2021-11-25

العلاقة العضوية التي يتجاهلها القائمون على القضية الفلسطينية

| سعيد مضيه

غالبا ما تفشي خيبة أمل ردود الأفعال تجاه إعلانات الدعم والمؤازرة من جانب دول الغرب الامبريالية لإسرائيل. إتهام وزيرة داخلية بريطانيا حماس بالإرهاب قوبل بالذهول وبزعيق انفعالي من قبل جميع الفصائل الفلسطينية تخللته تصريحات اختزلت الموقف البريطاني في مجرد الانحياز لإسرائيل!! كما لو ان القرار البريطاني انحراف جديد وليس منسجما مع وعد بلفور وتداعياته.

موافقة دول الامبريالية الحليفة على انتداب بريطانيا على فلسطين لغرض تنفيذ الوعد برعاية تشكل المجتمع اليهودي على حساب "غير اليهود"، ثم تنفيذ المهمة بحذافيرها. التمعن في مواقف الغرب الامبريالي يجب أن يخلص الى نتيجة هامة؛ فهذه المجموعة لن تضغط على إسرائيل، حتى لو تهيأت لها ظروف ترحل الشعب الفلسطيني خارج دياره.

لم تستوعب الفصائل الفلسطينية المنطويات الخطيرة لتصريح الداخلية البريطانية، وذلك في تزامنه مع تحدي إسرائيل لدعوات وقف البناء الاستيطاني والموافقة على بناء آلاف الشقق الاستيطانية على اراضي الفلسطينيين بالضفة، وكذلك مع دمغ حكومة إسرائيل بالإرهاب عددا من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية. والاستنتاج الذي توجب الخروج به أن بريطانيا تدعم المشروع الصهيوني لتحويل فلسطين دولة لليهود، المتضمن حرمان شعب فلسطين من حق تقرير المصير فوق أرض وطنهم عملا بمبادئ قانون قومية دولة إسرائيل؛ ولو ترافق ذلك مع اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.

انحياز الحكومات البريطانية لإسرائيل ظاهرة لازمت السياسات الامبريالية حتى قبل صدور وعد بلفور. كان الوعد احد مستلزمات السيطرة الامبريالية البريطانية على الشرق الأوسط، والانحياز لإسرائيل إحدى مسلمات السياسة الامبريالية. بدلا من استيعاب الحقيقة لم تكف القيادات الفلسطينية عبر القرن الفائت عن المراهنة على ضغوط من جانب دول امبريالية على إسرائيل تحملها على تقديم تنازلات.

قرار الداخلية البريطانية يتعارض مع تصويت أعضاء المؤتمر السنوي لحزب العمال البريطاني بأغلبية كبيرة في مؤتمره السنوي في مدينة "برايتون" على اعتبار إسرائيل دولة فصل عنصري ومطالبة الحكومة البريطانية بفرض عقوبات اقتصادية عليها، كما أيد الأعضاء أن نشاط اسرائيل يعتبر جزءا من جريمة الفصل العنصري "الأبارتايد"، ودعا قرار التصويت نقابات العمال في أوروبا وكافة أنحاء العالم للانضمام بالحملة الدولية لوقف ضم الأراضي الفلسطينية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي تتبعه قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.

غير أن رئيس حزب العمال، كير ستارمر، الذي فاز بالمنصب إثر نجاح المؤامرة ضد جيريمي كوربين، تنكر لقرار مؤتمر حزبه، وواصل التصريح بأن انتقاد إسرائيل ممارسة لاسامية.

إسرائيل لا تكتفي بقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية ؛ بل تعمد الى تدمير المجتمع الفلسطيني اقتصاديا واجتماعيا. فهي تصادر أجود المناطق الزراعية وتسلط المستوطنين يدمرون الأشجار والمزارع ويخربون المركبات ويمنعون المزارعين من الوصول الى اراضيهم؛ لا سقوف تحد من غلواء المستوطنين وتعسفهم ضد المواطنين بشتى السبل؛ ففي كل صباح يطلعون باعتداءات جديدة. هذا علاوة على جهود الاحتلال المنظمة والمتواترة لسرقة الأراضي والاعتقالات بالجملة والقتل العشوائي والإخضاع الاقتصادي وتوحيش الهيئات الفلسطينية. يجري إخضاع شعب فلسطين لعملية تشظي، ليس جغرافيا– داخل تجمعات سكنية متناثرة، كل منها محاط بالمستوطنات –إنما التشظي يتعمق في البنية الاجتماعية السياسية.

القرار البريطاني الجائر يفشي التأييد لكل هذه الممارسات، الأمر الذي لا يحتاج الى حصافة سياسية؛ فما يقرن الصهيونية وإسرائيل مع الامبريالية البريطانية علاقة عضوية تجلت مؤخرا في التآمر المشترك للخلاص من قيادة جيريمي كوربين لحزب العمال البريطاني. ففي الانتخابات قبل الأخيرة نقص حزب العمال بضعة آلاف من الأصوات لكي يحوز الأغلبية البرلمانية ويتسلم كوربين رئاسة الحكومة البريطانية. لو حدث ذلك لأعلن كوربين اعتراف الحكومة البريطانية رسميا بدولة فلسطين ولعارض عمليا ممارسات الاستيطان والمستوطنين؛ هذا الى جانب الحد من تجاوزات الرأسمال الاحتكاري البريطاني يسارية كوربين لم تبلغ حد تأميم البنوك والصناعات.

قوبل انتخاب كوربين لزعامة حزب العمال بحملات مضادة شملت حزب المحافظين والمنابر الإعلامية كافة وشرائح من النواب العماليين وهيئات قيادية من مخلفات بلير. وبعد الانتخابات التي اظهرت تقدما مرعبا لحزب العمال اشتدت الحملات للتخلص من كوربين؛ تطوع اللوبي الإسرائيلي ببريطانيا للمساهمة بدور أساس. استند الى وثيقة صدرت عام 2016 عن ما يسمى الائتلاف الدولي لذكرى الهولوكوست، اقترحت تعريفا للاسامية يرادف انتقاد إسرائيل والتضامن مع شعب فلسطين. أقرت 18 دولة بالتعريف المقترح للاسامية. وكان قد صدر في إبريل الماضي بيان القدس عن مائتي شخصية مثقفة يهود تضمن رفض التعريف المشار إليه وبرأ منتقدي سياسات إسرائيل من تهمة اللاسامية.

بدأت حملة اتهام كوربين واليسار العمالي باللاسامية، بالاستناد الى موقف الائتلاف الدولي لذكرى الهولوكوست، وقادت الحملة صحيفة جيويش كرونيكل وبرلمانيون يهود يتبعون حزب العمال والهيئة الإدارية لحزب العمال، التي شكلها بلير وأبقى كوربين عليها. بلغت الحملة العلنية لإسقاط كوربين قبيل وأثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتركزت الخطة على إفشال حزب العمال في الانتخابات، وهذا ما تحقق؛ إذ وجد كوربين نفسه مضطرا للتخلي عن موقعه الحزبي ليحتله المدعي العام السابق، كير ستارمر، نصير الصهيونية ، الذي وافق مسبقا على تعريف ائتلاف ذكرى الهولوكوست للاسامية، حتى بعد قرار مؤتمر حزبه قبل أشهر.

العلاقة العضوية مع الإمبريالية الأميركية قائمة أيضا وبموجبها تحظى إسرائيل بالدعم الأميركي متعدد الجوانب. الليبراليون الجدد تبنوا المشروع الصهيوني بفلسطين، من خلال نفوذ الصهيونية المسيحية (المسيحية الأصولية). تتركز حقيقة العلاقة في اللتزام بمصال التجمع الصناعي – العسكري الأمني. والعامل المشترك في هذه العلاقة خضوع السياسة الأميركية لمصالح الاحتكارات ، وعلى رأسها احتكارات التجمع الصناعي – العسكري – الأمني. "العلاقة جوهرية بين الحكومة ومقاولي الأسلحة"، أورد هذه الحقيقة مارك موهيتش في 18نوفمبر الحالي "؛ وأضاف أن "وزير الدفاع الحالي، الجنرال لويد اوستن، شغل منصب عضو مجلس إدارة احتكار رايثيون تيكنولوجيز، وتلقى بالمقابل مكافآت بلغت المليوني دولار. وعمل مع وزير الخارجية، بلينكين ، مستشارين لدى باين آيلاند كابيتال بارتنرز التي تلعب دورا في سوق السلاح الأميركي.

إضافة للمناصب فإن نفوذا ضخما على الكونغرس وبالإدارة الأميركية. لشركات صناعة الأسلحة، لوكهيد مارتن ، بوينغ، جنرال ديناميكس ورياثيون تيكنولوجيز؛ يقول موهيتش، "دعمت احتكارات السلاح حملة انتخابات 2020 مع شركات اخرى بمبالغ وصلت 47 مليون دولار. ونفوذها أعظم على جماعات الضغط – اللوبي- حيث بلغت نفقات 87 مليون دولار عام 2021".

يسخو الكونغرس والإدارة في زيادة تكاليف التسلح، غير آبهين بانتفاخ الدين الوطني، الذي تشارف خدمته السنوية على التريليون دولار، أو 59 بالمائة من الإنفاق الحكومي المتوفر، اكد موهيتش.

أما بصدد الإنفاق غير العسكري فالولايات المتحدة تتخلف عن غيرها وتشغل المرتبة الثامنة والعشرون، حسب مؤشر التقدم الاجتماعي.

الولايات المتحدة متواطئة مع مسعى الاقتلاع الإسرائيلي تموه تواطؤها بتصريحات عقيمة التأثير على نهج إسرائيل؛ فهي لا تفرض على إسرائيل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني ومبادئ معاهدة جنيف بصدد سلامة المدنيين أثناء الحرب وعدم جواز إدخال تعديلات ديمغرافية بالمناطق المحتلة. حقيقة الموقف الأميركي تتجلى أثناء التصويت على القرارات المتعلقة بفلسطين بالجمعية العمومية للأمم المتحدة او في مجلس حقوق الإنسان. إسرائيل دولة وظيفية قامت بوظيفتها خير قيام وهي تنفذ من خلال العلاقات مع دول التطبيع العربية ، حيث تنشب المخالب والأنياب في مختلف جوانب الحياة بدول الخليج والسودان والمغرب تحت ستار التطبيع. تبدو إسرائيل واعدة لشغل مركز الدولة الإقليمية الوكيلة للهيمنة الامبريالية بالمنطقة.

وإسرائيل، إذ ترفض السلام وتقيم التحالفات مع دول المنطقة ولا تكف عن استعداء إيران، إنما تحيل المنطقة سوقا دائمة لمنتجات التجمع الصناعي- العسكري – الأمني بالولايات المتحدة .

ولعل الكاتب إِيمانويل غارشيا قد استرعى انتباهه علاقة أخرى تربط إسرائيل بالولايات المتحدة، فكتب في 14 أيار الماضي: " 'الطبقة السياسية’ في أميركا تدير دولة تفوق العرق الأبيض، وبالنسبة لهم فإن كل تهديد يوجه لتفوق البيض في أي مكان يشمل مجتمعات البيض كافة. ومن ثم نجد هذا التساهل حيال التطهير العرقي الذي يمارسه الصهاينة بفلسطين. ما من عاقل ونزيه على اطلاع بالقضية يستطيع وصف إسرائيل بأقل من دولة ابارتهايد. دولة أبارتهايد تحظى في عدوانها العنصري بدعم حكومة الولايات المتحدة وحمايتها واموال ضرائبكم.."

الدبلوماسية المتعاونة مع إسرائيل تمنى بالعزلة الدولية؛ فهي لا تفيد إسرائيل وتلطخ سمعة أنصارها على الصعيد الدولي، تتكاثر باضطراد اعداد المثقفين ذوي النفوذ المعنوي وهيئات حقوق الإنسان المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني والمنددة بممارسات إسرائيل . الكاتب الأميركي، جيم كافاناه، كتب في 21 أيار الماضي: "اسرائيل دولة كولنيالية استيطانية. إسرائيل مشروع تفوق عرقي (يهودي)، إسرائيل مشروع أبارتهايد. ليس لنظام أبارتهايد "حق الدفاع عن النفس"، من مقاومة شعب يحاول النظام ابادته وطرده أو إرغامه على الخضوع. ومن حق أولئك الرازحين تحت نير نظام الأبارتهايد ... الكفاح من اجل التحرر من السيطرة الأجنبية والكولنيالية والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة. قارن الكاتب بين شعب فلسطين والشعب الأصلي بالولايات المتحدة، "مثلما يطلب من السكان الأصليين في أميركا اٌلإقرار بأن دولتهم للبيض فقط يتوجب على الفلسطينيين الإقرار بأن إسرائيل 'دولة لليهود’؛ ما يجري ليس نزاعا بين حماس وإسرائيل؛ إنه نزاع بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني بأسره.... انه نظام ابارتهايد صميم، يتفرع الى كولنيالية وتفوق عرقي –ديني وتطهير عرقي. إن فكرة تدعو شعبا لتسليم أرضه وبيوته كي يخضع لشعب آخر، هي فكرة لا تستحق الدفاع عنها".

وعبرت سارة روي عن استنكار إسرائيل، فتخاطب الرئيس بايدن:" لا اكتب كأكاديمية من المنطقة، بل كيهودية ويهودية نجا والداها من معسكر أوشفيتز، وأسألك: "في الأسبوع الفائت بعد مقتل87ىفلسطينيا في غزة وجرح حوالي الخمسمائة صرحت بأنك لم تر 'إسرافا بارزا’ من جانب الإسرائيليين في الرد على هجمات حماس الصاروخية. من بين الأموات في ذلك الحين 18 طفلا. لا أعرف أيا منهم، لكني أعرف أناسا قتلوهم . فهل تتفضل وتساعدني كيف أشرح لأصدقائي لماذا لا يشكل موت ثمانية عشر طفلا إفراطا في رد الفعل؟ وسؤال آخر يترتب عليه: السيد الرئيس كم من الأطفال يجب أن يموتوا حتى تعترف ان رد فعل إسرائيل مبالغ فيه ، سيما وانك جعلت من حقوق الإنسان مركز سياستك الخارجية؟ "

الكاتب الصهيوني سابقا، رفائيل مومين، عاش في إسرائيل ونزح عنها ليقيم في لوس أنجلوس ويعمل مدافعا عن حقوق الإنسان: "أن احتلال إسرائيل للضفة الغربية هو أبارتهايد/ فصل عنصري: نظامان قانونيان لجماعتين عرقيتين. فلو ارتكب يهودي وعربي نفس الجريمة في الضفة الغربية، فسيواجه اليهودي محكمة مدنية أما العربي فسيقف أمام محكمة عسكرية. إلا أن معظم الإسرائيليين لا يفهمون هذا على أنه ظلم ويقاومون مصطلح أبارتيد لأنهم يعتقدون بصدق أن التمييز مشروع وجزء من الدفاع عن النفس"..

ويكتب المحامي الدولي الأميركي ،جون وايتبيك، يوم 12 أيار الماضي " إسرائيل ليست دولة فقيرة؛ حسب آخر إحصاءات الأمم المتحدة فإن معدل الدخل السنوي في إسرائيل يبلغ 46 ألفا و376 دولارا بالمعدل للفرد الواحد، يضعها في المرتبة 19 متقدمة على ألمانيا (20 ) والمملكة المتحدة (24)، وفرنسا (26) والعربية السعودية (41). حقا فعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل يحرمها من مصداقية اتهام الآخرين، ممن لا تعجبها سياساتهم، بانتهاك حقوق الإنسان او القانون الدولي.... المستوطنون لا ينشطون لوحدهم؛ فأعمال التخريب والشغب التي يقومون بها تتم بتوجيه قيادة منسقة جيدا قوامها متطرفون صهاينة وجماعات يهودية متطرفة مثل حزب او تسما يهوديت وحركة لاهافا. اما شعارها "الموت للعرب" فتحظى بدعم السياسيين في إسرائيل مثل عضو الكنيست أيتمار غفير ونائب رئيس بلدية القدس آرييه كينغ. فهذان مع البوليس الإسرائيلي يمثلون الجبهة الإسرائيلية المتحدة الهادفة إجراء التطهير العرقي للفلسطينيين وضمان أغلبية يهودية بالقدس".

ثم يضيف: "وشريك آخر[ للمستوطنين ] في حملة التطهير العرقي هو القضاء الإسرائيلي، حيث وفر الغطاء القانوني لاستهداف السكان الفلسطينيين بمدينة القدس. تعود الى العام 1970 محاولات الاستحواذ على ممتلكات الفلسطينيين بإقرار قانون الأمور القانونية والإدارية، وسمح برفع دعاوى ضد فلسطينيين يقيمون بأملاك كانت سابقا لليهود قبل العام 1948. هذا ، بينما يحرم الفلسطينيون من حق استرجاع عقاراتهم المنهوبة داخل دولة إسرائيل. وفي شهر شباط الأخير كافأت المحكمة العليا في إسرائيل المستوطنين يمنحهم حقوق الاستيلاء على بيوت وعقارات بحي الشيخ جراح يملكها فلسطينيون".

الضمائر الحية ترفع صوتها بوجه سياسات التوحش وفاشية الليبرالية الجديدة. وقد فات الزمن لأن يفلت من العقاب اولئك الذين يعربدون ويدوسون على القوانين المحلية والدولية . وطبيعي ان يكون هزيلا، إن لم يكن معدوما، حيال موجات التضامن الدولي، تأثير بيان وزيرة داخلية بريطانيا.

لكن التضامن والإقٌرار بعدالة القضية يرتب علينا مسئولية النهوض للكفاح وانتزاع الحق المهضوم، المهدد بالتضييع. إسرائيل قد يؤرقها الموقف الدولي؛ لكن لا يردعها مجرد الاستنكار. تتراجع وتطوي مراسيها بوجه ضغوط جادة من الولايات المتحدة أو مقاومة شعبية فلسطينية متصاعدة أبدا تستقطب المزيد والمزيد من التعاطف الدولي المناهض للدول المناصرة لعدوان إسرائيل.