2016-02-29

بوتقة الكفاح ضد الأبارتهايد والعنصرية

توحد شعب فلسطيني مع السود الأميركيين 1/2

(الحلقة الأولى)

روبين  كيلي مثقف أميركي من أصل إفريقي هو من بين ألف مثقف اميركي اسود وقعوا في الآونة الأخيرة على بيان للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وضمن المجموعة "رسائل إلى فلسطين: كتّاب يردون على الحرب والاحتلال". أسهم بمقالة مطولة نشرها موقع كاونتر بانش يوم 24 فبراير (شباط) 2016، تشرح الاضطهاد  المشترك الذي يعانيه السود الأميركيون والشعب الفلسطيني من نفس الماكنة القمعية، الأمر الذي يحتم على الشعبين تمتين اواصر التعاون في النضال المشترك ضد نظامي الأبارتهايد والعنصرية. فحيث ان السود في اميركا والشعب الفلسطيني يكابدون الاضطهاد من نفس الأجهزة، حيث تتلقى الشرطة الأميركية تجارب جيش الاحتلال الإسرائيلي، فذلك يفرض توحيد الجهود الكفاحية.

يقول الكاتب، كنت طالب دراسات عليا عندما غزت إسرائيل لبنان عام 1982 لطرد منظمة التحرير الفلسطينية من هناك. وبعد عامين كنت رئيس جمعية المناضلين الأفارقة وجهت دعوة لممثلي منظمة التحرير الفلسطينية للمشاركة في المؤتمر السنوي الخامس حول الامبريالية. تلقينا رسالة كراهية وتهديدا بالموت من رابطة الدفاع اليهودية، وضغطت علينا إدارة الجامعة كي نسحب الدعوة؛ لكننا أصرينا.  انهيت الدراسات العليا بشهادة الدكتوراه عام 1987، عام الانتفاضة الأولى وانتشر بيننا شعار "الحرية لفلسطين". وقفت فلسطين على الخط الأمامي في المعركة المتواصلة ضد الامبريالية و"رأسمالية المستوطنين". لم نر في الفلسطينيين ضحايا، بل مناضلين ثوريين؛ وبذا فهم نموذج نحتذيه ، نحن الذين كرسنا أنفسنا لتحرير السود ومن أجل الاشتراكية.

حلت حقبة انتهاء الحرب الباردة؛ هنا في جوف الوحش،أخت تضمحل دولة الرفاه، وراح  الرأسمال يهرب وبدأ تطبيق مشاريع الخصخصة الليبرالية الجديدة، وغشي الوهن قوانين مناهضة التمييز، وارتفعت موجة قتل الشرطة للشبان السود. تشكلت الجبهة الوطنية المتحدة للسود والحزب السياسي الوطني المستقل للسود. نزل الراديكاليون السود يطالبون بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ويلقون جهودهم خلف شعار إفريقيا الاشتراكية ومواصلة تقليد التنظيم وفق مكان الإقامة، وانطلقت هتافات " فلسطين حرة".

تعاظمت حركة التضامن مع فلسطين بشكل غير مسبوق إثر حروب الغزو الإسرائيلية ضد قطاع غزة. في كل زاوية بالولايات المتحدة نزلت الجماهير إلى الشارع وشغلت الميديا الاجتماعية  بالتنديد بهجوم إسرائيل الأخير على غزة. أقام المناضلون المتضامنون مع فلسطين جسور تعاون مع مناهضي السجن السياسي ومع المطالبين بحقوق المهاجرين( تحت شعار أوقفوا الحرب ضد الأطفال من غزة حتى حدود المكسيك مع الولايات المتحدة، ومع النضال المناهض لعنف الشرطة العنصري في مدينة فيرغوسون بولاية ميسوري. كان الدافع لأفعال التضامن هو التعاطف مع مكابدة الشعب الفلسطيني و/ او الإقرار بوجود الاضطهاد المشترك. أنزلت الحرب الإجرامية ضد قطاع غزة خسائر بشرية فادحة بالفلسطينيين ودمارا ماديا وولد سخطا عظيما. لقد تولدت مشاعر غضب عارمة وتعاطف نتيجة مشاهدة صور جثث الأطفال ودفن أسر بكاملها تحت ركام الكتل الاسمنتية، بينما راحت الدعاية الفاجرة تعرض الإسرائيليين ضحايا مرعوبة من صواريخ حماس.

وبفضل الصحافة الشجاعة والنشاط الدؤوب ضد العنف في غزة  والضفة الغربية اتسعت صفوف حركة مقاطعة إسرائيل وحصارها وسحب الاستثمارات من اقتصادها ( بي دي إس)، نظرا لأنها تقدم استراتيجية ملموسة اخلاقية لاعنفية  تتحدى الاحتلال وتعارض ذبح المدنيين وانتهاك القانون الدولي من قبل إسرائيل. حتى لو كان المردود المالي ضعيفا فإن مردودها التثقيفي عظيم الأهمية.

وبفضل النقاش المتواصل عرف الجمهور المزيد عن الاحتلال، من المستفيد منه والجذور التاريخية  لنزع ملكية الأراضي منذ العام 1948. خلال صيف 2014 الدامي التقيت مع المزيد من البشر في الولايات المتحدة ممن وصفوا بصراحة قطاع غزة اكبر سجن مفتوح في العالم مركزين على حقيقة ان اموال الضرائب التي ندفعها تقدم  ستة ملايين دولار كل يوم إلى إسرائيل، الحامية العسكرية. انتقد الناس حكومة الولايات المتحدة بسبب إقدامها على نقض القرارات الدولية المنددة بإسرائيل لانتهاكها حقوق الإنسان؛ كما عارضوا انتهاك القانون الأميركي الذي يحظر استعمال السلاح الأميركي ضد المدنيين في المناطق المحتلة من فلسطين. حتى أن عددا لا بأس به من الليبراليين الأميركيين  تحولوا عن الاعتقاد بأن "النزاع" العربي – الإسرائيلي متجذر في عداوات قديمة يصعب تصفيتها، واخذوا بحقيقة ان ما يجري إن هو إلا  احتلال كولنيالي ينتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان بتمويل الولايات المتحدة الأميركية.

أثناء جولة العنف الإسرائيلية تصاعد العنف البوليسي العنصري في الولايات المتحدة . جاء مقتل كل من إيريك غارنر، إيزيل فورد، كاجيمي باول، جون كراوفورد الثالث، والأبرز كذلك ميشيل براون من مدينة فيرغوسون، وجميعهم عزل من السلاح، وصرعوا خلال شهرين فارتبطت مأساتهم بما جرى في غزة. وبعفوية جرى الربط بين عنف دولة إسرائيل العنصرية باسم الأمن وبين ما تقوم به الولايات المتحدة - بدءا من استخدام الطائرات بدون طيار لقتل الآمنين خارج الولايات المتحدة  حتى قتل السود على أيدي الشرطة- ودور الشركات الأميركية وقوى الأمن في تسليح وتدريب الشرطة الأميركية.

 بالفعل جاء قرار مديرية الشرطة ترك مايك براون ينزف الدماء في الشارع لمدة أربع ساعات عقوبة جماعية. إنها ذروة اللانشنغ( جرائم البيض من عصابة الكلوكلوكس كلان الفاشية يشنقون السود على شجرة او عمود كهرباء ويتركونه معلقا) – عرض الضحية للمجموع استهدف ترويع الآخرين ومعاقبة كل فرد كي يذعن، وتذكير الآخرين بنفس المصير إن هم خرجوا عن الصف.

وتتخذ العقوبات الجماعية نماذج عدة: التوقيف الروتيني غرامات على إحداث الضجة (رفع مسجل الموسيقى)، تجاوز المرور عدم تجديد رخصة السيارة او رخصة السياقة في موعدها،" الإزعاج". وإذا لم تدفع الغرامة فالسجن هو البديل أو مصادرة السيارة أو أي من المقتنيات، او سوق أحد الأطفال للخدمة المجتمعية. في عام 2013 أصدرت محكمة بلدية فيرغوسون 33 الف امر حبس بحق جمهور يقدر ب 21 ألف شخص، غرموا بمبلغ 2,6مليون دولار ذهبت لخزينة  البلدية.إجراءات التوقف وتفتيش السود مورست ضد السود بنسبة  92 بالمائة ، مع أن واحدا من كل ثلاثة بيض أمسك يحمل سلاحا غير مرخص او يخفي مخدرات مقابل واحد من خمسة بين السود.

الشرطة الأميركية تجرم العرق  الأسود وفي فلسطين تجرم دولة الاحتلال الفلسطينيين.

تساءلت أستاذة العلوم السياسية سيديف آرات - كوك ، هل يعني هذا ان المقاومة والنضال من اجل الكرامة والعدالة والطموح لتقرير المصير  امور غير مشروعة وتثير الارتياب إن مارسها الفلسطينيون الذين لا يوافقون على حلول التيار الرئيس في الغرب للمسألة الفلسطينية؟

من وجهة نظر راديكالية للتحرر الوطني فإن حلم بناء عالم ما بعد الصهيونية ، وما بعد التمييز العنصري، يستدعي التضامن الذي يمتد جذره في المشاركة بنصيب الضحية.. هل نحن نناضل فقط من أجل توقف طويل المدى لتبادل النيران وسحب المستوطنات من الضفة الغربية؟ هل نحن نكافح  من اجل تهدئة مع "دولة" أبارتهايد من طراز البانتوستانات تحكمها سلطة فلسطينية؟

أيا تكن الأسباب فتضامننا ينبغي أن يقوم على قاعدة بناء عالم جديد معا. لا أقترح ترك النضال من اجل محاسبة إسرائيل على جرائمها المتواصلة ضد الإنسانية وانتهاك القانون الدولي، او ان نكف عن تمجيد ضحايانا والحزن عليهم، أو أن نكف عن أي عمل مباشر من شانه إنقاذ الحياة وإحلال السلم. لكن السلم مستحيل تحقيقه بدون عدالة. وقد لخصت الكاتبة المصرية، أهداف سويف، بأفضل صيغة، إذ  كتبت تقول ان "العالم يعامل غزة كحالة إنسانية، كما لو أن الفلسطينيين بحاجة إلى معونة،  ما تحتاجه غزة هو الحرية". وكيف تكون الحرية للشعب الفلسطيني؟ " الحرية لفلسطين" تعني في الحد الأدنى التصفية التامة للاحتلال، تفكيك جميع مظاهر الأبارتهايد والعنصرية؛ تحميل إسرائيل مسئولية جرائم الحرب؛ وقف اللجوء إلى الاعتقال الإداري؛ وقف الاضطهاد السياسي؛ إطلاق سراح جميع الأسرى؛ الاعتراف بالحقوق الأساس لجميع المواطنين الفلسطينيين والبدو داخل إسرائيل في المساواة والمواطنة؛ ضمان حق العودة لجميع الفلسطينيين وتلقي التعويضات عن الأملاك المنهوبة والمدمرة، والأرواح المزهقة، خلال مسلسل من أفظع جرائم القرن العشرين.