2021-08-13

سليمان النجاب، لماذا الكتابة عنه اليوم؟

| سميح محسن

لماذا أكتب عنه اليوم وقد ترك عالمنا وذهب في رحلته الأبدية قبل عشرين عاماً، وقد أُزيحَت البوصلة عن تحديد اتجاهاتها الطبيعية؟

هل من باب الوفاء لمناضل أفنى جلَّ عمره في الكفاح من أجل تحرر وطنه من التبعية، ومن الاحتلال، وتحرّر شعبه من الظلم والقهر والجهل، وغَلُبَت إنسانيتُه وتواضعه الجمّ على أيّ صفة أخرى في تعامله مع فقراء وبسطاء الناس؟

أم أكتب عنه كمناضل صلب وعنيد في الدفاع عن قضية وطنه، وقضايا الشعوب المقهورة؟

أم أكتب عنه كقائد وطني تقدميّ وحدوي، وقائد حزبيّ فذّ كان هو المبادر بالسؤال عنّا إذا غبنا عنه؟

أم أنني أكتب عنه منطلقاً من كلّ تلك الصفات، وفي حضور بيت الشعر الشهير للشاعر الفارس أبي فراس الحمداني "سيذكرني قومي إذ جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر"؟

كانت المرة الأولى التي ألتقي بها بالرفيق سليمان النجاب في صيف العام 1994 عندما ذهبت بصحبة الرفيق محمود شقير، والذي كان يشغل آنذاك رئاسة تحرير أسبوعية (الطليعة) المقدسية، إلى مدينة أريحا للسلام عليه بعد عودته إلى البلاد، وبعد إبعاده عنها قسراً مدة تسعة عشر عاماً ونيّف. كان يُروى عن الرفيق (أبو فراس) أنّه يتمتع بذاكرة يُمكن وصفها بالخارقة، وما أن اقتربنا منه، حتى ناداني باسمي بنبرة التأكيد وليس السؤال، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تجمعنا. وأثناء جلوسنا في حضرته، توافد العديد من الرفاق للسلام عليه، فكان ينادي مجايليه بأسمائهم وكنيتهم، وأما الشبّاب فكان يُشبّه عليهم، ويسأل كل واحد منهم عن أبيه، أو شقيقه الأكبر منه سنّاً.

بعد عدة أيام، زارنا الرفيق (أبو فراس) في مقر جريدة (الطليعة) في حيّ الشيخ جراح في مدينة القدس، وسألني: من أين أنتَ؟ فأجبته، فقال: "كنت أظنّ أنك من غزة، فقلت له ممازحاً: "هذه مشكلتك يا رفيق، أنا من قرية عزلاء منسية، على رأي الشاعر محمود درويش، اسمها الناقورة في محافظة نابلس". صمت برهة وقال: "دير شرف، سبسطية.. دير شرف، الناقورة، سبسطية". ومن باب التأكيد على أنّه حدّد موقع قريتي، سألني عن الصديق الراحل المحامي صالح أبو عيدة، وهو ابن قريتي وجاري. وعطفاً على هذه الحكاية التقينا بعد فترة في اعتصام في منطقة (المسعودية) من أراضي قرية برقة المجاورة، وعرض عليّ أن أرافقه للسلام على صديق ورفيق في بلدة سبسطية عائد إلى البلاد، وهو د. نزار كايد Nezar Kayed، فقلت له: "هذا ابن صفّي في الأول ثانوي" وذهبت بصحبته. وأثناء جلوسنا، وجّه (أبو فراس) حديثه لأحد أقارب الرفيق نزار ممازحاً: "يقول سميح بأن أهل سبسطية يأخذون مياه الناقورة". طبعاً أنا لم أقل هذا الكلام، إلا أن النبع المشترك (نبع هارون) الذي يروي القريتين يقع في أراضي قريتي. أسرد هاتين الحكايتين للدلالة على أن هذا القائد يعرف تفاصيل تفاصيل الأمكنة والعلاقات بين ناسها، وهذه صفة من صفات القائد الحقيقي المجبول بتاريخ البلاد وأهلها.

بعد دخول اتفاقية أوسلو حيّز التنفيذ، هناك من اطمأن إلى فكرة أنّ ساعة زوال الاحتلال أصبحت "قاب قوسين أو أدنى"، وهناك من رأى أنّ الاتفاقية قد تُؤبِّد الاحتلال، لذا لا بدّ من العمل على تنظيم الجماهير في لجان محلية للدفاع عن الأراضي. وفي تلك السنوات عملنا مجموعة من الأصدقاء والرفاق على تشكيل هذه اللجان، وكان لي شرف العمل مع فريق كان الرفيق سليمان النجاب، والقائد الوطني عبد الجواد صالح (أطال الله في عمره) مكونين أساسيين فيه. لقد تعلمت منهما ونحن نجوب أراضي الضفة الغربية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، أهمية أن يكون مَن اختار طريق العمل العام بين الناس، يحاكيهم بلغتهم، ويجلس على الأرض في مضارب البدو، ويشرب القهوة العربية من دِلالهم، أو على حجر، أو تحت زيتونة في الشمال، أو تحت سقف بيت من الصفيح في الجنوب، ويتلمس معاناتهم ومشاكلهم.

في آذار (مارس) 1999، تم توقيفي والرفيق المحامي شوقي العيسة Shawqi Issa في مركز شرطة رام الله بأمر من مدير عام الشرطة الفلسطينية آنذاك، اللواء غازي الجبالي، على خلفية مقال نشره الرفيق شوقي في مجلة (حقوق الناس) التي كانت تصدر عن جمعية (القانون) انتقد فيه مدير عام الشرطة، وكنت رئيس تحرير المجلة المذكورة. تدخل الرفيق سليمان النجاب لإطلاق سراحنا، وفي اليوم التالي تلقيت اتصالاً هاتفياً منه يشدُّ فيه على أيادينا في انتقاد المظاهر السلبية في السلطة الفلسطينية، وكان آنذاك يشغل منصب عضو (ل.ت) في (م.ت.ف).

كان الرفيق سليمان النجاب محبّا للشعر والشعراء، وكانت تربطه علاقة مميزة بالشاعر الراحل محمود درويش الذي كان يزوره في قرية جيبيا مسقط رأسه، ورثاه بقصيدة (رجل وخِشْفٌ في الحديقة). قبل سفره للعلاج خارج البلاد بأسابيع قليلة تلقيت اتصالاً من الرفيق (أبو فراس)، وإذا به يُحدّثني عن قصيدة كنت نشرتها بعنوان (كظلِّكَ أمشي وراءَك) في مجلة (دفاتر فلسطينية) التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة، وكان يشرف على تحريرها الكاتب الكبير الرفيق محمود شقير محمود شقير، وقد أبدى إعجابه بها، وعلّق عليها.

هذه شذرات سريعة من علاقتي بهذا الرفيق، هذا القائد الوطني والأممي الصادق والمنتمي، المتسامح والعنيد، الإنسان قبل وبعد، وهناك آلاف الحكايات التي تُروى عنه، وجمعته برفاق وأصدقاء ومحبين، وبخصوم أيضاً، لو جُمِعِت لما اتسعت لها مجلدات ومجلدات، وهي تشكّل مدرسة في تعليم معاني ومفاهيم النضال الحقيقي والصادق. أما عن دوره الحزبي والتنظيمي، وحرصه على بناء حزب ثوري ذي ديمومة في النضال والبناء والتطور، فهناك عشرات الرفاق أكثر قدرة مني على سرده. وأما عن حاجتنا اليوم إليه، وإلى عشرات الرفاق ممن تشاركوا معه في العمل الحزبي، تساؤل قد لا تحتاج الإجابة عليه لعناء كبير...

لروحك، أيّها الرفيق المُحِبُّ والمحبوب، ألف تحية وألف سلام