2021-08-27

أسباب انتشار كورونا ثانية وما المطلوب فلسطينيا

| ناصيف معلم

ان المتتبع للأخبار المحلية والإقليمية والعالمية يلاحظ حجم الانتشار الهائل لوباء كورونا العادية والأخرى المتحورة خاصة "دلتا الهندية"، ويعود السبب الرئيسي لهذا الانتشار تراجع اهتمام الحكومات والمواطنين معا في مخاطر الوباء، حيث السفر المبالغ به وغير المبرر، وتراجع الإجراءات الوقائية من الحياة اليومية على المستويين الحكومي والشعبي الى حدها الأدنى والتي أصبحت معدومة في كثير من الدول.

ونحن كمواطنين فلسطينيين ضحايا لهذا الانتشار الهائل جراء السفر خارج الوطن عامة والاستجمام في تركيا بشكل خاص. طبيعي جدا ان هذا الكلام لا يعجب البعض في أصحاب القرار السياسي وفرسان الاستجمام الذين كانوا على علم مسبق بانتشار الوباء في تركيا، الا انهم انجروا وراء الدعاية التركية لقضاء الاجازة الصيفية في المنتجعات التركية التي نفتقد لها هنا في فلسطين،  يضاف الى ذلك اننا اسقطنا الإجراءات الوقائية، وغيبنا الرقابة الحكومية على هذه الإجراءات، فمن النادر اليوم ان تجد سوبرماركت او صيدلية او مخبزا او مصنعا او مؤسسة فلسطينية تلتزم باي من الإجراءات التي التزمنا بها في النصف الثاني من العام الماضي.

ان الانتشار المتزايد في الإصابات وعدد الموتى الذي وصل اليوم الى اكثر من 1400 حالة و8 حالات وفاة، هذا قد يضعنا امام كارثة إنسانية غير مسبوقة، وهذا الانتشار الهائل يشكل تحديا لقطاعنا الصحي الضعيف من الأصل، وبالتالي سيهدد امننا الإنساني والأخر الاجتماعي وأخيرا الاقتصادي والسياسي.

فانعدام الامن الإنساني الذي يعني "تحرر البشر من الخوف" يجعل الانسان مترددا وغير منتجا، وكذلك شعور الانسان بغياب الامن على حياته وحياة ابنائه وممتلكاته ومستقبله تفقده العنصر الأهم في حقوقه، فالأمن الإنساني هو في المقدمة ويسبق التمتع بالحقوق والحريات السياسية والاجتماعية وغيرها.

السؤال: لماذا هذا الفيضان للسفر خارج الوطن؟ لماذا نتصرف كالنعامة، الكل منا يعرف ان هناك مشكلة تتمثل بانتشار الوباء في تركيا، ان عدم اعترافنا بالمشكلة سيجلب لنا الكوارث لان اول خطوة في حل المشكلة هو الاعتراف بها. اما ان تعرف ان هناك مشكلة وتتصرف بانه لا يوجد مشكلة، فهذا اعتداء على حق اغلبية المواطنين خاصة ممن يعترفون بالمشكلة وما زالوا ملتزمون بإجراءات الوقاية.

ان سفركم واستجمامكم في فنادق وشوارع ومنتجعات تركيا وغيرها من الدول جعلكم أدوات ناقلة لاستيراد فصائل كورونا عامة وفصيلة دلتا بشكل خاص، وبالتالي نقلتموها وستنقلوها لنا ولأبنائنا ولعائلاتكم واصدقائكم. انكم تعتدون علينا بشكل سافر دون أي ذنب ارتكبناه نحن الاغلبية ممن قيدنا حركتنا خاصة داخل الحي او داخل البلدة.

انتم مسؤولون عن الكارثة كما ان أصحاب القرار السياسي في الوطن مسؤولون قبلكم لانهم رخوا الحبال، واجازوا  حرية السفر، وهم يعلمون بان وجهتم موبوءة مسبقا.

قد يقول لي احد القراء "تراجعت كورونا الى حدودها الدنيا ودول العالم فتحت حدودها وسمحت بحركة شعوبها"، نعم هذا صحيح، انت تتحدث عن دول، ونحن لسنا بدولة، انت تتحدث عن دول ليس لديها قضية كالقضية الفلسطينية المصابة بوباء الاحتلال قبل ان تصاب بكورونا كوفيد 19.

ولاننا أصحاب قضية، ولان امكانياتنا الصحية ضعيفة وغير قادرة للعمل في الظروف الطبيعية كان علينا ان نضع سياسات امنية صحية تختلف عن السياسات الأمنية والصحية الصينية والفرنسية والألمانية وغيرها لأننا لا نملك 1% مما يملكون.

قد يقول لي قاريء اخر "ان الحكومة الفلسطينية تضع سياساتها الصحية استنادا الى قرارات وتوجيهات منظمة الصحة العالمية". نعم، هذا صحيح، لكن منظمة الصحة العالمية تضع توجيهاتها وارشاداتها للدول القائمة على الأرض ذات الإمكانيات الصحية التي تتجاوب مع نداءات المنظمة، وليس للدول القائمة في الهواء، وسياسيينا يعرفون واقع وحقيقة قطاعنا الصحي الذي اوشك على الانهيار بداية هذا العام.

اصبح الان من يضع الكمامة على وجهه غريبا ووحيدا في هذا الوطن، واصبح المواطن الذي يسأل عن المعقم عند دخوله لمؤسسة او لصيدلية او لمخبزا اصبح معتوها او غريبا او جبانا.

السؤال: لماذا تراجعت رقابة السلطة الفلسطينية على الإجراءات الوقائية في الأماكن العامة؟ لماذا سمحت بسفر عشرات الالاف للاستجمام وليس للدراسة وللعمل؟ وعلى المستوى الشعبي لماذا لا اسقطنا الإجراءات الوقائية ونحن على علم بانتشار الوباء؟ ولماذا الحركة العمرانية في فلسطين تضاعفت بشكل دراماتيكي، الا ان قطاعنا الصحي تطور وتحدث بشكل بسيط مقارنة مع القطاع الخاص؟ ومثال ذلك، ومن خلال ما شاهدته من بيتي للعمل في بيتونيا منذ بداية العام، فقد تم بناء 14 عمارة، و22 محل تجاري، وجامع، وكنيسة للروم الارثوذوكس، و ثلاث مطاعم، وحسبة، وتوسيع اكبر مستودع بضائع في الضفة، وفيلا، ومؤخرا المباشرة بحفر اساسات لثلاث بيوت، ومعرض سيارات. كل ما سبق فقط في الطريق الذي اسلكه يوميا، وهنا اتحدث عن مسافة اقل من 6 كيلومتر، الا انني لم اشاهد بناء حجرا واحدا لبناء صحي جديد في مسار عملي اليومي!!

اعتقد ان الدول النامية وانصاف والدول الامبريالية لم تغير في سياساتها الأمنية استجابة للظروف الصحية الموضوعية التي اوجدها فيروس كورونا، فظلت هذه الدول تزيد من ترسانتها العسكرية على حساب ترسانتها الصحية. وزاد اهتمامها بتسليح قوى الامن لقمع المعارضة وليس تسليح الأطباء لوأد الوباء.

اذا كان الأغلبية من محيطنا العربي متخلف وسياساته تنصب فقط في حماية دكتاتورياته، واذا كانت دولة الاحتلال الدينية الرجعية تصب جل اهتماماتها بالأمن السياسي، فلماذا نحن نسير على خطاهم؟؟!! الدول الرجعية العربية اذا لم تفعل كذلك ستسقط في غضون أيام، ودولة الاحتلال الصهيوني تعي بان فكرة وجودها هي قرصنة دولة أخرى، والحرامي لا يفكر الا بالحفاظ على الغنيمة. مرة أخرى لماذا نحن؟

نحن نختلف، وعلينا ان نختلف، ويجب ان نختلف لأننا أصحاب قضية، وهم جميعهم ليسوا كذلك. ومعارضتنا ليست كمعارضتهم خاصة الحركة الحقوقية في الضفة الغربية التي تطالب بمحاكمة عادلة لقضية نزار بنات، وتطالب بعقد الانتخابات ولا تريد أي انقلابات.

أخيرا، هناك هرج ومرج، تصريح هنا واخر هناك عن حزمة من الإجراءات الوقائية القادمة، وهناك تصريحات بعدم إقرار أي إجراءات. نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بالحد الأدنى من المسؤولية من قبل الطرفان الحكومي والشعبي المتمثلة بحماية انفسنا ووطننا لا سيما وانه ليس لنا سوى هذا الوطن. وليكن شعارنا معا "نعم للأرواح ولا للأرباح"، ولنتخذ حزمة من الاجراءات الوقائية ومحاسبة من لا يلتزم من المواطنين ومن اصحاب القطاع الخاص والاهلي ايضا.