2021-05-03

انتخابات التشريعي مثالاً أزمة المنظومة السياسية الفلسطينية

(٢)

| هاني عرفات

لم يكن مفاجئاً على الإطلاق، تأجيل أو إلغاء إنتخابات المجلس التشريعي. حتى من ادعى المفاجأة إشترك في المسرحية. وكل من وافق أو رفض ممثل أصيل أو فرعي في هذه الدراما، لن تفلح الحذلقة السياسية في تخليص أحد من التهمة.

الانتخابات بحد ذاتها ليست المشكلة ،ولكنها بدون أدنى شك تعبير واضح عن تجليات أزمة المنظومة السياسية الفلسطينية مجتمعة شكلاً وموضوعاً ، كل الفصائل والأحزاب المشاركة المنضوية تحت مظلة م ت ف وتلك التي خارجها ، كانت تعلم أنها فقدت قوتها السابقة ، ليست فقط فتح التي تراجع تأثيرها، الدليل على ذلك هو العدد الهائل من قوائم المستقلين التي تقدمت للجنة الانتخابات المركزية، هؤلاء في غالبيتهم عادة ما يصوتون لحماس إذا غضبوا من فتح، أصوات هذه الشرائح الغاضبة في انتخابات ٢٠٠٦ هي التي منحت مقاعد إضافية لحماس، وبعضها الآخر ذهب لقوى يسارية ...

لقد قرر هؤلاء أن يهجروا التنظيمات جميعاً، بسبب خيبات الامل المتكررة وأن يعاقبوهم جميعاً بالخروج عليهم في قوائم مستقلة، لكن المنظومة نفسها حرمتهم من هذه الفرصة أيضاً، الامر الذي سيكون له إنعكاساته اللاحقة.

لا يستطيع أي فلسطيني عاقل أن يقبل التفريط بالقدس ، الإنتخابات أولاً وأخيراً، الهدف منها في هذه المرحلة أن تضع حداً  لحالة الاستفراد في اتخاذ القرارات القائمة على الساحة الفلسطينية، هذا التفرد سمة طبعت القيادة الفلسطينية منذ بدء الخليقة الفلسطينية وليس في زمن الرئيس عباس فقط.

القرار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية ، بتأجيل الانتخابات، لا هو حل لقضية القدس ،ولا هو يساهم في إخراج المنظومة السياسية من الأزمة التي هي فيها، ولا ساهمت في إعادة الوحدة ما بين قوى العمل الوطني الفلسطيني، بل على العكس تماماً ستؤدي الى المزيد من التشظي، ومزيد من التباعد، ومزيد من المعاناة للناس. والأخطر من ذلك، إعطاء هامش لقوى مأجورة خارجية لاوطنية، للتغلغل أكثر فأكثر داخل النسيج السياسي ، للإجهاز على ما تبقى من الحلم الفلسطيني، وإذا صحت الأنباء التي ترددت مؤخراً، حول مساعي إماراتية بالتنسيق مع إسرائيل لتشكيل حكومة في غزة بموافقة حركة حماس وبرئاسة ممثل عن (التيار الاصلاحي) مقابل دعم إماراتي لمشاريع اقتصادية في قطاع غزة، وقيام اسرائيل بتحويل ٤٠٪ من أموال المقاصة لها، إذا ما وافقت حركة حماس على هذه الخطة، هو مؤشر على ما ستؤول اليه الامور.

الفلسطينيون كانوا يأملون أن تشكل الدعوة لإنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، حالة من الاشتباك السياسي، بما في ذلك في القدس نفسها، مع الاحتلال، الجميع كان يعلم ،بمن فيهم من أصدر القانون بقرار، أن سلطات الاحتلال ستبذل ما في وسعها، للحيلولة دون أن تسير الأمور بشكل صحيح ، وبالذات في القدس، القدس محتلة ، مثلها مثل باقي الأراضي الفلسطينية، كان يكفي أن يظهر جنود الاحتلال في القدس وهم يحاولون منع المواطنين الفلسطينيين من الإدلاء باصواتهم أمام عدسات الكاميرات، لأن يوصل الرسالة بأن القدس محتلة، وأن الفلسطينيين يرفضون هذا الاحتلال لمدينتهم. ويستمر الاشتباك ويتصاعد .

الذي حصل، بأن قرار التأجيل أو الإلغاء ، أعفى إسرائيل وأراحها من خوض هذه المعركة، ونقلها الى الداخل الفلسطيني، وعمق الانقسام على المستويين الشعبي والسياسي، لا يمكن إلقاء اللوم على الغاضبين من هذا القرار، بالنسبة للكثيرين فإن قرار التأجيل يعني الإلغاء، لأن الرسالة الصادرة عن اجتماع القيادة، يعني ببساطة أن لا انتخابات قبل تحرير القدس. هذه هي الرسالة التي وصلت، سواء أدرك أصحاب القرار ذلك أم لم يدركوا.

ما جرى هو تعبير حقيقي ومظهر آخر من مظاهر الازمة التي تعيشها المنظومة السياسية، التي لم تضل الطريق فحسب، بل أصبحت تقترب نحو تمكين قوى معادية من النيل منها. ما بعد مرحلة طرامب، حتى القوى المعتدلة في المنطقة، أصبحت في مرمى السهام الاسرائيلية، يريدون قوى بديلة مطيعة بالكامل ومستعدة لتنفيذ صفقة القرن، حتى وإن توارى صانعها.

لا يمكن الخروج من هذه الدائرة المفرغة، بالاعتماد على هذه القوى نفسها، عقيدة المسايرة وإبقاء الامور على ما هي عليه، لم تعد مجدية، لا بد من تخليصها من الوهم الذي تعيشه، لن يحقق الفلسطينيون أي إنجاز وهم متفرقون  وضعفاء، حتى وإن عاد جيفارا الى الحياة وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الاميركية. على الفلسطينيين أن يدفعوا الاحتلال ثمن احتلاله، سياسياً وإقتصادياً، هذا يتطلب جبهة إنقاذ وطني واسعة، بعيداً عن الفئوية المحاصصات، نواة هذه الجبهة موجودة في الحراكات الناشئة وان كانت غضة، وهي موجودة في داخل كافة التنظيمات، من غالبية الأعضاء فيها بدأً من حركة فتح العريقة وصولاً إلى حركة حماس مروراً بتنظيمات اليسار، هذه الجبهة الواسعة، في حال أحسنت إدارتها كفيلة بإعادة الزخم الى م ت ف كحركة تحرر وطني، أو إفساح الطريق...