2021-05-09

الشيخ جرّاح وتهجير جديد قريب

| نادية حرحش

أتساءل ما هو الأصعب، أن يأتوا إلى بيتك عنوة ويستولوا عليه؟ أم تعود إلى بيتك فتجده ركاماً وتبدأ بلملمة ما كان يحوي من ذكريات؟ أم تنتظر سنة تلو السنة، يوماً تلو اليوم، لحظة آتية تؤرخ استيلاءهم على بيتك، ويخرجونك منه عنوة مهما حاولت وهادنت وحاربت، لأنه بكل بساطة كما قال المستعمر الجديد لـ (منى) ابنة صاحب البيت:"إن لم آخذه أنا فسيأخذه غيري."

كم يبدو هذا المستعمر محقاً؟ كم هو وقح؟ كم هو واقعي؟

كم يمكن للإنسان أن يحارب من أجل البقاء في بيته؟

البيت.... مصدر الأمان الأول والأخير لكل منا.

البيت الذي نلوذ به دوماً بعد يوم عصيب، بعد مشقة، بعد رحلة، بعد عمل، بعد كل ما نقوم به في حياتنا... نعود إليه لنأمن ونسكن.

ما الذي يمكن أن يعيشه المرء وهو مهدد بالترحيل في كل يوم على مدار أعوام.

لا أستطيع تخيُّل قدرة هؤلاء العائلات على التحمل. لا أستطيع التفكير في الأحاديث التي يتداولها أبناء هذه العائلات فيما بينهم. ما هي خططهم؟ إلى أين سيذهبون؟ ما الذي سيأخذونه معهم من ذكريات وما الذي سيتركونه وراءهم؟

شجرة الإيكي دنيا التي امتلأت ثمارها لطالما استوقفتني. لم أجرؤ هذه المرة على قطف ثمرة منها وألوذ بنفسي منتصرة بحصولي على واحدة. رائحة المجاري (المياه العادمة) التي أطلقها جنود الاحتلال منذ الليلة الماضية تفوح في المكان. الإيكي دنيا تبدو مُرّة وسط كل هذا الكمّ من الترقب والرائحة التي تنشرها العوادم.

أنظر أمامي، وذلك البيت يترقب منتظراً ساعة الإخلاء القادمة ليسكنه المستعمر الجديد. لا يفكر فينا كبشر. أتساءل ما الذي يفكرون فيه؟ لكن كم تبدو ساذجة فكرة تساؤلي. هؤلاء لا يفكرون مثلنا. هم لا يرون الإنسانية بقدر ما نراها. نحن لسنا إلّا أغياراً يمكن استباحتهم. هم أهم. هم أصحاب القوة والسطوة.

ونحن مجرد أناس عاشوا هنا... يعيشون هنا لا يهمهم.

لا يأبهون لذكريات بدأت بعد اللحظة الأولى من التهجير الأول قبل أكثر من سبعين عاماً.

تلك العائلات التي بنت لنفسها وجوداً من "عدم" كتلك العوادم التي تُرشَق عليهم ليلياً، كأن المحتل يريد أن يؤكد لهم: سترحلون إلى عدمٍ كما أتيتم من عدم، ولا نأبه لكم. فمن يُشرِّد أول مرة يُشرِّد مرات أُخرى.

كأن بداخلي ما يحتاج إلى أن يعيش هذا العدم كأصحابه، أسأل نفسي كم من المرارة يمكن تحمّلها. أهذا هو تجرّع العلقم؟ إلى أي مدى يمكن أن تدخل هذه الرائحة إلى الأعماق، إلى الأنفاس. كم يمكن أن تدوم. كم يمكن تحمّلها. هذه الحقيقة القبيحة... الحقيرة.. الوسخة... كيف نتحمل وزرها من روائح تعلق بنا وتأبى أن تزول؟

وجدت نفسي ذاهبة إلى ذلك المكان. إلى حيث تلك الأريكة، وشجرة التين وجارتها شجرة الإيكي دنيا، وذلك الرجل المسن صاحب أحد البيوت المهددة (نبيل الكرد).

ذلك الرجل الذي تنظر إلى عيونه فترى معنى التعب من الإصرار على البقاء رغماً عن الاحتلال.

أحاول نبش الذكريات من رأسه، وإذ به يلوذ إلى ذكريات أبعد من عمري، حيث كان جدي الأكبر. جدي الأكبر ووالده كانا جاريْن، تلاقت بسطة رزقهما قبل أن يولد الاحتلال، وبقدوم المحتل تفرقت الحياة والأرزاق وتشتت البشر.

وكأن في تلك اللحظة صار للحياة معنى أهم من ذلك الذي كان يلقي بثقله على المكان وسط رائحة العوادم على تلك الأريكة القديمة.

ورجعنا للحظة...

يعيد الرجل القصة التي يعيشها منذ خمسين عاماً. سواء أعياه التعب أم يضخ فيه ذلك العناء قوة البقاء. الإصرار على البقاء هو حال عينيه. حال كلماته التي يعيدها باتزان. مصطلحاته التي صار يُحسن استخدامها ليصيح في وجه الظلم الذي يعيشه كل لحظة. بقدر رائحة العوادم التي شممتها معه لساعة ربما، لا أعرف. لم أستطع تحمّل عبء قذارتها. كأن القاذورات تخترق أرجاء الجسد، تقتحم الأنفاس، كأنهم يريدون أن يؤكدوا لنا أن هذا هو الواقع الذي سنجعلكم تتجرعونه كالعلقم. نحن علقمكم كما هذه الرائحة التي ستلتصق بأنفاسكم إن لم ترحلوا...

وصاحب البيت جالس لا يأبه لرائحة ولا لعيون المستعمرين المتربصة في البيت المجاور.

تمر رائحة الورود من بستانه مع نسمة هواء عابرة.

أتذكر أن الأمل لا يولد من العدم.

هذه الرائحة العادمة، التي نجمت عن اعتداءات الأمس على أهالي الحي والمؤازرين من شباب المدينة، تؤكد بُغض الاحتلال وقبحه. كأفعى نفثت سمومها في وجه ضحيتها ولم تكتف.

أذهب.. أكتفي برائحة لا أستطيع أن أتحمل سوءها أكثر.

أشعر بالاختناق

تطاردني الرائحة

تلتصق بملابسي

ويبقى الرجل جالساً على تلك الأريكة

مرابطاً

مواجهاً

متحملاً رائحة العوادم

وجيران السوء المحيطين به من كل اتجاه

منتظراً فرج الله

ولسان حاله يؤكد

لن أرحل من هنا إلّا إلى قبري.