2021-05-06

الشيخ جراح: مقاومة التطهير العرقي... قصص معاناة وصمود

| د. ماهر الشريف

منذ مطلع شهر أيار/مايو الجاري، تواجه أربع عائلات فلسطينية، أو 30 شخصاً، خطر الطرد من منازلهم في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة، بعد أن رفضت محكمة إسرائيلية، في منتصف شباط/ فبراير الفائت، الالتماسات التي قدمتها ضد قرارات إجلائها من الحي.

كما من المتوقع أن تعاني ثلاث عائلات أخرى من المصير نفسه في مطلع شهر آب/أغسطس القادم، بعد أن رفضت محكمة إسرائيلية كذلك استئنافاً تقدمت به هذه العائلات ضد قرار إخلاء منازلها في الحي لصالح المستوطنين. وتمثّل عمليات الطرد هذه وما يتلوها من إحلال المستوطنين اليهود في الممتلكات المسروقة من الفلسطينيين جزءاً من الخطة التي وضعتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتعزيز الأغلبية اليهودية في المدينة.

قصة حي الشيخ جراح

يسكن حي الشيخ جراح في مدينة القدس الشرقية المحتلة لاجئون فلسطينيون طردتهم المليشيات الصهيونية من بلداتهم وقراهم خلال نكبة 1948. وكانت الحكومة الأردنية قد توصلت في سنة 1956 إلى اتفاق مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ، قضى بتوطين 28 عائلة فلسطينية من هؤلاء اللاجئين في القدس وتزويدها بالمساكن، التي بنتها الحكومة الأردنية، على أن يتم نقل ملكية العقارات تلقائياً إلى أسمائهم بعد موافقتهم على التخلي عن صفة لاجئين، بحيث أصبح السكان، في سنة 1959، أصحاب عقاراتهم. ونمت هذه العائلات الـ 28 منذ ذلك الحين لتصل إلى حوالي 72 عائلة ونحو 550 شخصاً، غالبيتهم من الأطفال.

بيد أنه بعد قيام إسرائيل باحتلال القدس الشرقية خلال عدوان حزيران/يونيو 1967، فوجئ سكان الشيخ جراح في سنة 1972 بحصول منظمات استيطانية يهودية على ملكية أرض في منطقة كرم الجاعوني في الشيخ جراح، وطالبت هذه المنظمات بإخلاء أربع عائلات فلسطينية تقطن على هذه الأرض. وكان قانون أملاك الغائبين الصادر سنة 1950 قد مكّن الحكومة الإسرائيلية من مصادرة ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين "الغائبين"، على الرغم من منعهم من العودة، كما سمح قانون صدر سنة 1970 وحمل اسم " قانون الشؤون القانونية والإدارية"، للمستوطنين اليهود بالاستيلاء على أملاك فلسطينية في القدس الشرقية إذا تمكنوا من "إثبات" أن عائلاتهم كانت تعيش في هذه المدينة قبل حرب سنة 1948، وهو أمر لم يكن صعباً عليهم[1].

وفي سنة 2001، جرت أول محاولة للاستيلاء على منازل فلسطينية في كرم الجاعوني، عندما اقتحم نشطاء من اليمين اليهودي المتطرف منزلًا ورفضوا مغادرته. ثم صدر في سنة 2008، حكم من إحدى المحاكم الإسرائيلية قضى بأن جزءاً من حي الشيخ جراح "كان مملوكاً لليهود السفارديم الذين استقروا هناك خلال العهد العثماني"، في وقت سعى فيه عدد من المستثمرين الإسرائيليين والأميركيين، المدافعين عن "القدس اليهودية"، إلى شراء ممتلكات فلسطينية في الحي. وفي شباط/فبراير 2010، صادق مجلس بلدية القدس على مشروع لبناء 16 وحدة سكنية للمستوطنين الإسرائيليين في الشيخ جراح [2].

تجارب معاناة الفلسطينيين

تمثل تجربة نبيل الكرد الشخصية مع الاحتلال الإسرائيلي خير مثال على معاناة الفلسطينيين على أيدي المستوطنين. فهذا الفلسطيني السبعيني، الذي يعاني من خطر الطرد من الحي، بنى في سنة 2001 منزلًا مجاوراً للمنزل الذي كان يمتلكه بالفعل، قبل أن تصادر سلطات الاحتلال الإسرائيلي المفاتيح وتمنعه من الانتقال إليه. وفي سنة 2009، وصل مستوطنون مسلحون واحتلوا المنزل، فنصب خيمة عند مدخل المنزل صار يتردد عليها نشطاء فلسطينيون وأوروبيون ويهود للتعبير عن دعمهم له. لكن المستوطنين قاموا بمضايقتهم، ورشّوهم باللبن الزبادي، ورشقوا عليهم الفاكهة والخضار المتعفنة والقمامة. وبعد خمس سنوات أضرم المستوطنون النار في الخيمة، ولم تتوقف المضايقات ضد الأسرة حتى بعد أن أنهت اعتصامها.

ويقول نبيل لموقع Middle East Eye: "كان المستوطنون يجردون أنفسهم من ملابسهم ويقفون عند النوافذ المطلة على منزلنا؛ فكان عليّ تعليق قطعة من القماش لحماية زوجتي وبناتي". ويؤكد الرجل أن المستوطنين ليس لديهم أي دليل على امتلاكهم هذه الأرض ويسعون لإخراج الفلسطينيين منها تماشياً مع سياسة التهويد الإسرائيلية في القدس الشرقية. ويقول إن سكان الحي لا يملكون أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم ما لم يلجأوا إلى القانون، لكن هذا المسار محفوف بالعقبات بعد أن "أظهر نظام العدالة الإسرائيلي بشكل متكرر تحيزه لصالح المستوطنين". وكانت قريبة له تدعى فوزية الكرد، المعروفة باسم أم كامل الكرد، قد طردت قسراً من كرم الجاعوني في سنة 2008، فصارت تزور الحي ثلاث مرات في الأسبوع وتمشي أمام منزلها، الذي يسكنه المستوطنون حالياً، لإظهار صمودها وتأكيد رفضها للتخلي عنه.

وتقول: "عشت في هذا المنزل أربعين سنة. كانت السنوات الخمس الماضية هي الأصعب حيث استولى الإسرائيليون على نصف منزلي بالقوة قبل أن يرموني في الشوارع مع زوجي المريض. وعلى الرغم من ذلك، لم أستسلم وعشت في خيمة بجوار منزلي لمدة عام كامل".

أما كرمل القاسم ، أحد منسقي حملة #SaveSheikhJarrah ، الذي يعيش في الحي، فيؤكد أن عائلته مُنحت حتى أوائل أيار/مايو الجاري لمغادرة المنزل الذي عاشوا فيه منذ سنة 1956.

ويشير إلى أن الهدف من هذه الحملة لإنقاذ الحي من التهويد هو إيصال صوت سكان كرم الجاعوني ومعاناتهم إلى بقية العالم وتوليد ضغط سياسي دولي لإنهاء تهجير وتشتيت سكانها مرة أخرى". وقال "مطلبنا الوحيد هو السماح لنا بالعيش بسلام في منازلنا مثل أي أسرة عادية في أي مكان في العالم، دون أن نكون مهددين بالإخلاء والتشريد". ويضيف أنه "لن يتنازل عن حقه في مقاومة سياسة الإخلاء وسيواصل السير على خطى والدته الراحلة أمل القاسم اللاجئة التي طردت من يافا عام 1948". بينما قال عارف حماد، عضو لجنة إسكان اللاجئين التابعة للشيخ جراح ، لموقع Middle East Eye "إن عائلات السكافي والقاسم والكرد والجاعوني وحماد والداودي والدجاني يستأنفون أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، وهي الملاذ الأخير في معركة قانونية ضد مذكرات الإخلاء الصادرة في الدرجة الأولى". ووفقاً له، ، فإن 169 من سكان الحي تلقوا إخطارات إخلاء، بينهم 46 طفلاً من 12 عائلة[3].

المحاكم الإسرائيلية أداة طرد الفلسطينيين

في كانون الثاني/يناير 2021، اعتبر مايكل لينك، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، أن أوامر الطرد التي تصدرها المحاكم الإسرائيلية ترقى، عندما تنفذ، إلى مستوى انتهاك إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، "لحظر التهجير القسري للسكان المحميين بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة"، مؤكداً أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية كبيرة، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لضمان احترام إسرائيل الكامل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القدس الشرقية.

أما منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية فهي ترى أن المحاكم التي تصدر أوامر الطرد هذه ليست "سوى الأداة التي يستخدمها المستوطنون، وبدعم وثيق من سلطات الدولة، لارتكاب جريمة تهجير مجتمع بأكمله واستبداله بمستعمرة واحدة"، مضيفة أنه "لا توجد مشكلة لدى الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين الإسرائيليين في ترحيل آلاف الفلسطينيين باسم "حق العودة"، بينما يؤكدون بشكل قاطع أن آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون على أراض مملوكة للفلسطينيين قبل عام 1948 لا يمكن ترحيلهم؛ لم يكن هناك مثل هذا الترحيل من القدس منذ طرد حي المغاربة لتوسيع ساحة الحائط الغربي في عام 1967 ".

ووفقًا لتقارير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ، فقد زادت في الآونة الأخيرة طلبات الإخلاء القسري من منظمات المستوطنين، إذ إن هناك في الوقت الحالي نحو 877 شخصاً من بينهم 391 طفلاً، معرضون لخطر الإخلاء القسري نتيجة هذه المطالب، وأن عمليات الإخلاء القسري في القدس الشرقية تطال مئات العائلات الفلسطينية، بما في ذلك في البلدة القديمة وأحياء الشيخ جراح وسلوان.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة أن ما يدور من أحداث في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وتعرض أسر فلسطينية لخطر الطرد، "هو غير قانوني بموجب القانون الدولي". وبحسب ستيفان دوجاريك الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فإن موقف المنظمة الدولية "لم يتغير، إذ إن جميع الأنشطة الاستيطانية، بما فيها الإجلاء والهدم هي غير قانونية بموجب القانون الدولي"، وأن قرار مجلس الأمن رقم 2334، الصادر في أواخر سنة 2016، طالب إسرائيل بوقف الاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، مشدداً على أن المجتمع الدولي لن يعترف بأي تغيير يطرأ على حدود 1967 بما فيها ما يتعلق بالقدس، "باستثناء أي اتفاقيات تتوصل إليها الأطراف عبر مفاوضات"[4].

مقاومة مستمرة ضد عمليات الطرد

وتندلع منذ سنوات احتجاجات أسبوعية في حي الشيخ جراح يشارك فيها ناشطون وسكان فلسطينيون ومتضامنون يهود وأجانب. وفي الأسبوع الأخير من شهر نيسان/أبريل الفائت، كان الحضور في هذا الحدث الأسبوعي أكثر من المعتاد، إذ شارك المئات من النشطاء اليساريين اليهود إلى جانب الفلسطينيين في مظاهرة تصدت لها الشرطة الإسرائيلية بوحشية، وشهدت المظاهرة مشاركة نائب الكنيست عن القائمة المشتركة عوفر كاسيف الذي ضُرب بقسوة من قبل ضباط الشرطة، التي أعلنت أنها فتحت تحقيقاً في الحادثة، لكن كاسيف قال لتايمز أوف إسرائيل إنه يشك في أن يؤدي التحقيق إلى أي شيء، لأن التحقيقات الداخلية "منحازة لصالح إرهابيي المستوطنين"[5].

وفي مساء يوم الاثنين في 3 أيار/مايو الجاري وقعت صدامات بين محتجين وقوات الشرطة الإسرائيلية على هامش مظاهرة دعم لعائلات فلسطينية مهددة بالطرد لصالح مستوطنين يهود، جُرح خلالها عشرة أشخاص، وأعلنت الشرطة أن المتظاهرين عرقلوا السير ورموا حجارة وزجاجات الماء على أفرادها. وقال صحافي في وكالة فرانس برس إن قوات الأمن، بما في ذلك شرطة الخيالة، فرقت المتظاهرين برش الماء عليهم[6].

[1] https://french.palinfo.com/news/2021/3/12/Un-plan-isra-lien-pour-tablir-deux-projets-juda-ques-dans-le-quartier-de-Sheikh-Jarrah-J-rusalem

 [2] https://www.streetpress.com/sujet/1799-a-sheikh-jarrah-un-quartier-palestinien-de-jerusalem-est-les-constructions-israeliennes-vont-commencer

 [3] https://www.middleeasteye.net/fr/reportages/jerusalem-sauver-sheikh-jarrah-palestiniens-colons-israel-expulsions

 [4] https://haitiliberte.com/arretez-lexpulsion-des-familles-palestiniennes-du-quartier-de-cheikh-jarrah-a-jerusalem-est/La bataille de Jérusalem

 [5] https://fr.timesofisrael.com/protestation-contre-les-expulsions-et-les-violences-policieres-a-jerusalem-est/

 [6] https://www.journaldemontreal.com/2021/05/04/jerusalem-arrestations-lors-dune-manifestation-contre-leviction-de-palestiniens

* مؤسسة الدراسات الفلسطينية