2021-06-11

منظمة العمل الدولية: تأثير كارثي لجائحة كورونا على عالم العمل

| جهاد عقل

صدر عن منظمة العمل الدولية في الثاني من شهر حزيران/ يونيو الحالي تقرير لها يحمل عنوان "الاستخدام والآفاق الاجتماعية في العالم: اتجاهات 2021"، الذي يقع في 164 صفحة، وجاء صدور هذا التقرير على هامش مؤتمر المنظمة الافتراضي للدورة 109 المنعقد في مقرها بمدينة جنيف بسويسرا، والذي سينهي اعماله في منتصف الشهر الحالي، كما سيعقد الجزء الثاني من المؤتمر في أيام 25 تشرين ثاني نوفمبر وحتى 11 كانون أول ديسمبر من العام الحالي في خطوة غير مسبوقة فرضتها جائحة كورونا وتبعاتها على ادارة المنظمة.

وفي تصريح لمدير عام المنظمة غاي رايدر في افتتاح المؤتمر بخصوص وباء كوفيد – 19 وتأثيره على عالم العمل بقوله: "إن التأثير "الكارثي" لوباء COVID-19 على عالم العمل قد سلط الضوء على ضرورة سياسات التعافي التي تركز على الإنسان.

لقد سلط الوباء الضوء على مدى ارتباط السياسات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والمالية والتجارية والملكية الفكرية بشكل لا ينفصم... نحتاج إلى تعزيز هذا الإدراك لتحقيق تماسك أفضل للنظام متعدد الأطراف على أساس دائم، تمامًا كما حثنا إعلان مئوية لكي يفعل."

وأضاف: "إن مجموع المعاناة الإنسانية التي يسببها الوباء هو أكبر بكثير لهذا الفشل الجماعي. في بيت العدالة الاجتماعية هذا، نحتاج، أكثر من غيرنا، إلى استخلاص النتائج من هذا".

ويضيف غاي رايد المدير العام لمنظمة العمل الدولية: "ليس التعافي من كوفيد-19 مجرد مسألة تتعلق بالصحة، بل ينبغي أيضًا التغلب على ما لحق بالاقتصادات والمجتمعات من أضرار جسيمة. فدون بذل جهد فعلي للإسراع بإيجاد فرص عمل لائقة ودعم أفراد المجتمع الاكثر ضعفًا وإنعاش أشد القطاعات الاقتصادية تضررًا، يمكن أن تستمر آثار الوباء سنوات وتفضي إلى ضياع الإمكانات البشرية والاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر وعدم المساواة. ونحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة ومتناسقة تقوم على سياسات محورها الإنسان وتستند إلى العمل والتمويل. فلا يمكن أن يحدث انتعاش حقيقي دون استعادة فرص العمل اللائقة".

اتجاهات عام 2021... معطيات مقلقة

تحت هذا العنوان أصدرت المنظمة ملخصًا لدراستها المذكورة أعلاه، فيه تركيز لكافة المعطيات الهامة بخصوص تأثير جائحة كورونا على عالم العمل والعمال عامة لذلك سوف نستعرض بعض المعطيات الهامة في هذا التقرير بخصوص تأثير الجائحة على عالم العمل، خاصة وأننا نعيش اليوم فترة "خروج من هذه الجائحة"، الامر الذي يعطي الشعور لدى البعض بأننا عدنا لحياتنا الطبيعية، فهل هذا صحيح؟؟ وعن ذلك يقول رايدر: "من المرجح أن يكون التعافي غير منتظم وهشًّا"، وأضاف عن هذا الوباء: "لم يكن مجرد أزمة صحية عامة، بل كان أيضًا أزمة إنسانية وأزمة توظيف".

من خلال قراءة المعطيات التي شملها هذا التقرير أو التقييم، لا بد لنا أن نشعر بالقلق العميق جراء تأثيرها على أوضاع العمال خاصة والمجتمع عامة في الحاضر والمستقبل، بسبب جائحة كوفيد – 19 التي "تسبب في تعطل لا نظير له في جميع أنحاء العالم من خلال أثرها المدمر في الصحة العامة والعمالة وسُبل العيش".

وجاء في التقرير أيضًا: "كما عانت جميع البلدان من تدهور حاد في العمالة والدخل القومي، مما أدى الى تفاقم أوجه انعدام المساواة القائمة ويُحتمل أن تُخلف ندوبًا طويلة الأمد على العُمّال والمنشآت. ومن المطلوب وضع استجابة سياسية حازمة لمعالجة هشاشة وتفاوت الظروف الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق انتعاش يتمحور حول الانسان".

كما يؤكد التقرير على خسارة ساعات عمل لـ "255 مليون عامل بدوام كامل ما يُقدر بزهاء 8,8 في المائة من إجمالي ساعات العمل – أي ما يعادل ساعات العمل في عام واحد"، ممن واصلوا العمل خلال الجائحة، أي هذا العدد لا يشمل العمال الذين تم فصلهم من العمل أو أُخرجوا لعطلة قسرية غير مدفوعة الأجر.

بالمقارنة مع العام 2019 "انخفض إجمالي العمالة بمقدار 114 مليون (وظيفة) نتيجة تعرض العمال للبطالة أو مغادرتهم للقوى العاملة، ولولا انتشار الجائحة لكان العالم قد استحدث ما يُقدر بنحو 30 مليون وظيفة جديدة في عام 2020، وفي المجمل فإن هذه الخسائر تعني أن النقص العالمي في العمالة زاد بمقدار 144 مليون وظيفة في عام 2020. مما أدى الى زيادة تفاقم النقص في فرص العمالة القائم أصلاً قبل انتشار الجائحة".

ويشير التقرير الى حقيقة استمرار الارتفاع في خسائر ساعات العمل العام الحالي 2021 مما أدى الى خسارة "تعادل 140 مليون وظيفة بدوام كامل في الربع الأول و127 مليون وظيفة بدوام كامل في الربع الثاني". ويؤكد التقرير أنه باقتراب وانتهاء النصف الأول من عام 2021 يتضح أنّ الأزمة أبعد ما تكون عن نهايتها"، خاصة في أمريكا اللاتينية والكاريبي وأوروبا وآسيا الوسطى.

ازدياد العمال الفقراء

فقدان فرص العمل وتقليص ساعات العمل وغيرها من المؤثرات التي ضربت سوق العمل في مختلف الدول بسبب انتشار جائحة كورونا أدت الى "انخفاض حاد في دخل العمل وزيادة الفقر وسجل الدخل المتأتي من العمل الذي  لا يشمل التحويلات والإعانات الحكومية انخفاضًا بمقدار 3,7 تريليون دولار أمريكي في عام 2020 عما كان يمكن أن يكون عليه لولا انتشار الجائحة"، وتبلغ الخسائر منذ بداية العام الحالي 2021  1,3 تريليون دولار أمريكي" مما يعني أن مجمل الخسائر في الدخل من العمل، أو دخل العمال تصل الى 5 تريليون دولار أمريكي خلال سنة ونصف السنة، مما يزيد من ضائقة العمال وعائلاتهم ، بكلمات أخرى تعميق الفقر بين العمال.

ويخلص التقرير إلى أن أزمة كوفيد-19 جعلت أيضًا أوجه عدم المساواة الموجودة من قبل أسوأ لأنها أضرت بالعمال الضعفاء بشدة. والافتقار واسع النطاق إلى الحماية الاجتماعية – على سبيل المثال بين العاملين في القطاع غير المنظم البالغ عددهم ملياري عامل في العالم – يعني أن تعطل العمل المرتبط بالوباء كان له عواقب كارثية على دخل الأسرة وسبل عيشها.

وقد تُرجم تراجع فرص العمل وساعات العمل إلى انخفاض حاد في الدخل الناتج عن العمل وإلى ارتفاع مقابل في معدلات الفقر. وبالمقارنة مع عام 2019، يُصنَّف الآن 108 ملايين عامل إضافي في جميع أنحاء العالم على أنهم فقراء أو فقراء للغاية (ما يعني أنهم وأسرهم يعيشون على ما يعادل أقل من 3.20 دولار للشخص الواحد يوميًا). ويقول التقرير "إن خمس سنوات من التقدم المحرز نحو القضاء على فقر العمال قد تلاشت وكأنها لم تكن"، مضيفًا أن هذا يجعل تحقيق أحد أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة والمتمثل في القضاء على الفقر بحلول عام 2030 أمرًا صعب المنال.

وعن ذلك أكد البنك الدولي أن عدد الفقراء الجدد بسبب الجائحة في عام 2020 يقدر بنحو 119-124 مليون شخص ويتوقع البنك أن يكون عدد الفقراء الجدد في العام الحالي 2021 ما بين 143-163 مليون شخص ويؤكد بأن "هذه الأزمة لن تكون قصيرة".

الحلول غامضة للمعطلين وللشباب

في ظل فقدان سياسة اقتصادية واجتماعية  واضحة، لدى الدول الرأسمالية من أجل الخروج من هذه الأزمة يتضح أن المستقبل ما زال رماديًا بالنسبة لعالم العمل بحيث "سيكون نمو العمالة غير كاف لسد الثغرات التي فتحتها الأزمة"، ووفق تقرير منظمة العمل الدولية أنه في حال نجحت الدول في السيطرة على جائحة كورونا يتوقع: "استحداث 100 مليون وظيفة في عام 2021 و80  مليون وظيفة إضافية في عام 2022"، ورغم هذا التفاؤل الزائد يبدو من المعطيات التي أتت بعدها تتوقع المنظمة أن "يبلغ النقص العالمي في الوظائف نتيجة الأزمة 75 مليون وظيفة في عام 2021 و 23 مليون وظيفة في عام 2022" ويبلغ النقص في ساعات العمل: "في عام 2021 ما يعادل 100 مليون وظيفة بدوام كامل" هذا الوضع سيؤدي الى نمو عمالة: "أضعف من أن يوفر فرص عمل كافية الى الأشخاص الذين أصبحوا غير نشطين أو عاطلين عن العمل أثناء الجائحة، وبالنسبة للفئات الأصغر سنًا الوافدة الى سوق العمل التي عانت من حالات تعطيل كبيرة في تعليمها وتدريبها، ونتيجة لذلك، سينضم العديد من العمال غير النشطين في السابق الى القوى العاملة لكنهم لن يتمكنوا من العثور على فرص عمل". أي أن مستقبل انضمامهم للعمل سوداوي.

ارتفاع البطالة

ما ذكرناه أعلاه من: "المتوقع أن يتسبب في زيادة مطردة وملحوظة في البطالة من 187 مليون شخص في عام 2019 الى 220 مليون شخص في عام 2020 و220 مليون شخص في عام 2021 و205 ملايين شخص في عام 2022".

كما يشير التقرير الى ظاهرة العمل من المنزل التي اتسعت خلال جائحة كوفيد -19 وأن: "يؤدي التحول الى العمل من المنزل الى اضعاف التماسك الاجتماعي" و: "تهدد الأزمة بتقويض التقدم المحرز في مجال المساواة بين الجنسين، حيث عانت النساء من حالات فقدان الوظائف على نحو غير متناسب مع زيادة ساعات العمل غير مدفوعة الأجر".

واخيرًا فإنّ جائحة كورونا تحوّلت ليس فقط الى أزمة صحية شاملة، بل أيضًا الى أزمة عمالة وأزمة اجتماعية وأزمة اقتصادية "أثرت تأثيرًا شديدًا في سُبل عيش ملايين العمال. والخطر الحقيقي القائم هو أنه بدون جهود سياسية شاملة ومتضافرة، سيستمر ازدياد انعدام المساواة وتضاؤل التقدم المحرز في عالم العمل عبر أبعاد متعددة". وفي نهاية الوثيقة تدعو منظمة العمل للسعي الى: "وضع حقوق العمال واحتياجات جميع الناس وطموحاتهم وحقوقهم في صميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية" وضرورة تعزيز نُظم الحماية الاجتماعية بما في ذلك: "الحق في الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية والتمتع بظروف العمل الآمنة والصحية والحصول على الحد الادنى المناسب للأجور".