي الكتوت

شبح الأزمة المالية والاقتصادية العالمية يخيم من جديد؛ توالت المعلومات عن تدهور الأوضاع الاقتصادية. من هبوط حاد في أسعار الأسهم، وانخفاض الإنتاج الصناعي في أهم الدول الأوروبية "بريطانيا، فرنسا، ألمانيا"، وتراجع أسعار المعادن والأخشاب والمواد الأولية، بعد انهيار أسعار النفط. وازدياد المخاوف من حدوث مخاطر ائتمانية عالمية في أسواق الديون، وتراجع التجارة العالمية؛ التي وصفتها شركة "ميرسك" للشحن البحري العملاقة بأنها أكثر سوءا مما كانت عليه إبان انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، في عامي 2008-2009.

فقد تراجعت سوق الأسهم اليابانية بشكل كبير في تعاملات الجمعة الماضي وكانت مؤشرات الأسهم في لندن وأوروبا والولايات المتحدة قد شهدت تراجعا حادا في الليلة السابقة في ظل تواصل المخاوف من تراجع الاقتصاد العالمي، بعد التقرير المتشائم الذي أصدرته جانيت يلن رئيسة مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي الأسبوع الماضي، وقالت فيه إنّ الأحوال المالية في الولايات المتحدة أصبحت أقل قدرة على دعم النمو، مبددة بذلك احتمال رفع سعر الفائدة مرة ثانية على المدى القصير وفي ظل تراجع اهم اقتصادات أوروبا، وحالة الاحباط التي تعاني منها منطقة اليورو، واحتمال تفككها. فقد أعلن حاكم البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي "من الأفضل التدخل في البداية بدلاً من التدخل مُتأخراً". ويعاني الاقتصاد الروسي من الإنكماش، وقد لجأت روسيا لسياسة التخاصية، بتخفيض حصة الدولة في القطاع المصرفي إلى 45%، لتوفير الأموال لمواجهة تراجع التدفقات النقدية بسبب انهيار أسعار النفط، وتراجع قيمة الروبل الروسي، كما لجأت إلى إصدار سندات دولية لأول مرة لدفع عجلة التنمية.

في حين صعد الاقتصاد الهندي ليحتل المرتبة الأولى في معدلات النمو الاقتصادي في العالم، فقد سجل نموا نسبته 7.5%، وجاءت الصين في المرتبة الثانية، حيث بلغ متوسط نمو الاقتصاد الصيني 6.9%، ومع ذلك يحلو للبعض تحميل الصين مسؤولية تراجع الاقتصاد العالمي بسبب تراجعه نصف نقطة بينما متوسط معدلات النمو في المراكز الرأسمالية التقليدية لا تتجاوز الواحد بالمئة.

إذن الإجراءات التحفيزية لم تأت أكلها في المراكز الرأسمالية؛ "التيسير الكمي والفائدة الصفرية، والتسهيل الائتماني، والفائدة السالبة على الودائع" التي استخدمتها السياسات الاقتصادية الرأسمالية خلال السنوات الثمانية الماضية، لم تفلح في انقاذ السياسات الاقتصادية، فمن الطبيعي أنّ التخلي عن هذه المحفزات يدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الركود والانكماش، فقد كشف الاقتصاد الأمريكي عن هشاشة النمو، حيث جاءت آخر الأرقام مخيبة للآمال بتراجع النمو الأمريكي في الفصل الرابع من العام 2015 الماضي إلى 0.7% مقارنة بـ 2% في الفصل الثالث، وتراجع خلق فرص العمل إلى النصف.

والسبب في ذلك أنّ أسلوب الإنتاج الرأسمالي اعتمد في تحفيزه للاقتصاد على إملاق الطبقة العاملة والشرائح المتوسطة في المجتمع، وذلك من خلال زيادة الضرائب، وتقليص الخدمات الصحية والاجتماعية، والسياسات التقشفيّة التي فرضها على المجتمعات المحلية، وبضخ الأموال للمؤسسات المصرفية الممولة بالقروض، والتي تتحول إلى ضرائب مؤجلة التحصيل، أو طباعة الأوراق النقدية بدون تغطية حقيقية. فالركود الاقتصادي عائد لتراجع الطلب على السلع والخدمات، والناجم عن ضعف القدرة الشرائية للطبقة العاملة وجمهور المستهلكين، بسبب التوزيع غير العادل للثروة.

وإلا كيف نفسر حجز نصف ثروة العالم بأيدي عائلة واحدة، عائلة "روتشيلد" وكيف نفسر أن نسبة 1% من سكان الكرة الأرضية يسيطرون على معظم الثروة العالمية، وفقا لمعلومات "أوكسفام" وأن 62 شخصاً فقط يملكون نفس الثروة التي يملكها 3.5 مليار إنسان مجتمعين من النصف الأفقر في العالم، مقارنة مع 388 شخصا قبل خمسة أعوام. كما زادت ثروة الأشخاص الأكثر ثراءً في العالم بنسبة 44% منذ العام 2010، وصولاً إلى 1.76 تريليون دولار، بينما انخفضت ثروات الفئات الأفقر من السكان بنسبة 41% أو بما يزيد قليلاً على 1 تريليون دولار.

لقد أسهمت هذه الفجوة الطبقية والسياسات المتوحشة، بإفقار وتجويع الغالبية العظمى من سكان الأرض في تفاقم الأزمة، وتراجع النمو الاقتصادي، خاصة في مرحلة قفزت مجموعة من الدول النامية إلى الصفوف الأولى في الاقتصاد العالمي "الصين الهند البرازيل"، وكسرت احتكار التكنولوجيا، وتحولت من دول مستغلة من قبل المراكز الرأسمالية التقليدية الثلاث "أمريكا وأوربا واليابان" إلى دول منافسة، في الاستثمار والأسواق.

ويحذر "أليستر هيث" في صحيفة تلغراف البريطانية من وقوع الأزمة التي قد تؤدي إلى زوال النظام الرأسمالي، موضحا أنّ الشعوب التي فقدت ثقتها في الرأسمالية سيتسبب غضبها بانفجار شامل. والأحزاب السياسية الرئيسية ستضطر إلى تبني الأجندات الشعبوية لتهدئة الغضب.. ويجيب د. سمير أمين، حول إمكانية انهيار الرأسمالية؛ "إنّ هذه المرحلة الليبرالية الجديدة هي في حالة الانهيار، وهذا لا يعني أن الرأسمالية تنهار، بل إنّ شكلها الحالي هو الذي ينهار".. والعالم يدخل مرحلة جديدة، سمّتها خريف النموذج الرأسمالي الحالي، ولكننا لسنا بعد في ربيع الشعوب، لأنّ البديل لم يتبلور بعد.