2016-02-22

ربيع أم خريف زماننا العربي الراهن؟

أم هو التضليل يغيب الصراعات الحقيقية المحتدمة ؟

الكاتب: سعيد مضية

قنبلة مخدرة، مموهة بنكهة الزهور، القيت على الجموع الحاشدة في الميادين العربية فصدق المتفائلون انها بشائر ربيع زماننا العربي وفدَ بعد بيات شتوي طويل. وردّ الشانئون بهجوم مضاد وقالوا بل انه الخريف حمل الفوضى والصراعات الدموية وعقابيلها الكارثية، من تدمير وإفقار وتهجير. احتدم النقاش الصاخب يملأ الفضاءات بين ربيع وخريف لتغيب بسرعة الهتافات المنطلقة في الميادين "الشعب يريد" تعبيرا عن انطلاقة صوت غيب قسرا طوال عقود، وأهيل التراب كذلك بنفس السرعة القصوى على فضيحة مافيات اللهف والهبش في ظلام القمع والاضطهاد تمارس النشاط الاقتصادي والإداري نهبا وافتراسا للمال العام، شكلت واجهة حجبت خلفها تحالف الليبرالية الجديدة الذي ضم دول الامبريالية وإسرائيل والمحافظة العربية، تلك القوى التي هيمنت على مقدرات الشعوب العربية ونهبت ثرواتها الوطنية وأذلت جماهيرها.

الانتفاضات المتفجرة في اواخر العام 2011 هي بشائر ثورة شعبية أعادت الاعتبار لحق الشعوب في التغيير الثوري، وصفحة جديدة من كتاب النضال التحرري المعاصر للشعوب ضد الليبرالية الجديدة ونزعات العولمة الرأسمالية. الثورة بالمعنى العلمى هى عملية تغيير شامل وعميق للنظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى؛ علمتنا تجارب الثورات الكبرى فى العالم أن الخط البياني للثورة متعرج  فى حالة صعود و هبوط، واندفاع وانتكاس، ما لم تقطعه جرائم إبادة البشر في حرب نووية او تلوث بيئي. بين اجتثاث جذور القديم واستنبات الجديد عملية طويلة الأمد ومعقدة، يتم إنجازها إثر تقلبات وانتكاسات على غرار تقلبات وانتكاسات الثورة الفرنسية التي استقرت مبادئها بعد عقود من اندلاع الثورة.

اكتسبت الانتفاضات طابعها الثوري، فأخرجت أثقال الأرض العربية بمنطوياتها من قهر وهدر ونبذ للملايين في مهاوي الفقر وظلمة التهميش. لم تترك تمضي بطاقتها التحويلية، حيث انبرت تنشط في الحال تلك الخلايا النائمة المعدة في الليل البهيم، قوة للثورة المضادة، وشرعت تخرب النهوض الجماهيري وتربكه وتفتك بعناصره؛ فنشب بالنتيجة صراع ضار بين قوى الثورة والثورة المضادة.

في العام 1987 صدر كتاب الصحفي الأميركي بوب وودوارد، وثيق الصلة بالمخابرات المركزية. عنوان الكتاب "حروب السي آي إيه او المسار". كانت صحف الأردن تنشر حلقات منه مترجمة إلى العربية. قال لي الصديق الراحل أحمد عريقات، جاءني الكتاب الأصلي من اميركا، ولا تتطرق الترجمات المنشورة لنشاطات المخابرات المركزية في العالم العربي. وقال أترك لك الكتاب لتطالعه، وسوف ادخل المستشفى لإجراء عملية بالقلب وإذا كتبت لي الحياة سأسترده منك واطالعه. وبالفعل استرده مني.  

اورد الكاتب أن منظمة المخابرات المركزية اقترحت على الأنظمة العربية بعد نجاح ثورة إيرانعام 1978 إرسال بعثات امنية للتدريب وتعزيز امن الأنظمة. قبلت جميع الأنظمة العربية المقترح الأميركي، باستثناء النظامين الليبي واليمن الجنوبي. يفصّل الكتاب تغلغل عملاء الاستخبارات المركزية الأميركية في الأجهزة الأمنية العربية وفي الأجهزة البيروقراطية والفعاليات الاقتصادية تكيفها طبقا لمشورات الليبرالية الجديدة. ما أذهل الاستخبارات المركزية مدى تغلغل الموساد في الأجهزة العربية ومدى تأثيره في قرارات الأنظمة العربية. وما ان شرعت إسرائيل حرب الأرض المحروقة في لبنان عام 1982، حتى امتلكت الأنظمة جسارة خذلان الشعبين اللبناني والفلسطيني وإطباق الصمت على جرائم العدوان الإسرائيلي.

يفصّل الكتاب النشاط الاستخباري للوكالة وللموساد داخل مصر زمن السادات كيف سمح لها التحكم بمفاصل الحكم ونشر الفساد والإفساد في القطاعين العام والخاص. كمن عملاء الاستخبارات الأجنبية وما زالوا خلايا نائمة تُستنفَر للعمل وقت الحاجة دون ان تترك بصمات على موقع الجريمة. تباهى احد مدراء الموساد السابقين بأن ما يحدث حينذاك في مصر (وكانت هجمات طائفية مسعورة ضد الكنائس القبطية في مصر) إنما هو من تدبير وتنفيذ المؤسسة الإسرائيلية. كانوا يستغربون من أن الصدامات في مصر بعد يناير 2011 كانت تلتهب بمبادرة مجهول! وفي سوريا تطورت الاصطدامات بين السلطة والمعارضة بفعل مجهول! والأغرب ان السيسي، مدير الاستخبارات العسكرية سابقا، لم يصطدم بأثر من أنشطة الاستخبارات الأجنبية؛ فلم ينتبه إلى دورها في القلاقل التي ملأ ت فضاء مصر طوال الأعوام الخمسة الأخيرة. تم اغتيال المناضلة الاشتراكية شيماء الصباغ بمكيدة الخلايا النائمة وليس بمبادرة ضابط أهوج. وكذلك جاء اغتيال طالب الدكتوراه الإيطالي في مصر بمكيدة إحدى الخلايا النائمة، ربما داخل الأجهزة الرسمية، وقد تقبع خارجها. لم ينحسر المد الاستخباري الأميركي - الإسرائيلي في الأجهزة العربية. فعليا نشأ تحالف الليبرالية الجديدة بين المحافظة العربية وبيروقراطيتها وفعالياتها الاقتصادية وبين إسرائيل ودول الامبريالية أو على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

إعصار الليبرالية الجديدة، الذي افلح في سبعينات القرن الفائت في تصفية الموجة الأولى من النهوض الثوري العربي، استهدف قطع الذاكرة الوطنية والاجتثاث التام للنزعات الثورية ومسح تطلعات التغييرلدى الجماهير؛ فجلب المعاناة القاسية للمجتمعات العربية من منطلقين:

الأول منطلق التكييف الاقتصادي؛ إذ أحدث اختلالات اقتصادية وثقافية وسياسية أدت إلى إفقار قطاعات واسعة من الجماهير وعزز علاقات التبعية لمراكز الرأسمالية. فرضت الليبرالية الجديدة نظام عولمة أقدم على خصخصة القطاع العام وأطلق حرية الرأسمال في المنافسة على أسواق الاستثمار والمضاربة. حقبة مديدة شهدت عودة السيطرة المباشرة للامبريالية على مقدرات المنطقة تحت علم الليبرالية الجديدة، صفيت خلالها الآثار المتبقية من موجة التنوير والنهوض العربي في بدايات القرن العشرين وقمعت التحركات الجماهيرية ضد نظم الكولنيالية، همشت خلالها الجماهير وغيبت عن الحياة السياسية، واسترد النظام الأبوي كامل سطوته الموروثة عن العصر الوسيط، وليواصل  نهج الإملاء وتهميش الجماهير. أقلعت السياسة الأبوية عن تدبير شئون الجماهير العريضة، واجهضت مشاريع التحولات الاجتماعية، ليفقد التحرر الوطني سنده، التحرر الاجتماعي، ولتستتب السيطرة لقوى التبعية والتخلف في العالم العربي  بأجمعه . فرضت احكام فاشية اذلت البشر واهدرت طاقات التفكير وإرادة التغيير، وسيلة لضمان استقرار أنظمة الطفيلية والنهب الافتراسي لثروات العرب .

والمنطلق الثاني لم يفطن له المثقفون ولا السياسيون، وبقي ظاهرة ملغزة بالأسرار حتى الوقت الراهن، دلالة على جمود ثقافي أحالته اختلالات السياسة العربية، الرسمية والمعارضة. حصل اندماج عضوي بين الامبريالية الأميركية وبين الصهيونية؛ وغدت مشاريع التهويد والتوسع الاستيطاني جزءا عضويا من استراتيجيبة الامبريالية بالمنطقة العربية؛ ومن جانبها مدت الصهيونية وحلفاؤها في اميركا اذرع التخريب والعدوان على مختلف الأقطار العربية. وغزو العراق شاهد على ذلك. استتبعت السياسات العدوانية وسباق التسلح المكثف خلق مبررات الانفكاك عن القانون الدولي الإنساني والاتفاقات الدولية المبرمة طبقا للقوانين الدولية. وبمسوغ الاستثناء، المحكوم بالرسالة التي غالبا ما تفسر تكليفا إلاهيا، احتضنت الامبريالية قوانين أعدتها السلفيات الدينيةن خاصة الأصولية المسيحية، تضفي القداسة ومشيئة الرب على ممارسات تفتقد سند الشرعية الدولية . 

المسيحية الأصولية والمحافظون الجدد والصهاينة المسيحيون تعبيرات لحركة واحدة تبنت مفاهيم الحركة الصهيونية ودعمت كامل أهدافها في فلسطين، واخصها تهويد كامل فلسطين وبناء الهيكل على انقاض الأقصى وقبة الصخرة كشرط ثالث لشرطين تم إنجازهما - هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة إسرائيل - كي تكتمل شروط نزول المسيح وبداية "الألفية السعيدة " التي بها تختتم الحياة البشرية على الأرض،بلا صراعات طبقية او قومية  حسب تقولات الخرافات التوراتية.

هكذا حتمت حقبة الليبرالية الجديدة تفاقم محنة الشعب الفلسطيني وانحسار مكانة قضيته العادلة في السياسة الدولية، بينما الشعوب العربية- بعده الاستراتيجي- غارقة في جحيم التكيفات الاقتصادية ومختلف تلاوين الهدر الاجتماعي. كان محتما أن يرعى الاحتلال الإسرائيلي ليبرالية اقتصادية كسيحة التفت حول الفصيلين الحاكمين في فلسطين المحتلة. رضيت باحتكار خدمات الاتصالات والكهرباء ووكالات الشركات الأجنبية؛ وعزفت عن الاستثمار في قطاع الإنتاج الزراعي او الصناعي. الشعب الفلسطيني يكابد الاحتلال المسنود بالليبرالية الجديدة.

توطد نمط اقتصاد الليبرالية الجديدة من خلال الخصخصة وتزامن مع تغلغل عملاء الأجهزة السرية لدول الغرب وإسرائيل داخل أجهزة البيروقراطية العربية وفعالياتها الاقتصادية، بينما كانت الشعوب العربية تكابد استحقاقات هزيمة حزيران، المجيرة تبعتها على العلمانيين العرب، مستهلة بذلك حقبة البيات الشتوي المديدة. شرعت الليبرالية الجديدة تطبق مشروعات التكيف الاقتصادي في مرحلة صعود الرجعية العربية بمظهرها السلفي، حيث هيئت لها فرص النشاط الاقتصادي التابع، وفتحت بوجهها أبواب الجامعات ومعاهد الدراسة ومنابر الثقافة المدعومة بالمال النفطي. تكيفت ثقافة الليبرالية الجديدة،  بشقيها السلفي والعلماني، مع الثقافات المنتجة في مطابخ الرأسمال الاحتكاري .

كان من ثمار خسوف قمر الاشتراكية كبديل للرأسمالية أن أرجعت جميع العقد النفسية ، خاصة مرض الاكتئاب، إلى اختلالات بيولوجية مقطوعة عن المؤثرات الاجتماعية والضغوط الاجتماعية الخاصة الناجمة عن نشاط رأسمالية الليبرالية الجديدة. أجبر الأطباء الباحثون في الاختلالات النفسية على اللجوء إلى العقاقير عالية الثمن وعديمة الجدوى، وتكتمت الدعاية عن انتحارات متعاطي العقاقير.

استتبع تخليد الرأسمالية تبرئتها من المشاكل الاجتماعية الناجمة عن انشطتها المتععددة، وتجيير مؤثراتها على الجماهير، فأشيعت قيم العنف والقسوة، وإذلال الناس وتحطيم الكرامة الإنسانية . قلبت النظرة لمن سحقتهم عمليات التكيف الاقتصادي من ضحايا تتوجب رعايتهم إلى مشكلة يتوجب التخلص منها او حشرها في زوايا النسيان. سادت مفاهيم رأسمالية الكازينو، حيث الخاسر في مضاربات القمار تلفظه الحلبة غير مشيع بالتعاطف أو التضامن او الرعاية.

واستنفرت الداروينية الاجتماعية ومبداها الرئيس البقاء  للأصلح . والحياة الاجتماعية ليست  حلبة المقامرة، ولا  المجتمع البشري غابة الأقوى يفترس الأضعف والبقاء للأقوى.

أشيعت القيم الأخلاقية لليبرالية الجديدة في العالم العربي وتعايشت معها قيم السلفية التكفيرية. سقطت قيم التضامن والتعاطف والرعاية من بين قيم الثقافة العربية، وتطعم النشاط الثقافي في المجتمعات العربية إلى حد كبير بثقافة العنف والاختلال الاجتماعي وانعدام التراحم والتعاطف. هذا العامل، مصحوبا بالحجر على حرية الرأي وإشاعة ثقافة الاستبداد السياسي والفكري السلفي، أعاق الثقافة القومية العربية عن لعب الدور الريادي المنوط بها، فباغتت الانتفاضات الجماهيرية جميع القوى السياسية المحلية والعالمية. جاءت الثورة نتاجا لأزمة الليبرالية الجديدة وتبديدا لوهم ديمومتها .

 لم ترتفع صدفة شعارات "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية" منذ اللحظات الأولى لتفجر الانتفاضات؛ هي الموجات الثورية تنطلق كل واحدة من حيث انتهت سابقتها. لم تُفقِد الشعوب العربية إنسانيتها تلك الحملات الهمجية الحافلة بصنوف الإرهاب والتجهيل والهدر؛ فشلت في وأد طموحاتها للتحرر والديمقراطية. ورغم اقتصار التحركات الجماهيرية على عدد محدود من أقطار العرب إلا انها قلبت بوصلة الوعي الاجتماعي في جميع المجتمعات العربية وجهة التغيير الديمقراطي؛ إذ رسمت خاتمة حقبة بيات شتوي حفلت بتداعيات سلبية أوهنت المجتمعات العربية ودولها، ورهنت مصائرها لمشيئة قوى خارجية ومنها  دولة إسرائيل.

 بالمقابل لم تقبل قوى الهيمنة الكونية التخلي عن مكاسبها ، لم تسلم للجماهير العربية بحقها في التطور المستقل والتنمية الاجتماعية في ظلال نظم ديمقراطية؛ تمترست بين تلافيف البيروقراطيات وداخل الهياكل الاقتصادية وردّت بهجوم مضاد أخفته تحت لهو الربيع وهذر الخريف. قوبلت الانتفاضات العربية وبمنتهى السرعة برد مضاد من قبل بيروقراطية النظام والخلايا القابعة في جوفه وقوى التحالف الليبرالي. فما يجري حاليا في الأقطار التي أطاحت برؤساء الدول إنما هو صراع اجتماعي بين الثورة والثورة المضادة .