2021-08-17

صفقة طالبان

| هاني عرفات

قبل سنوات عدة، شاهدت فيلماً سينمائياً عن حياة جورج بوش الابن، لفت انتباهي مقطع يصور إجتماعاً لمجلس الأمن القومي عقب هجمات أيلول ٢٠٠١م ، بحضور الرئيس بوش ونائبه تشيني وعدد آخر من المسؤولين.

كان لا بد من الرد السريع والقاسي بتقديرهم على هذه الهجمات، والرد سيبدأ حيث قيادة القاعدة التي أرسلت المهاجمين، أي أفغانستان، وعند وضع بنك الأهداف التي سوف يشملها القصف، توقف الحاضرون أمام معضلة، أنه لا يوجد شيء يستحق تبذير قنابل تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات لقصفه. ومن هنا جاءت فكرة غزو العراق لاحقاً على حد تعبير بعض منظري اليمين الأميركي، وهو أمر ما زال بحاجة لإعادة قراءة أيضاً، لاعتقادي بتبييت موضوع غزو العراق بغض النظر عما سلف.

لكن ما وددت الإشارة إليه أعلاه، أن أفغانستان بلد فقير ليس لديه بنية تحتية، أو حتى فوقية، يخوض حروباً دامية منذ نحو أربعين عاماً، أهميته في موقعه الجيوسياسي خلال الحرب الباردة، أكثر بكثير من أهميته حالياً، تحديداً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، التي تمتلك قواعد عسكرية في أغلب الدول المحاذية لأفغانستان، قادرة أن تخدم المصالح الاستراتيجية الاميركية ، في أي وقت تشاء، دون عناء ودون خسائر تذكر.

المحصلة أن الولايات المتحدة غرقت في مستنقع أفغانستان، ولم تتعلم من تجارب من سبقوها، بأن هذه البلد عصية على الاحتلال، لأسباب كثيرة، منها طبيعة المجتمع الأفغاني القبلي، والمذهبي والعرقي المتناحر أصلاً، المعتاد على حروب العصابات طويلة الأمد ، سيطرة أمراء الحرب وسطوتهم وتدفق الاموال اليهم من خلال تجارة المخدرات، والطبيعة المتدينة للشعب الأفغاني، هذا كله بالإضافة الى أن هذا الاحتلال لم يقدم شيء للمجتمع الأفغاني، سوى إنفاق مئات المليارات من الدولارات على تسليح وتدريب جيش ، تقوده حكومات فاسدة حتى النخاع، و تأتمر حرفياً بأمر المحتل، وغير قادرة على تجميع فسيفساء المجتمع الأفغاني حول هدف محدد.

بعض المعلومات تشير إلى أن حكومات الولايات المتحدة أنفقت ما بين واحد تريليون الى اثنين تريليون دولار في الحرب هناك خلال عشرين عاماً ، وبلغت الخسائر البشرية حوالي ٣٢٠٠ قتيل وما يقارب الثلاثين ألف جريح، في نفس الفترة.

في حين أن الخسائر البشرية في حرب العراق زادت بنسبة الثلث تقريباً وكذلك الإصابات. ألا يدفع ذلك للتساؤل ، لماذا استعجال الانسحاب من أفغانستان والتلكؤ في حالة العراق؟ هناك أسباب متعددة لكني سأذكر أهمها:

أولاً: حساب الإنفاق والخسارة، في حالة أفغانستان المبلغ المنفق في أقل تقدير تريليون دولار والعائد يكاد يكون صفراً، في حالة العراق ، الأنفاق كبير أيضاً يقدر ب ١.٧ تريليون دولار، ولكن في حالة العراق فإن المردود كان كبيراً أيضاً سواء من خلال الشركات الامنية، أو من إتفاقيات إعادة الإعمار التي حازت الولايات المتحدة على نصيب الاسد منها ، خصوصاً شركة هاليبيرتون الاميركية التي يمتلك ديك تشيني حصصاً فيها .

ثانياً: البديل بعد الانسحاب، في العراق من الصعب ضمان حليف، ينفذ الاجندة الاميركية فيها بعد الانسحاب، حتى الآن على الأقل، لعوامل متعددة، منها النفوذ الإيراني، درجة التمدن في المجتمع ، وجود أحزاب سياسية وأيضاً مليشيات على الأرض تدين بالولاء لإيران.

في الحالة الأفغانية، الوضع مختلف، القوة الرئيسية في أفغانستان هي طالبان، طالبان هذه خاضت مفاوضات مع الأميركان وتوصلوا إلى تفاهمات معينة في وقت سابق، هم يريدون السلطة بالطبع، وخروج التواجد الأجنبي المباشر.

لكن لا مانع لديهم، وهو ما ردده قادة الحركة أمس مراراً وتكراراً بأنهم لا يريدون التدخل في أمور الغير ولا يريدو للغير التدخل في أمورهم، كما أنهم سبق وتعهدوا بوقف نشاطات داعش على أراضيهم وعدم الدخول في محاور. بالمناسبة في الوقت الذ كانت قوات طالبان تدخل العاصمة كابول، كانت قياداتها في الدوحة على بعد كيلومترات قليلة من أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم في الدوحة. حارس الرئيس السابق أشرف غني، الذي ظهر على شاشة الجزيرة يتوسط قادة طالبان في القصر الجمهوري قال إنه كان قد وصل المطار لمغادرة البلاد، حينما أتاه إتصال من شخص يدعى منصور من الدوحة (لا أدري إن كان هذا مسؤول قطري أو طالباني ) طمأنه وطلب منه العودة لتسليم القصر لقادة طالبان.

قادة طالبان تعهدوا بالحفاظ على أرواح الجميع بما فيهم الأجانب، وشاهدنا زمن علي شاشات التلفاز مروحيات التحالف تنقل المغادرين ذهاباً وإياباً الى المطار مع وجود مقاتلي طالبان تحتها مباشرة في العاصمة ، دون ذكر حادثة واحدة لإطلاق نار سوى في المطار وقيل أن سببها تدافع الناس هناك للركوب في الطائرات العسكرية. هذه ليست سايغون، هذه صفقة مكتملة، الشيء الوحيد الذي خرج عن الحسبان، هو إستعجال طالبان لدخول كابول، لسبب لا نعرفه الآن ولكن الأيام القادمة ستجيب عليه.

الآن، هل هذا هو الخيار المفضل للحكومة الاميركية؟ قطعاً لا. لكن السياسة الاميركية الخارجية، براغماتية لابعد الحدود، فإذا ما توفرت لها الضمانات بالحفاظ على مصالحها، دون نقطة دم أو دولار واحد فإنها قطعاً ستختار الخيار الثاني.

بدون أدنى شك أن الخروج من أفغانستان هو هزيمة لكل منطق الاحتلال، وهو درس لا يجب أن ينسى، ولكنه ليس نصراً للشعب الأفغاني بأي حال من الأحوال، وما يجري هو استكمال الهيمنة والاحتلال لكن بطرق أخرى، حركة طالبان ستدفع الشعب الأفغاني نحو مزيد من التخلف والفقر بدون شك، تاريخ هذه الحركة يشهد عليها.

يجب أن نميز بدقة بين القوى التحررية التي هدفها تحرير الأرض والإنسان وبين قوى تريد استبدال ظلم بظلم آخر، وهذا هو بيت القصيد.