2021-06-30

اغتيال بنات قد يبدد مكاسب الفلسطينيين ويضعف التضامن الدولي معهم

د. ماهر الشريف

ترك اغتيال نزار بنات على أيدي عناصر من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وتداعياته أصداء واسعة في وسائل الإعلام على امتداد العالم، وخطف الأضواء من المكاسب الإعلامية الكبيرة التي حققها الفلسطينيون، على قاعدة وحدتهم، خلال المواجهة الأخيرة التي خاضوها مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك من حملات التضامن الدولي الواسعة معهم التي شهدتها العديد من مدن العالم.

الفلسطينيون ينجحون في كسب معركة الرأي العام العالمي                   

كان من الظواهر المهمة التي برزت خلال تصدي الفلسطينيين، خلال شهر أيار/مايو الفائت، في مواقع وجودهم كافة، للعدوان والاحتلال الإسرائيليين، نجاحهم في كسب معركة الرأي العام العالمي، وخصوصاً بعد أن اقتحمت مصطلحات- كما يلاحظ الصحافي أحمد مريسي-مثل "الأبرتهايد"، و"التطهير العرقي" و"جرائم حرب"، "وسائل الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، واستخدمها نواب في الكونغرس وإعلاميون وحقوقيون ومشاهير في الساحة الأمريكية، ضد ما فعله الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة والضفة الغربية وغزة".

فجولة المواجهة الأخيرة لم تكن –كما يتابع الصحافي نفسه- كسابقاتها، إذ "طالما كسبت إسرائيل الصراع الإعلامي، واستفادت من قنوات التواصل الاجتماعي، وتصريحات قادتها، لتشكيل سرد خاص بها لصالحها، وكي تصوّر نفسها على أنها المظلومة التي تتعرض لهجوم من "مجموعات إرهابية"، وأن عليها الدفاع عن نفسها. إلا أنه في هذه المرة، حقق الفلسطينيون الذين تحدثوا علناً ضد الاحتلال الإسرائيلي وقصفه العسكري الساحق لغزة نجاحاً أكبر بكثير في سرد روايتهم على وسائل التواصل الاجتماعي..، وهو الأمر الذي أدى إلى تآكل ميزة إسرائيل في معركة وجهات النظر واكتساب جمهور متحمس لها، بحسب مراقبين"[1].

وبحسب موقع "النهار العربي" الإلكتروني، فإن المشهد العام تغيّر كثيراً على الصعيد الإعلامي، ما بين الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة سنة 2014 والحرب التي شنتها على القطاع في أيار/مايو 2021، "كما تغير الفلسطينينون على الأرض وانعكست صورة وحدتهم في القدس وغزة والداخل الفلسطيني إعلامياً بالرغم من التقسيم المناطقي"ـ كما أن منصات الإعلام الاجتماعي "لم تعد كما كانت، فقد ظهرت تطبيقات جديدة مثل "التيك توك"، بينما التطبيقات القديمة قطعت شوطاً وتطورت مثل "إنستغرام وفايسبوك وتويتر"، لتبدو هذه الوسائل أسرع من الآلة العسكرية الإسرائيلية على مستوى التأثير وأشد ضراوة في توجيه الرأي العام العالمي والتأثير لصالح القضية الفلسطينية وضرب الرواية الصهيونية". ويستشهد الموقع المذكور بخبير عسكري إسرائيلي تحدث إلى إذاعة الجيش الإسرائيلي قائلاً: "الفلسطينيون استفادوا في شكل لافت من شبكات التواصل الاجتماعي. يكفيني رؤية الفجوة الهائلة والمثيرة للقلق بين هاشتاغات "غزة تحت الهجوم" مقابل "إسرائيل تحت الهجوم" لفهم مدى نجاح الحملة الفلسطينية، ما يعني فشل منظومة الإعلام الحكومي الإسرائيلي". ويتابع الخبير العسكري نفسه: "في الأيام الماضية وفي خضم المعركة الدائرة في الجنوب كانت حرب "الهاشتاغات" لا تقل ضراوة عن حرب الآلة العسكرية، وساهمت في تجنيد الرأي العام العالمي، فيما يبدو أنه تطور واختراق نوعي في جدار التعاطف التقليدي مع إسرائيل، وبرز ذلك من حجم التظاهرات التي شهدها العالم خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي من لندن الى أستراليا"[2].

ولعب القصف الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة الذي لم تسلم منه مقرات وسائل الإعلام العربية والعالمية دوراً في إحداث هذا التحوّل الذي مكّن الفلسطينيين، هذه المرة، من كسب معركة الرأي العام العالمي، وخصوصاً بعد أن قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية، يوم 13 أيار/مايو الفائت، بغارة جوية استهدفت برج الجلاء في مدينة غزة المكوّن من 11 طابقاً ويحتوي على مكاتب العديد من وسائل الإعلام الدولية بما في ذلك وكالة "الاسوشيتد برس" وقناة "الجزيرة"، سبقتها بساعات مجزرة الأطفال في مخيم الشاطئ عندما قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منزل عائلة أبو حطب وقتلت 10 أفراد معظمهم من الأطفال والنساء". وقد طالب وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن الحكومة الإسرائيلية بتقديم "توضيحات" عن "مسوغات" قيام طيرانها الحربي بهذه الغارة، مبدياً "قلق" واشنطن بشأن إجراءات حماية وسائل الإعلام، لكن من دون أن يذهب إلى حد إدانة الغارة الإسرائيلية. أما منظمة "مراسلون بلا حدود"، فقد توجهت بشكوى إلى محكمة الجنايات الدولية، واعتبر أمينها االعام كريستوف دولوار أن قصف أبنية تضم مقرات لوسائل الإعلام هو "جريمة حرب"، ودحض مزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي زعم ان البرج المستهدف كان يضم مكتباً لحركة حماس، مؤكداً أن وكالة "الاسوشيتد برس" أشارت إلى أنها لم تلاحظ وجود أي نشاط لحركة حماس في هذا البناء[3].

اغتيال نزار بنات يحرف الأنظار عن ممارسات الاحتلال الاستيطانية والعدوانية

بينما كان موضوع توحد الفلسطينيين في تصديهم لممارسات إسرائيل الاستيطانية والعدوانية ونجاحهم في كسب معركة الرأي العام العالمي يستأثر باهتمام العديد من وسائل ومواقع الإعلام، ضجت هذه الوسائل والمواقع بحادثة اغتيال الناشط والمعارض الفلسطيني نزار بنات وما أحدثته، وما زالت، من تداعيات.

فبعد أن أوردت الصحافية كلوتيلد مرافكو في صحيفة "لوموند" الباريسية، في 25 حزيران/يونيو الجاري، خبر وفاة نزار بنات على أيدي رجال أمن فلسطينيين نقلت ما قاله في 19 حزيران/يونيو الجاري والذي جاء فيه: "أنا من أولئك الذين لم يصمتوا"، وأضافت: "تحدى الناشط الفلسطيني نزار بنات السلطة في رام الله. وفي مقطع فيديو قصير، اتهم السلطة الفلسطينية بالفساد، لقبولها تسليم إسرائيل لقاحات ستنتهي صلاحيتها قريبًا مقابل نقل جرعات مخصصة للأراضي الفلسطينية في الخريف؛ تم إلغاء الصفقة في نهاية المطاف، لكن المنشور على صفحته على فيسبوك التي يبلغ عدد المشتركين فيها 100 ألف مشترك، أدى بالتأكيد إلى اعتقاله يوم الخميس في 24 حزيران/يونيو في بلدة دورا، بالقرب من الخليل، في جنوب الضفة الغربية. إذ اقتحمت قوات الأمن الفلسطينية منزل عمه حوالي الساعة 3:30 صباحا. وقبل الساعة السادسة صباحا بقليل، أكد محافظ الخليل جبرين البكري وفاته في بيان ورد فيه: أثناء اعتقاله "تدهورت صحته. تم نقله على الفور إلى مستشفى الخليل الحكومي حيث فحصه الأطباء وأعلنوا وفاته"".

وأضافت الصحافية نفسها أن اللجنة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان أكدت أن الفحص "كشف عن إصابات ناجمة عن كدمات في مناطق عديدة من الجسم بما في ذلك الرأس، وأن بعض الضلوع كانت مكسورة"، بينما قال ابن عمه حسين بنات، الذي كان ينام في الحجرة نفسها "إنه رأى نحو 25 من أفراد قوات الأمن يدخلون فجأة. هاجموا نزار بوحشية، وأفرغوا ثلاث قنابل من غاز الفلفل وهو نائم. ثم ضربوه، بصورة مستمرة، لمدة ثماني دقائق ... قوات الأمن مسؤولة عن وفاته". وخلصت إلى أنه "تحت ضغط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية تشكيل لجنة تحقيق في الحادث"[4].

أما صحيفة "ليبراسيون"، فقد نشرت مقالاً عن الحادث بقلم الصحافية مارغو دافييه بعنوان: "غضب في رام الله جراء مقتل الناشط نزار بنات عقب اعتقاله من قبل الشرطة الفلسطينية"، أشارت فيه إلى أن نزار بنات كان "نشيطاً بشكل خاص على الإنترنت وعضواً سابقاً في فتح، الحزب الوطني الذي أسسه عرفات"، كما كان أيضاً "مرشحاً على القائمة النيابية المستقلة، التحرير والكرامة، التي كان من المفترض أن تشارك لأول مرة في انتخابات تشريعية منذ 16 عاماً، كان من المقرر إجراؤها في 22 مايو 2021". ولم يكن نزار بنات "بخيلًا بنشر مقاطع الفيديو القاسية، التي ندد فيها بالإهمال والفساد المستشري في صفوف السلطة الفلسطينية"، مضيفة أنها "ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال هذا الناشط من قبل السلطة الفلسطينية، إذ اعتقل مرتين أو ثلاث مرات على الأقل خلال سنة 2020. وقد تم اعتقاله من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية بتهمة "التشهير" على الإنترنت". وخلصت الصحيفة إلى أن "جماعات حقوق الإنسان والنشطاء الفلسطينيين، مثل شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية" لم تقتنع بإعلان رئيس الوزراء محمد اشتية "أن السلطة الفلسطينية ستشكّل لجنة تحقيق في ملابسات وفاة نزار بنات"، بل دعت "إلى تحقيق محايد وجاد" في حادثة الاغتيال[5].

ولم يقتصر التنديد باغتيال نزار بنات على وسائل الإعلام بل طال كذلك منظمات حقوق الإنسان الدولية وجمعيات التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه الوطنية. فقد عبّر "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، ومقره في جنيف، في بيان أصدره عن "صدمته الشديدة لظروف اغتيال الناشط السياسي الفلسطيني المعارض نزار بنات، بعد اعتقاله والاعتداء العنيف عليه من قبل أجهزة الأمن الفلسطيني في الخليل جنوبي الضفة الغربية"، وطالب "بفتح تحقيق جاد وعاجل ومستقل في ما حدث، خاصة وأن كل ملابسات الحادث تشير إلى عملية قتل متعمدة بهدف إسكات صوت قوي معارض لسياسات السلطة الفلسطينية". وأضاف المرصد في بيانه "أن هذه الانتهاكات تحدث في سياق واضح من تكميم الأصوات وتوجيه رسالة تهديد لترهيب وإسكات النشطاء والمعارضين، خاصة بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية التي كان الفلسطينيون يأملون أن تكون بوابة ديمقراطية إلى التغيير وتجديد الشرعية الفلسطينية"، داعياً إلى "محاسبة جميع المتورطين في اغتياله، بالإضافة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين لأسباب سياسية أو من أجل حرية الرأي والتعبير"[6].

أما "جمعية فرنسا فلسطين تضامن"، وهي من أهم جمعيات التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني في فرنسا، فقد أعادت نشر مقال للصحافية الفلسطينية شذى حماد كانت قد نشرته على موقع Middle East Eye وورد فيه أن اعتقال نزار بنات "جاء في الوقت الذي كثفت فيه السلطة الفلسطينية حملتها الأمنية على المعارضين السياسيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الضفة الغربية المحتلة". ونقلت الصحافية المذكورة عن مهند كراجة، من "جمعية المحامين من أجل العدالة"، قوله: "إن بنات اتصل به يوم الأربعاء وأخبره أنه يواجه تهديدات وملاحقات من قبل أجهزة استخبارات السلطة الفلسطينية التي طلبت منه التوقف عن انتقاد السلطة"، بينما نقلت عن أسرته قولها "إنها طالبت بالكشف عن الحقيقة الكاملة والوقائع المتعلقة بوفاة بنات والبحث عن المسؤولين..وتشكيل لجنة تحقيق دولية برئاسة طبيب الأسرة وطبيب من مفوضية حقوق الإنسان وكذلك الأشخاص الذين تختارهم الأسرة، وعدم إجراء التشريح في المعاهد التابعة للسلطة ولكن في معهد أبو كبير للتشريح. نريد أن نؤكد حقنا بالقانون ولن تذهب دماء ابننا هباء. سنعرف من اتخذ القرار باغتياله ومن نفذ الاغتيال .. ونريد معاقبتهما على حد سواء"[7].

وهكذا، فإن اغتيال نزار بنات على يد أجهزة أمن سلطة خاضعة للاحتلال قد لا يبدد مكاسب الفلسطينيين الإعلامية في مواجهتهم لهذا الاحتلال وممارساته العدوانية والاستيطانية، وإنما قد يضعف أيضاً التضامن الدولي الذي برز بصورة لا سابق لها مؤخراً مع نضالهم، ناهيك عن أن هذه الجريمة، وما أعقبها من أعمال قمعية استهدفت المحتجين عليها، يشكلان انتهاكاً صارخاً لـ "إعلان الاستقلال" الفلسطيني لسنة 1988، الذي ورد فيه: "إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية...في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل"، وكذلك لـ "القانون الأساسي المعدّل" للسلطة الفلسطينية لسنة 2003، الذي أكد في باب "الحقوق والحريات العامة" أن "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس"، وأنه "لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون"، وأنه "لا يجوز إخضاع أحد لأي إكراه أو تعذيب"، وأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه"، وأن "للمساكن حرمة، فلا تجوز مراقبتها أو دخولها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب ووفقاً لأحكام القانون"، وأن "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير".

هوامش:

 [1] https://arabi21.com/story/1360040/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%83%D8%B3%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A

[2] https://www.annaharar.com/arabic/news/arab-world/palestine/20052021082213109

 [3] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20210517-immeuble-de-m%C3%A9dias-d%C3%A9truit-%C3%A0-gaza-washington-demande-%C3%A0-isra%C3%ABl-de-pr%C3%A9ciser-sa-justification

 [4] https://www.lemonde.fr/international/article/2021/06/25/mort-suspecte-d-un-activiste-en-cisjordanie_6085677_3210.html

 [5] https://www.liberation.fr/international/emoi-a-ramallah-apres-la-mort-du-militant-nizar-banat-suite-a-son-arrestation-par-la-police-palestinienne-20210624_MNSJCNWZ5RHHXECJZE2STZ7GIM/

 [6] https://euromedmonitor.org/fr/article/4476/Cisjordanie-:-Euro-Med-Monitor-exige-une-enqu%C3%AAte-urgente-et-ind%C3%A9pendante-sur-le-meurtre-de-l%27activiste-Nizar-Banat-apr%C3%A8s-son-arrestation-par-la-s%C3%A9curit%C3%A9-palestinienne

 [7] https://www.france-palestine.org/Assassinat-Nizar-Banat-opposant-d-Abbas-meurt-apres-une-descente-d-agents-de