2021-08-18

هل تم ترويض طالبان في الدفيئة الأمريكية دولة قطر

| برهوم جرايسي

السرعة القصوى التي سيطرت فيها حركة طالبان على كل الأراضي الأفغانية، باستثناء ولاية واحدة حتى الآن، دون أي مقاومة، لا من الجيش الأفغاني، إذا أصلا بقي موجودا، ولا من جيوش الاحتلال، تثير الكثير من التساؤلات، التي لن تحتاج وقتا كبيرا حتى تظهر الأجوبة عليها. فها هو الرئيسي الطالباني المقبل، سيعود الى بلاده قادما من دولة قطر، التي حاور فيها الأمريكان على مدى 3 سنوات، في حين تعلن الدُمية الأمريكية، حامد كرزاي، أول رئيس أفغاني تحت الاحتلال الأمريكي، عن مفاوضات متقدمة "لإرساء السلام" في أفغانستان. 

أمريكا تحرق في الأرض الأفغانية منذ العام 1978، حينما زرعت قوات تمرّد على الحكومة الاشتراكية، التي طلبت الدعم السوفييتي، لمواجهة التدخلات الأمريكية العسكرية، من خلال أذرعها. واعترف العديد من المسؤولين الأمريكان، ومن بينهم هيلاري كلينتون وغيرها، أن من زرع ودعم وسلّح التنظيمات الأصولية الظلامية في أفغانستان، هي أمريكا وشريكاتها في المنطقة والعالم.

وبعد الإطاحة بالحكومة الاشتراكية، مع بدء تفكك الاتحاد السوفييتي، كما يبدو فإن التنظيمات التي تولت الحكم الافغاني في مطلع سنوات التسعين، لم تكن قادرة على السيطرة كليا، فباتت أفغانستان دفيئة لتنظيمات اشد ظلامية وارهابا، على شاكلة تنظيم القاعدة، ومعها تبلورت حركة طالبان، وجاءت تفجيرات 11 أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن، لتكون ذريعة لحرق أفغانستان بجيوش عالمية تقودها الولايات المتحدة، التي ارست احتلالا دام 20 عاما.

لا يوجد احتلال جيد، فالاحتلال هو احتلال، وأمريكا زرعت دمى على شكل رؤساء دولة وحكومات، ولكنها هي الحاكمة فعلا على الأرض الأفغانية، ومعها جيوش مساندة من عدة دول أوروبية وغيرها.

وطوال هذه الفترة لم تختف حركة طالبان، التي تهاوى حكمها في غضون أيام قليلة في الغزو الأمريكي في العام 2001، بل بقيت لها معاقل، وتنشط فرقها المسلحة، وتصطدم بجيش الاحتلال الأمريكي، وجيوش الاحتلال الأخرى، وأيضا الأجهزة العسكرية الحكومية الأفغانية.

أكثر من إعفاء الأفغانيات من ارتداء البرقع، والسماح لهن بالتعلم والعمل، واعفاء الرجال من الزامهم بإطلاق اللحى، لم تخرج افغانستان الى مسارات التطور والتقدم، لأنها تحت سطوة الاحتلال؛ ومثلها العراق، تلك الدولة النفطية الغنية، حتى قبل عقدين، فهي أيضا تعاني حريق الاحتلال الأمريكي وداعميه، والمنسقين معه.

مع وصول إدارة دونالد ترامب الى البيت الأبيض، كما يبدو بدأت تحركات في الشرق الأوسط، لتخليص الولايات المتحدة من العبء العسكري في الشرقين الأوسط والاقصى، مع ضمان المصالح الأمريكية.

وفي الشأن الأفغاني، ظهرت الأمور على السطح وبوضوح في العام 2018، حينما بدأت مفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في دولة قطر.

ولغرض نجاح هذه المفاوضات، فقد طلبت واشنطن من باكستان إطلاق سراح أحد أبرز زعماء طالبان من السجن، وهو عبد الغني برادر، الذي خرج من السجن الباكستاني مباشرة الى قطر، التي بقي فيها يفاوض ومقيم، حتى هذه الأيام، والآن يجري الحديث عن أنه هو من سيكون الرئيس الأفغاني؛ ومن فوقه، الزعيم الديني للحركة، الذي يقال إنه يدعى هبة الله أخوندزادا.

واستمرت المفاوضات بين الجانبين مدة عامين، رغم وجود نظام زرعه الاحتلال الأمريكي، ولكنه لم يأبه به. وجرى التوقيع على اتفاقية بين طالبان وواشنطن، يوم 29 شباط العام الماضي 2020. وكانت الاتفاقية تحت عنوان: إتفاقية من أجل تحقيق السلام في أفغانستان بين إمارة أفغانستان الاسلامية والولايات المتحدة الأمريكية". واستعرض بنودها العديدة الدكتور صالح أبو النار، في مقال له، وأعاد نشره في الأيام الأخيرة.

ويستدل من الاتفاق أن أمريكا أرادت أولا ضمان مصالحها في المنطقة، وأن لا يكون نظام طالبان عائقا أمامها، إضافة الى تعهد طالبان بعدم السماح للتنظيمات الإرهابية على شاكلة "القاعدة و"داعش" ومشتقاتها، بالعمل على الأرض الأفغانية، أو أن تتلقى دعما من نظام طالبان.

 

وكان هذا الجانب من اول التصريحات التي صدرت عن مسؤولين في طالبان، بعد ساعات من دخولهم القطر الرئاسي في كابول.

ومجريات الأحداث المتسارعة الأخيرة في أفغانستان، وهذا الهدوء الكبير في الحلبة الدولية، وفي واشنطن، وربيباتها في الشرق الأوسط، وأولها إسرائيل والسعودية، يثير الكثير من الأسئلة، لأنه من المفترض أن عودة طالبان للحكم بقوة السلاح، وارتباطا بتاريخ الحركة، أن يكون هذا مصدر قلق للعديد من دول المنطقة على وجه الخصوص. وبالامكان حتى الآن، القول إن ما ورد من تصريحات مهدئة من طالبان، ترد على تلك الأسئلة، والتزام طالبان بالاتفاقية.

القرقعة القائمة في واشنطن، وتبادل الاتهامات بين فريق دونالد ترامب، وفريق جو بادين، ليست أكثر من تقاسم أدوار، لخدمة المصالح الأمريكية الاستراتيجية العليا. فبايدن جاء وأكمل المهمة التي بدأ بتطبيقها ترامب، وكلاهما يخضعان لتقييمات المؤسسات العسكرية والاقتصادية الأمريكية العليا، مع حيز مناورة هامشي لكل رئيس. 

هذه التساؤلات حول طبيعة حكم طالبان المقبل، تعززها عدة تصريحات صادرة عن قيادات في حركة طالبان، وأخرى من معارضيها. فطالبان أعلنت في ذات اليوم الذي دخلت فيه القصر الرئاسي في كابل، أنها أمرت قواتها بعدم التعرض للناس المدنيين، وترك الناس في شؤونها، ولا نعلم الى أي مدى هذا سيكون على أرض الواقع.

وفي ذات اليوم، أعلن الناطق بلسان طالبان، أنه لن يتم تدمير آثار بوذية في أفغانستان، كما جرى في سنوات التسعين، حينما تم تدمير تمثال ضخم، ولربما الأضخم في العالم لشخص بوذا، الذي كان يُعد من الآثار العالمية البارزة، فعمرة آلاف السنين، وهذه ليست فقط تصريحات بل مؤشر لما سيكون، ومحاولة لطمأنة العالم.

ومساء الاثنين، أي في اليوم التالي لاستكمال سيطرة طالبان، أعلن الرئيس الأفغاني الأسبق، الدُمية الأمريكية، حامد كرزاي أنه أجرى مفاوضات "مثمرة" مع قادة حركة "طالبان". ونقلت قناة "سي إن إن" الأمريكية عن كرزاي قوله: "نحن على اتصال مع قيادة حركة "طالبان"، وأجرينا مفاوضات مثمرة وبحثنا قضايا هامة ولدينا تعاون جيد مستمر".

وأضاف أن هناك جهودا لا تزال مستمرة لإعادة الحياة إلى المجرى الطبيعي، تبذل مع رئيس المجلس الأعلى للمصالحة عبد الله عبد الله، وزعيم الحزب الإسلامي الأفغاني قلب الدين حكمتيار.

وكان كرزاي وعبد الله وحكمتيار قد أعلنا أنهما يجريان مفاوضات مع "طالبان" بشأن السلام والحفاظ على الاستقرار.

ولكن التقارير الصحفية الواردة من مصادر متعددة، وذات اتجاهات إعلامية متعددة، تشير الى أن طالبان عادت لممارس القمع في الشارع الأفغاني، إن كان في العاصمة كابل، وفي عدة ولايات أخرى. ولكن لن يقلق واشنطن، ولا حلفاءها، حجم معاناة الشعب الأفغاني، الذي الملايين منه يعيشون في دول اللجوء، بحثا عن حياة أفضل. وواشنطن ليست عنوان مصالح الشعوب الأساسية، بل هي العدو الأكبر لمصالح الشعوب والبشرية بأسرها.

ما يقلق واشنطن أساسا، هو أن يكون نظام لا يشكل خطرا على مصالحها في أي منطقة في العالم؛ وفي ذات الوقت، تسعى لتكون هذه الأنظمة خادمة لها. وفي الفترة المقبلة، سنعرف إلى أي مدى تم ترويض حركة طالبان، التي سيكون عليها ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن لا تكون مصدر ازعاج لها، مقابل أن تفعل ما تشاء في أفغانستان التي إن تخلصت من احتلال دموي شرس، عادت لتقع تحت سطوة ظلامية خطيرة، ويبقى الشعب الأفغاني هو الضحية الأساس.

أثبتت المجريات السياسية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، على وجه الخصوص، أن دولة قطر باتت غرفة العمليات للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، وفيها أكبر قاعدة أمريكية خارج الولايات المتحدة. وهي مكان إقامة، مؤقت أو دائم، لمن تم استقدامهم الى قطر، لغرض محاورة واشنطن، من وراء الكواليس أو امامها. وتشكل قطر قاعدة انطلاق الحروب الأمريكية على العراق وأفغانستان وسورية وغيرها.

والافغاني عبد الغني برادر، لم يكن وحده من أفغانستان، مقيما في قطر، وفي حال صدقت التوقعات بتوليه الرئاسة الأفغانية، فستكون أوضح طبيعة النظام الطالباني المقبل. ولاحقا سيتكشف أكثر دور قطر، بصفتها الذراع الأمريكي للتواصل مع الحركات الأصولية، والعمل على ضمان ما تطلبه أمريكا، بشكل غير مباشر.

استعجال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، لتهنئة عبد الغني برادر رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان، بـ "اندحار الاحتلال الأمريكي" عن أفغانستان، قد يكون هو أيضا مؤشر لمفعول الدفيئة القطرية، التي يلجأ لها هنية كثيرا.