2021-06-07

خـيـاران، لا ثـالـث لـهـمـا

| عبد الغني سلامة

في هذه اللحظة الحرجة والفارقة، بعد النصر المعنوي للمقاومة في غزة، وحالة النهوض الوطني في عموم فلسطين، واستعادة الروح الكفاحية، وحالة التوحد الرائعة، والتي شملت فلسطينيي الداخل، واستفاقة الشارع العربي وتضامنه مع فلسطين، ومسيرات التأييد الكبيرة التي شهدتها مختلف دول العالم، والانتقادات الدولية التي بدأت تظهر ضد إسرائيل، وأبرزها الموافقة على إجراء تحقيق في جرائم الأبارتهايد.. نكون أمام خيارين، لا ثالث لهما، إما أن نطوّر هذه الحالة، ونستثمرها، ونعزز وحدتنا، ونقوي جبهتنا الداخلية، ونصلّب موقفنا السياسي.. وبالتالي سنكون أمام لحظة تحوّل كبرى في الصراع، وباتجاه استعادة حقوقنا، ونيل استقلالنا.. أو نكتفي بنشوة النصر، ونجيّره لصالح «حماس» فقط، ونبدأ مرحلة جديدة من المناكفات والصراعات الداخلية، وبالتالي نضيّع كل ما تم إنجازه، ونثبّت الانقسام، ونكون كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا، فنفشل جميعاً، وتذهب ريحنا هباء..

ما مبررات هذا الطرح؟

لاحظتُ في كتابات لمنظّرين من الإخوان المسلمين (خاصة في الأردن)، وفي تصريحات لكوادر من «حماس» ما يمكن وصفه بنرجسية الفصيل، أي التركيز على الذات وإعلائها بنَفَس حزبي.. حيث تلمس من نبرة خطابهم التفوق الأخلاقي والنضالي على بقية الفصائل وعلى أبناء الشعب، والنظر إلى مقاومة وبطولات «حماس» وكأنها معزولة عن سياق الثورة وتاريخها، وأنها الأشرف والأنبل.

البعض راح مأخوذاً بنشوة النصر الذي أحرزته المقاومة على إسرائيل لدرجة اعتباره نصراً على السلطة أو على «فتح»، ما يوحي بأن هذا كان هو هدفهم من المعركة في الأساس، أو هكذا فهموها.

وهذا لا يقتصر على أنصار «حماس»، بل تجده أيضاً في صفوف «فتح»، ومن تنظيمات أخرى، وبين المستقلين، خاصة الناقمين على السلطة، والذين لا يرونها إلا من خلال «التنسيق الأمني»، أو يرونها سلطة فاسدة، أو من لديهم كره تاريخي ضد «فتح»، لأسباب أيديولوجية، أو لأسباب أخرى.. هؤلاء يرون أن «حماس» تتصدر المقاومة الآن (وهذا صحيح، من ناحية المقاومة المسلحة)، وأنها هي التي أعادت الروح المعنوية للشارع (متناسين كل المعارك والتضحيات السابقة، بل وحتى الحالية بما فيها هبّة القدس الجماهيرية، وحراك فلسطينيي الداخل)، وبالتالي يمكنها الاستفراد بكل الساحة الفلسطينية، متجاهلين أن هذا يعني تثبيت حكم «حماس» في غزة، وتأبيد الانقسام، ويعني أيضاً إقصاء وإلغاء الآخرين، وأن أي محاولة لإقصاء «فتح» وبقية الفصائل تعني تصعيد الاقتتال الداخلي.. (قد تكون هذه أمنية البعض، لكن قيادة «حماس» الواعية تدرك أنه لا يمكنها الاستئثار بالحكم).

المسألة أساساً ليست من يحكم؟ فمثل هذا السؤال قبل الاستقلال والتحرير الكامل لا معنى له، المسألة هي الشراكة النضالية، والوحدة الوطنية، واحترام تعددية الشعب الفلسطيني، وتنوعه الفكري والسياسي والثقافي.

فيما ذهب آخرون لفكرة استلام «حماس» لمنظمة التحرير (كما فعلت «فتح» مع الشقيري 1968)، مع أن هذا غير ممكن، بسبب طبيعة «حماس» الحزبية، ولكني شخصياً لا أمانع قيادة «حماس» للمنظمة، شريطة أن تأتي من خلال الانتخابات، وأن تحترم التعددية السياسية والحزبية، والميثاق الوطني، وفكرة الكيانية الوطنية، وألا تزج بالمنظمة في المحاور الإقليمية، وأن تصون استقلالية القرار الوطني. 

أما فكرة إلغاء منظمة التحرير، أو تجاوزها، وتمثيل «حماس» للشعب الفلسطيني، فهذا يعني تدمير الكيانية الوطنية، وشطب كل المنجزات السياسية التي تحققت في الخمسين سنة الماضية، وإنهاء التعددية والتنوع التي ميزت الساحة الفلسطينية تاريخياً. وبما أن «حماس» غير معترف بها دولياً، ولا عربياً، فيعني ذلك غياب تمثيل الشعب الفلسطيني سياسياً، أو إضعاف تمثيل المنظمة، وضرب مكانتها السياسية، والعودة إلى ما قبل مربع الخمسينيات، حيث الوصاية والإنابة والتذويب والاحتواء، ومشاريع التوطين، ومصادرة القرار الوطني.

إذاً، بدلاً من كل هذه الفوضى، والتي ستؤدي حتماً إلى الانتحار الوطني، لنبدأ على الفور بإصلاح منظمة التحرير، واستعادة دورها السياسي، وتطوير وتحسين أدائها، وتعزيز تمثيلها للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وهذا يتطلب إعادة انتخاب المجلس الوطني، ودخول «حماس» و»الجهاد الإسلامي» كشركاء كاملين، وبالنسب التي تقررها الانتخابات (الشرعية الشعبية، والدستورية)، ووفقاً للأداء النضالي في الميدان (الشرعية النضالية)، وبالتوافق الفصائلي مع سائر الأحزاب والفصائل الوطنية والكتل الانتخابية، وهذا يعني تلقائياً انتخابات رئاسية وتشريعية، ولكن في إطار منظمة التحرير كإطار وطني شامل وجامع، تُجسد الكيانية الوطنية، ومعترف بها عالمياً.

ما يزيد من حساسية المرحلة وخطورتها، أولاً: محاولات إسرائيل الدائمة لبث الفتنة، وتفتيت وحدة الشعب، لتعويض خسارتها السياسية، وتفويت أي فرصة على الفلسطينيين للانتصار، أو تحقيق منجز سياسي.. ثانياً: نشوة تيار من «حماس» بالنصر، واستعادة شعبية الحركة، واعتباره نصراً لـ»حماس»، لتصبح هي الممثل السياسي للفلسطينيين، هي من تفاوض، ومن تُعيد الإعمار، ومن يمثل القضية (وربما تغريها دعوة الاتحاد الأوروبي).. وهذا لن يكون متاحاً إلا في نطاق دويلة غزة.. وبالتالي تستكمل إسرائيل مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية، وتهويد القدس، ومن ثم تصفية قضية اللاجئين.. ثالثاً: شهية الدول الإقليمية التي فُتحت بقوة من مدخل إعادة الإعمار، والاستفادة من نتائج المواجهة، حيث ولكلٍ من هؤلاء أجنداته ومصالحه، ولبعضهم تاريخ طويل في المتاجرة بدماء وتضحيات الفلسطينيين.

إذا استثنينا البعض من تيار الحرس القديم في «حماس»، الذي يرون فلسطين أقل من «مسواك»، وأن فلسطين لا تظهر على الخارطة، وعَلمها عبارة عن قطعة قماش بالية، الذين يشعرون بالتقيؤ عند سماعهم مصطلح الدولة الفلسطينية، ويرفضون فكرة الوطنية، والاستقلال الوطني.. سنكون مع التيار الوطني في «حماس»، الذي يؤمن بالحل المرحلي، وفكرة الدولة الفلسطينية، والحل السياسي، ويفكرون بواقعية وعقلانية، ويقبلون بالشراكة والتعددية.. وقد عبروا عن أنفسهم من خلال وثيقة «حماس» 2017، وفي تصريحات الأخ خالد مشعل من الدوحة، بأنه أدرك عبثية فكرة إقصاء «فتح»، أو تجاوزها، وعدمية فكرة إنشاء منظمة بديلة، وقد أكد على هذا التوجه الوطني الوحدوي الأخ يحيى السنوار في خطابه الأخير.. وهذا يعطينا بعض الطمأنينة بأن «حماس» لن تقع في فخ دويلة غزة، ولن تنجر وراء محاولات إلغاء منظمة التحرير.

وهنا يأتي دور السلطة، و»فتح»، وبقية الفصائل بالتوحد مع «حماس» و»الجهاد الإسلامي» لبناء موقف سياسي صلب، مبني على خط سياسي ثوري جديد، والاتفاق على تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، والذي يجب أن يأخذ بالحسبان فلسطينيي الداخل، والشتات، وكل هذا لن يكون ممكناً إلا بعد إنهاء الانقسام.