2021-11-29

ذكرى مرور مئة وسبعة أعوام على ميلاد القائد المناضل

فؤاد نصار

سيرته وفكره وتضحياته نبراس يضيء الطريق لمواصلة النضال حتى النصر

نعيم ناصر

صادف في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين ثاني) مرور مائة وسبعة أعوام، على ميلاد القائد الوطني والأممي الشيوعي الفلسطيني فؤاد نصار.  ففي التاريخ المذكور من عام 1914 ولد طيب الذكر في مدينة بلودان السورية، لأبوين فلسطينيين من الناصرة، يعملان في التعليم.  عاد مع والديه إلى الناصرة في سنة 1920، والتحق بالمدرسة وبعد اربع سنوات، غادرها ليعمل في صناعة الأحذية لمساعدة عائلته، بعد أن ساءت أحوالها المعاشية. وهكذا بدأت رحلة عمر هذا القائد، عامل أحذية، ما ساعده على تحسس معاناة العمال الفلسطينيين والعيش في خضمها. 

وعقب ثورة البراق في العام 1929، وإعدام سلطات الانتداب البريطاني للمناضلين: محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير في السابع عشر من شهر حزيران (يوليو) العام 1930، وقيام التظاهرات العارمة في عموم المدن الفلسطينية، احتجاجاً على عمليات الإعدام هذه، وتنديدا بالإستعمار البريطاني وحليفته الحركة الصهيونية، كان فؤاد نصار أحد المتظاهرين، واعتبرت تلك المشاركة أول عمل وطني يقوم به وهو في الخامسة عشر من عمره.  وقد شكلت تلك المرحلة نقطة انطلاقة بإتجاه انضمامه إلى معمعان النضال الوطني من أجل طرد المستعمرين البريطانيين واستقلال فلسطين.

وفي العام 1936 التحق فؤاد نصار بثورة العام 1936، واعتقل بتهمة تشكيل منظمة سرية معادية للإنتداب البريطاني، ولقيامه بأنشطة شيوعية، على الرغم من أنه لم يكن حتى ذلك التاريخ يعرف شيئاً عن الشيوعية والشيوعيين.

ورغم الحكم عليه بسنة سجن، ولسنة إبعاد الى مدينة الخليل، فقد أطلق سراحه مع بقية المعتقلين، بعد مرور ستة أشهر على اعتقاله، ومن ثمّ فرضت عليه الإقامة الإجبارية في مدينة الخليل، ثم ما لبثت هذه السلطات أن نفته إلى بلدة يطّا القريبة من الخليل. وفي كل مرة كانت التجربة  تزيـده صلابة، وتعمق وعيه الوطني والطبقي، فيزداد تمسكاً بقضيته وبمبادئه، التي التزم بها، الأمر الذي حدا بالسلطات البريطانية لإعتقاله، مرة أخرى والحكم عليه بسنة سجن، قضى منها أربعة أشهر في سجن القدس، ثم نقل إلى سجن عكا. وهناك تعرف على العديد من رجالات فلسطين الوطنيين والتقدميين.  بالإضافة إلى ذلك أتاحت له الإقامة في سجن عكا التعرف على ثلاثة من المعتقلين السياسيين اليهود.  وحين تعمقت صلته بهم، أدرك فؤاد نصار أن ثلاثتهم شيوعيون. ومن تلك الفترة بدأ يطّلع على الصحافة الشيوعية وعلى مبادئ الماركسية اللينينية.

ورغم فرض الإقامة الإجبارية عليه في الناصرة، بعد اطلاق سراحه من معتقله في سجن عكا، إلا أنه تمكن من الهرب إلى الخليل ليلتحق بالثورة الفلسطينية في أواخر العام 1938، وظل يقاتل في صفوف الثورة، كقائد لفصيل مهم من فصائل الثورة في جبال القدس والخليل.   وقدم خلال تلك الفترة أروع الصور وأصدقها للمناضل المخلص المتفاني من أجل وطنه وقضيته.  وشهد زملاؤه الذين قاتلوا إلى جانبه أنه كان يتمتع بصفات قلما كان غيره يتمتع بها.  فقد كان يشاركهم جمع الحطب والطهي، وكان يصر على إقامة علاقات ود واحترام مع أهالي القرى التي كانوا يتواجدون حولها الأمر الذي أكسبه، وفصيله، احترام الأهالي، ودفعهم إلى تقديم المساعدة والخدمات لهم.

وفي أواخر العام 1939 بدأت السلطات البريطانية تضييق الخناق على فؤاد نصار ورفاقه، فاضطر إلى الإنسحاب مع مجموعة من رفاقه، بناءاً على طلب من قيادة الثورة الفلسطينية، آنذاك، والتوجه إلى العراق عبر الأردن، التي وصلها في أوائل العام 1940. وهناك التحق بالكلية العسكرية في بغداد وتخرج فيها بعد تسعة أشهر، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني، التي اندلعت في شهر شباط (فبراير) 1941، واستمرت لغاية أوائل شهر أيار (مايو)، ونتج عنها اسقاط الأمير الهاشمي عبد الاله الوصي على العرش،  وتشكيل حكومة جديدة برئاسته، التي ما لبثت أن اسقطت بفعل التآمر عليها من قبل العائلة الهاشمية بالتعاون مع بريطانيا، ولجوء الكيلاني إلى السعودية ثم إلى العراق بعد ثورة عام 1958، ثم إلى لبنان إلى أن توفي فيها عام 1965.

وقد اعتقل فؤاد نصار بعد فشل الثورة من قبل السلطات العراقية وخرج من السجن إلى منطقة "كرمنشاة" الواقعة على الحدود العراقية الإيرانية، ثم انتقل إلى منطقة الأكراد في شمال العراق. وقد أتاحت له الإقامة في العراق، فرصة التعرف إلى أبرز قادة الحركة الوطنية والتقدمية في العراق، وفي مقدمتهم يوسف سلمان (فهد) أول أمين عام للحزب الشيوعي العراقي، الذي أعدمته حكومة نوري السعيد، مع مجموعة من رفاقه، بتاريخ 14/2/1949.

فؤاد نصار وعصبة التحرر الوطني في فلسطين

بعد أن عاد فؤاد نصار من منفاه إلى فلسطين في أوائل العام 1943، فرضت عليه السلطات البريطانية الإقامة الإجبارية في مدينة الناصرة، وقد أتاحت له هذه الإقامة العمل في صفوف العمال والنقابيين الذين بدأوا تنظيم صفوفهم، وشرعوا في إنشاء النقابات وعقد المؤتمرات. وفي اواخر شهر أيلول (سبتمبر) 1943 انضم فؤاد نصار للحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي انقسم إلى قسمين، يهودي وعربي، حيث شكل الشيوعيون العرب مع عدد من الشخصيات التقدمية "عصبة التحرر الوطني في فلسطين" وانتخب فؤاد  نصار عضواً في لجنتها المركزية، بينما كان غائباً. وقد تتالت بعد ذلك مشاركته في أبرز المؤتمرات التي عقدتها العصبة.  وانضم إلى مؤتمر العمال العرب، واصبح  في العام 1945 رئيساً لتحرير جريدة الإتحاد التابعة للمؤتمر المذكور لتصبح فيما بعد لسان حال عصبة التحرر، وظل فؤاد نصار رئيس تحريرها طوال عامي 1946 و 1947.

وحين صدر قرار تقسيم فلسطين عن هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1947، أيد فؤاد نصار، وأقلية من اللجنة المركزية القرار، ودافع عن موقفه هذا منطلقاً من فهمه الموضوعي لطبيعة الصراع الدائر، وموازين القوى التي كانت في غير صالح الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التحررية، الأمر الذي دفع الأغلبية في عصبة التحرر إلى الموافقة عليه لاحقاً، في الكونفرنس الأول الذي عقد في شهر شباط (فبراير) 1948، والذي انتخب فيه فؤاد نصار أمينا عاماً للعصبة.

وحين أعلن عن قيام دولة إسرائيل في العام 1948، وتمزق فلسطين، ظل فؤاد نصار يناضل مع أعضاء اللجنة المركزية، وبقية كوادر العصبة في الضفة الغربية تحت الإسم نفسه. وظل شعار إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو شعار العصبة، وطالب فؤاد نصار ورفاقه بضرورة العمل على تطبيق قرار التقسيم، والإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن تآمر الإستعمار البريطاني، وتواطؤ الأنظمة العربية المحيطة بفلسطين مع الحركة الصهيونية، حال دون تحقيق هذا المطلب، فتآمرت على بقية فلسطين، وضمت الضفة الغربية إلى الأردن، وقطاع غزة إلى مصر.

وموقف نصار ورفاقه من شعار الدولة الفلسطينية المستقلة عرضهم للملاحقة من قبل المخابرات الأردنية، الأمر الذي دفع فؤاد نصار وعدد من رفاقه للاختفاء في منزل سرّي في بلدة بيرزيت. وفي هذا المنزل أصيب الراحل بمرضٍ احتاج لعلاج من قبل طبيب.

وعن هذا الأمر قال المرحوم الرفيق نبيه رشيدات في مذكراته التي حملت عنوان: "أوراق ليست شخصية": "جاءني أن الرفيق فؤاد نصار الأمين العام لعصبة التحرر الوطني في فلسطين مريض ويحتاج للمعالجة. فذهبت إلى رام الله حيث رُتّب هناك موعد مع أحد الرفاق، عرفت بعد ذلك أنه الرفيق فهمي السلفيتي (أبو سليم) فأخذني إلى منزل سرّي في بيرزيت، حيث وجدت فيه الرفيق فؤاد نصار (أبو خالد) وعبد العزيز العطي (أبوالوليد) ورفاقاً آخرين. وبعد إجراء الفحص الطبي لهم جميعاً قدمت لهم كمية من الأدوية لاستعمالها عند الحاجة. وكنا في الأردن وقتها لا نزال فرقاً شيوعية، لم يتشكل منها حزب بعد. وهذا الحزب الذي تشكل فيما بعد في العام 1951 من اتحاد الفرق الشيوعية مع عصبة التحرر الوطني والحزب الشيوعي الأردني".

وأضاف رشيدات: "وأود هنا أن أشير إلى أن مقابلتي هذه مع الرفيق فؤاد نصار هي الثانية، إذ كنت قابلته قبل ذلك في صيف العام 1945 عندما ذهبت إلى يافا للاطلاع على الأوضاع هناك، والتعرف على أصدقائنا في عصبة التحرر الوطني. وقتها زرت الرفيق فؤاد نصار في فندق فلسطين، ووجدتُ عنده المناضل القديم حمدي الحسيني من غزة".

ومعروف أن حمدي الحسيني كان حضر في العام 1930 مؤتمر مقاومة الاستعمار الذي انعقد في موسكو في تلك السنة، وكان أول عربي يقابل ستالين.

وقد سأل رشيدات الحسيني عما سمعه مما حدث في تلك المقابلة، وعن جواب ستالين عن السؤال الذي وجهه هو إليه: "ما هو الخطر الرئيسي على حركة التحرر الوطني العربية؟ فقال: الرشوة والفساد". وعقّب رشيدات على ذلك فقال: "باعتقادي الآن أن ما قاله ستالين آنذاك لا يزال صحيحاً حتى الوقت الحاضر بعد مرور سبعين عاماً عليه".

تأسيس الحزب الشيوعي الأردني وانتخاب فؤاد نصار امينا عاماً له

في شهر ايار (مايو) 1951 قررت اللجنة المركزية للعصبة تشكيل الحزب الشيوعي الأردني، وانتخب فؤاد نصار امينا عاماً له. في تلك الأثناء كان فؤاد نصار خارج الأردن، وبعد عودته بثلاثة أشهر اعتقلته السلطات الأردنية وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات، اضطرت إلى تخفيفها إلى ست سنوات، قضاها في سجن الجفر الصحراوي، مقيدا بالسلاسل في قدميه. وحين خرج من السجن عقب ضجة إعلامية مطالبة بإطلاق سراحه رتبت المخابرات الأردنية في حينه مكيدة، بالتعاون مع المخابرات السورية، حيث ألقت به على الحدود السورية، ثم اعتقلته بتهمة التسلل غير المشروع إلى الأردن.  ومرة أخرى تحرك الرأي العام، والقوى الوطنية المحلية والأجنبية، ما اضطر السلطات الأردنية إلى إطلاق سراحه، في الفترة التي أوصلت الجماهير الأردنية حكومة وطنية إلى الحكم برئاسة سليمان النابلسي، وهي الفترة القصيرة التي ازدهرت فيها الحريات السياسية، حيث جرت انتخابات نيابية حرة فاز فيها الشيوعيين بمقعدين، رغم الحظر المفروض على نشاطهم، إضافة إلى وصول العديد من الشخصيات الوطنية إلى البرلمان، غير أن هذا الإنفراج لم يدم طويلاً، حيث وقع انقلاب رجعي في العام 1957 أدى إلى اسقاط حكومة  النابلسي، وزج بالعديد من الوطنيين، على اختلاف انتماءاتهم الحزبية في السجون الأردنية، وامتلأت سجون الجفر والزرقاء وغيرها، بمناضلي الحركة الوطنية الأردنية بمن فيهم الشيوعيون.

عقب ذلك اضطر فؤاد نصار إلى السفر إلى ألمانيا الديمقراطية في شهر شباط (فبراير) عام 1960، وكان قبلها قد أقام في بغداد، غير أن تدهور العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي ونظام عبد الكريم قاسم، اضطره إلى الرحيل عن بغداد.  وظل في برلين الشرقية حتى شهر تشرين ثاني (نوفمبر) عام 1967، حيث قدم إلى عمان ليقود مسيرة الحزب الشيوعي الأردني  بعد أن اضطرته الظروف للعيش بعيداً عن بلده وحزبه ورفاقه،  كما عاد عدد من قادة الحزب الشيوعي الأردني، وأطلق سراح العشرات من كوادر الحزب في السجون بعد حرب حزيران (يوليو) 1967.

عن التراث النظري والفكري لفؤاد نصار

للفقيد اسهامات فكرية ونظرية عديدة ومتنوعة، ترابطت مع نضالاته الطويلة على الصعيدين السياسي والعملي.  ونبعت اهمية استنتاجاته الفكرية والنظرية من خلفية حياة نضالية صعبة ومريرة، وبأشكال متعددة ومواقع عديدة ومتغيرة. فمن عامل أحذية في مطلع شبابه إلى قائد فصيل من فصائل الثورة الفلسطينية المسلحة في جبال القدس والخليل، ومن قائد نقابي في الناصرة وحيفا، إلى قائد حزب سياسي واسع الإنتشار في الأردن. من النضال في الوطن إلى النضال في المنفى، ومن معمعان النضال السري إلى خضم النضال العلني وشبه العلني، من الصمود داخل السجون إلى التنكر والاختفاء داخل الوطن.  كل هذه الإنعطافات والتجارب القاسية، التي تجسد تاريخاً طويلا من النضال الوطني والطبقي شكلت المادة الدسمة لاستنتاجات فؤاد نصار الفكرية والنظرية، واكسبتها الدقة والوضوح والحيوية ، بحيث ما زالت حتى الآن، وبعد مرور عشرات السنين تشكل بوصلة للوطنيين والمناضلين للإستمرار في النضال القومي والطبقي من أجل تحرير فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

 لم يقرأ فؤاد نصار عن الجماهير وقوانين الثورة في غرف مغلقة، فحسب، بل كان جزءاً من الجماهير ومن الثورة. تعامل معها بخلفيته الماركسية - اللينينية، وفيها طور هذه الخلفية.

إن فؤاد  نصار لم يكن خريجاً جامعياً، ولم يحصل على أية شهادة عليا في أي حقل من حقول العلوم الإنسانية.  ومع ذلك فقد كانت سيرة حياته، بحد ذاتها مدرسة، بل جامعة، تخرج منها، وما زال، الوف المناضلين.

إن عامل الأحذية البسيط، فؤاد نصار بتراثه الفكري والنظري الغني برهن أن  المثقف ليس بحامل الشهادات الجامعية، بل هو ذلك الإنسان القادر على استشفاف القوانين الموضوعية التي تحكم مسيرة التاريخ ومسيرة الجماهير، من خلال انغماسه في النضال الوطني والطبقي المثابر.  لقد برهن أن الثقافة هي  حركة الجماهير مكدسة في وعي الإنسان بأشكال متعددة ومدونة في الكتب.

لا يمكننا حصر كل الإسهامات الفكرية والنظرية لفؤاد نصار، فالظروف التي عاشها تميزت بالسجن والنفي والقمع، وتنقلاته المتعددة القسرية بين أماكن متباعدة جعل من الصعب مركزة انتاجه الفكري في موقع من المواقع، وبالتالي جمعها، ولم تتوفر له الصحف العلنية وشبه العلنية، باستثناء فترة عمله القصيرة في جريدة الإتحاد في سنوات الأربعينات من القرن الماضي، ولم تتوفر له دور النشر، ولا الإمكانات المادية وسهولة الاتصالات وتوفر المعلومات، بل بالعكس، فالكثير من كتاباته، وهو على رأس الحزب الشيوعي الأردني، لم تجد لها طريقاً إلا عبر أدبيات الحزب السرية، والتي  كان اقتناؤها يكلف حامله خمسة عشر عاماً من السجن، وفق قانون مكافحة الشيوعية، سيئ الصيت، الذي كان معمولا به في الأردن في فترة الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي. إن الكثير من المقالات لفؤاد نصار كانت بأسماء مستعارة، والكثير منها فقد بسبب ظروف القمع والإرهاب. ومع ذلك فإن ما يتوفر من تراثه الفكري والنظري، رغم قلته، يكشف عن العمق في التحليل، وبعد الرؤية السياسية، والقدرة على الربط الجدلي التي تميز بها تراث فؤاد نصار الفكري، ويبرز من خلف السطور منهاجية التفكير لديه.

لقد أعطى فؤاد نصار قسطاً كبيرا من كتاباته وتحليلاته للقضية الفلسطينية، التي ناضل واستشهد من أجلها، وللشعب الذي أحبه وضحى من أجله. ولم يعتبر القضية الفلسطينية مشكلة طائفية، حين كان يشتد الإحتراب بين اليهود والعرب في فلسطين، بتسعير من الإمبريالية البريطانية وحليفتها الحركة الصهيونية، ولم يعتبرها صراعاً دينياً حينما كان الفكر الغيبي مهيمناً، بدعم من القيادات الإقطاعية والبرجوازية الفلسطينية، على عقول عشرات الألوف من الفلاحين الفقراء وبسطاء الناس الأميين، بل وضعها في موقعها الطبيعي، كقضية تحرر قومي ناتجة من مؤامرة استعمارية.

"أبو خالد" الإنسان

كان فؤاد نصار (أبو خالد) طيلة حياته يحترم جميع الرفاق، ولا يفرق بينهم، ولم يُظهر تفضيله لأحد قط، رغم أنه كان يشعر بأن بعضهم أقرب إليه. وهذه صفة انسانية طبيعية، ولكنه لم يظهر ذلك للعيان.  كان موقفه من الرفاق الذين توقفوا عن النضال دون ان يخونوا مواقفهم المبدئية، موقف المتفهم، ولم يسمح بتوجيه الإهانات لهم.

وعامل "أبو خالد" النساء في الحزب باحترام بالغ، وكذلك زوجات الرفاق اللواتي لم يكنّ عضوات في الحزب، وعامل باحترام واجلال زوجات الرفاق اللواتي اتصفن بنكران الذات في حياة مليئة بالخطر وعدم الإستقرار.

وهنا يجدر الحديث عن طبيعة علاقة "أبو خالد" بزوجته البلغارية ليلى التي عقد قرانه عليها في صوفيا، في احتفال متواضع حضره بضعة أشخاص لا يتعدى عددهم عدد أصابع اليد. وحتى وفاته لم يُقّدر لهما انجاب أطفال.  أما طبيعة العلاقة بين الإثنين، فكانت تتسم بالحب والود والتعاطف. وفي كتيبها الذي حمل عنوان: "ذكريات فؤاد نصار" قالت عن هذه العلاقة: "إن حياتي مع فؤاد نصار كانت بمثابة المدرسة لي.. مدرسة للإنسانية والأخلاق العليا. لم يحاضر عليّ ولم يزجرني قط .. كان يعلمني وببساطة من خلال قوة المثال الذي يقدمه.  اذكر مثلاً أنني في أوائل حياتنا المشتركة، عندما كنت شابة أبديت الكثير من عدم التسامح تجاه أخطاء ونواقص المحيطين بي. ورغم صغر سني لاحظت أن أبا خالد يقبل الناس كما هم بايجابياتهم وسلبيتاتهم، وكان يقول: "ليس من حق أي كان أن يحكم على الناس، وأن يعتبر مقاييسه الخاصة هي المعيار الوحيد للحكم على الآخرين. الأهم من هذا أي الصفات تتغلب في النهاية لديهم، وما هي نواياهم وأهدافهم". 

وهكذا تعلمت من أبي خالد التسامح واحترام الناس ومراعاة مشاعرهم وأشياء أخرى كثيرة. وبالرغم من الفارق الكبير في السن بيننا لم أشعر ولو للحظة بأنه اكبر مني. على العكس في كثير من الأحيان كان يبدو أكثر شباباً، لأنه كان متقدماً وعصرياً جدأً في آرائه ومعاملته للناس، ونظرته للأحداث وللعالم ككل .. كانت آخر سنة في حياة "أبو خالد" مثالاً على قوة روحه، فلم يسمح لنفسه لمعرفة  مصيره، أو للآلام غير المحتملة أن تقهره.  ولم يكن يتحدث عن مرضه، ولم يسمح  لأحد بذلك قط. كان يحاول قصارى جهده أن يكون حيوياً، وواصل استقبال ضيوفنا الذين ازداد عددهم كل يوم رغم نصائح الأطباء، وكان يسأل باهتمام وحيوية عن صحة كل زائر، وعن عائلته، وعن المشاكل التي تواجهه. وحتى وهو على فراش الموت استطاع ان يساعد الكثيرين .. كان الناس بدورهم يحبونه ويحترمونه، حتى أنني استطيع القول أنني عندما علمت بأن لا علاج لمرضه، وأن المرض عشش بخبث في جسمه، كنت على استعداد لأن أموت مئات المرات بدلاً منه.  وتوافقت آخر أيام حياته مع عيد ميلادي، وكانت قواه الجسدية قد نفذت تقريباً إلا أنه كان وما زال محافظاً على معنوياته وكانت الفحوصات الطبية المتتالية تدل على أنه كان المفروض أن يدخل في غيبوبة عميقة منذ زمن طويل، ولكنه لم يسمح لنفسه أن يقع في حالة كهذه، وحافظ على وعيه حتى آخر رمق .. أبدى فجأة رغبته بأن نحتفل بعيد ميلادي، وكان سعيدا وحيوياً حتى أنه أكل بعض الحلويات، بالرغم من أنه لم يكن قد تناول أي طعام، منذ ما يزيد عن شهر. وقال لي في هذا اليوم: "إذا كنت استطيع أن أبدأ حياتي من جديد، كنت سأسير على ذي الطريق، وكنت سأتزوجك مرة أخرى". ثم ساءَت حالته الصحية جدا، وغادرنا بعد أيام معدودة إلى الأردن حيث توفي".

وفاة طيب الذكر"أبو خالد"

بعد معاناة طويلة مع المرض توفي فؤاد نصار بتاريخ 30/9/1976، عن عمر 62 عاماً، ودفن في العاصمة الأردنية عمان. وقد أحدثت وفاته موجة حزن وأسى في الأردن وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ولدى الأوساط التقدمية في البلدان العربية والعالم. وقد نشرت الصحف الأردنية العشرات من التعازي بالفقيد الكبير، من بينها نعي مشترك من عشرين شخصية فلسطينية وأردنية، منها سليمان النابلسي وابراهيم بكر ويحيى حمودة وبهجت أبو غربية.

وفي الضفة الغربية حفلت الصحف العربية الصادرة في القدس المحتلة بأعداد ضخمة من إعلانات النعي والتعزية نشرها رؤساء البلديات والقادة النقابيون والشخصيات الوطنية من الضفة الغربية وقطاع غزة والمعتقلون الإداريون، وقادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، العرب واليهود. وتقاطر على بيت شقيق "أبو خالد" الأب سمعان نصار الألوف من المعزين من سائر أنحاء فلسطين، وخصصت بلدية الناصرة جانباً من جلستها الأسبوعية تكريماً لذكرى المناضل الكبير.

وكان قد اتيح للأب سمعان أن يكون إلى جانب الفقيد في لحظات احتضاره، وروى كيف حمّله فؤاد السلام، وكيف سأل عن الناصرة وأهلها قبل أن يسأل عن أهله.  وقال: "اردت أن أجئ بشيء من مخلفات فؤاد نصار لتكون تذكاراً لي بعد وفاته، فلم أجد في غرفته الصغيرة، التي لا يملكها، إلا الكتب والمجلات والصحف. ولم يكن يملك سواها شيئاً من حطام الدنيا.  ولكن تعزّيت بما خلفه فؤاد من محبة واحترام جعلت عمان تخرج في جنازته العظيمة.  كما تعزّيت بألوف الوفود التي جاءَت من  كل حدب وصوب تشاركنا المصاب، وبسيل برقيات ورسائل التعازي من جميع أرجاء المعمورة".

كما وصلت إلى مقر الحزب الشيوعي الأردني مئات برقيات التعازي من معظم الأحزاب الشيوعية والإشتراكية في العالم، ومن العشرات من الشخصيات الوطنية والتقدمية والدينية.

لقد كان الراحل يتمتع بالسمات الأساسية والعالية للقائد  الفذ، الذي يجمع في خلقه التواضع والتفاني لخدمة القضايا العامة، الأمر الذي أكسبه احترام الجميع، رغم اختلافهم معه سياسياً، سواء أثناء فترة أعتقاله، أو في منفاه، أو في علاقاته مع رفاقه، أوفي أثناء وجوده في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1972، وحتى وفاته، ومشاركته كافة الفصائل الفلسطينية العمل السياسي داخل المجلس.

كان فؤاد نصار يستمتع بالحديث عن الطلبة، ولطالما حذرهم من مغبة السقوط في طريق الركض وراء جمع المال.  ولعل حياته كانت مثالاً يحتذى به للمناضلين الشرفاء الذين عاشوا وماتوا ولم يتركوا غير هذا التراث الوطني الكبير لمناضل كرس حياته لقضية شعبه، وأعطى أروع مثال للقائد المعطاء ، الأمر الذي أهله ليحتل هذه المكانة في قلوب رفاقه، وجعل ذكراه خالدة أبدا في نفوس أبناء شعبه.

إن ذكرى "أبو خالد" سوف تظل حية في قلوب رفاقه الذين سيواصلون النضال حتى النصر المؤزر على الأعداء، ورفع راية فلسطين عالية بعد تحريرها.

المراجع:

  1. كراس: فؤاد نصار الرجل والقضية، إصدار منشورات صلاح الدين /القدس تشرين أول (أكتوبر) 1977.
  2. ملف عن فؤاد نصار أعدته ونشرته مجلة الكاتب الفلسطينية، التي كانت تصدر في القدس، بمناسبة الذكرى السبعين لميلاده/العدد: 56 (كانون أول/ ديسمبر) 1984.
  3. كراس حمل عنوان: "ذكريات فؤاد نصار" أعدته ونشرته زوجة المرحوم ليلى نصار، عام 1996.