دائرة الإرهاب اليهودي التي قتلت أبي في العام 1946 | غبريئيلا غولدشميدت

2023-08-05

مقال مترجم عن "هآرتس" العبرية  

دائرة الإرهاب اليهودي التي قتلت أبي في العام 1946

| غبريئيلا غولدشميدت *

الكاتبة تروي عن واحدة من العمليات الإرهابية التي نفذتها عصابات الإرهاب الصهيوني في العام 1946، وقتل بها والدها، وتشرح كيف أن قادة إسرائيل سعوا لتكريم أولئك الإرهابيين لاحقا وتقول: الذين يضعون انفسهم كأسياد على هذه البلاد والبلاد المجاورة، يشعرون بأنهم أصحاب حقوق زائدة وأن كل أمر مقيت مسموح لهم، باسم عقيدتهم المسيحانية. الويل لنا لأننا وصلنا الى هذا الوضع *

في ظهيرة يوم الاثنين، 22 تموز 1946، في السكرتاريا الرئيسية لحكومة الانتداب البريطاني في القدس، في فندق الملك داود، تم تلقي مكالمة هاتفية. صوت فتاة ابلغ بأنه في المبنى تم زرع قنابل وأنه يجب اخلاءه على الفور مع كل من فيه. لم يحدث أي شيء ولم يتم اخلاء المبنى. تقريبا من تسلم المكالمة فكّر أن هذه نكتة غير مضحكة بشكل خاص، حيث أن الوقت ليس الأول من نيسان، وأن هذه ليست كذبة نيسان.

مر وقت قصير جدا ووقع في المبنى انفجار ضخم. وكل الجناح الجنوبي فيه انهار. 91 شخصا قتلوا فورا، يهود ومسيحيون ومسلمون، معظمهم من العاملين في مكاتب الحكومة المختلفة. هذا العمل الإرهابي نفذته "الايتسل"، والفتاة التي اتصلت مع الفندق كانت نشيطة شابة في هذا التنظيم.

أحد القتلى كان الدكتور زئيف فيلهالم غولدشميدت، وهو محامي كان يعمل في قسم النائب العام، كنائب لمن يقوم بصياغة القوانين. هو كان صهيوني هاجر الى البلاد عندما تولى النازيون الحكم في المانيا. عندما توفي كان عمره 43 سنة وترك زوجة حامل في الشهر الأخير وبنت عمرها اربع سنوات تقريبا. هذا الشخص كان والدي والطفلة هي أنا.

بعد ذلك قالت لي أمي بأنه في أسبوع الحداد وجدت في صندوق البريد بطاقة من "الايتسل"، مكتوب فيها بأنه يؤسفهم ما حدث، حيث أنهم حذروا البريطانيين. أمي رمت البطاقة بقرف. فقط ولادة اختي بعد شهرين من ذلك الحدث، أعطت طعما لاستمرار الحياة. لقد تحولنا الى متضررين من اعمال الإرهاب، متضررين لم تعترف الدولة في أي يوم بهم بهذه الصفة.

تكريم الإرهابيين

عندما أصبح مناحيم بيغين رئيسا للحكومة لم يضيع وقتا طويلا، وبادر الى اجراء احتفال رسمي فاخر في حائط المبكى، فيه تم تكريم مقاتلي التنظيمات السرية الإيتسل والليحي بأوسمة من الدولة، على اسهامهم في إقامة دولة إسرائيل. فقط ضحايا الإرهاب اليهودي قبل إقامة الدولة تم نسيانهم. لم يكرمهم أحد، ولم يذكرهم أحد، ولم يخلدهم أحد. عمليا، عند إقامة الدولة ونقل السلطة من حكومة الانتداب الى حكومة إسرائيل بقيت عدة مواضيع غير محلولة، والتي جرت حولها نقاشات بعد ذلك بين الحكومة البريطانية والحكومة الإسرائيلية.

أحد الأمور الصغيرة التي لم يتم حلها، هي مكانة بقايا العملية في فندق الملك داود. إسرائيل رفضت تحمل المسؤولية عن الحادثة، وفي النهاية تم الاعتراف بها كـ "حادثة عمل"، التي بسببها تلقى هؤلاء البقايا مخصصات تقاعد ضئيلة، وليست مقرونة بجدول غلاء المعيشة، الذي بالطبع تحول الى نكتة مع تضخم الخمسينيات.

نحن متضررو عملية إرهابية، ولكن في يوم الذكرى لشهداء الجيش الإسرائيلي والمصابين في عمليات عدائية مكاننا غائب. قتلانا ليسوا مدفونين في المقابر العسكرية، ولم نحصل في أي يوم على دعم من الدولة. لن أنسى طوال حياتي استياء أحد ايتام العملية، شيلا ليفي، التي كانت كبيرة في السن، وليست بصحة جيدة، من أن والدتها العجوز والمريضة والارملة بعد العملية، تعيش في دار للمسنين بمستوى متدن، لأنها لا تملك هي واخواتها الموارد لتوفير مكان معقول اكثر للعيش فيه.

بعد رؤية اوسمة مقاتلي التنظيمات السرية في حائط المبكى، لم أستطع تحمل الظلم القائم في تقليد الاوسمة للمشاغبين مقابل نسيان الضحايا. التقيت مع بيغين، الذي كرر تعويذة أن الجيش الإسرائيلي قد حذر البريطانيين، وبالتالي هم غير مذنبين. في المقابل، قلت إنه في الوقت الحالي الحديث لا يدور عن تهمة بل عن تحمل المسؤولية. ولكن بيغين لم يفهم الفرق. يوجد فرق. وربما أيضا من غير الصحيح أن أعضاء الايتسل غير مذنبين.

ما هذا العمل عديم المسؤولية المتمثل في ارسال فتاة عمرها 16 سنة من اجل الاتصال مع مركز أعصاب الحكومة والتحذير من انفجار؟ لماذا سيصدق أعضاء سكرتاريا الحكومة صوت طفولي يبشرهم بأمر غير معقول كهذا؟ المتصلة، سارة اغاسي، شهدت بعد ذلك بأنه عندما سمعت الانفجار قالت: "لقد نجحنا!". بماذا نجحتم؟ بتدمير 100 عائلة تقريبا؟ تحويل عشرات الأطفال الى ايتام؟

بعد ذلك كان رئيس بلدية القدس إيهود أولمرت ينوي تسمية شارع على اسم أحد أعضاء الايتسل، غال غولدشميدت، وهو البطل الذي شارك في عمليات إرهابية كثيرة، بما في ذلك في دير ياسين، وفي اعقاب المرض لم يعد يمكنه المشاركة في عملية فندق الملك داود التي شارك في التخطيط لها. لا توجد حدود للسخافة: تسمية شارع على اسم الإرهابي الذي اسم عائلته تقريبا يشبه اسم عائلة والدي، في حين أن والدي تم نسيانه.

لحسن الحظ هذه المبادرة لم تخرج الى حيز التنفيذ في اعقاب الاحتجاج ضدها، الذي وصل حتى الى وسائل الاعلام في أوروبا. ولكن في إسرائيل الحالية لا يمكن وقف مثل هذا الامر. الاعمال الإرهابية ينفذها فقط العرب. اليهود هم ابطال يحاربون من اجل حريتهم وبلادهم؛ حتى وهم يحرقون بيوتا وسيارات وحقول العرب الهادئين باسم مسيحانية متخيلة، تضع اليهود كأسياد للبلاد وكشعب الله المختار، والذين يعود لهم كل شيء، وكل شيء مسموح لهم بفعله، حتى القتل والسلب والتدمير، وحتى البصق على من هم من غير اليهود، لأنهم لا ينتمون للعرق السامي.

بلدية القدس قررت قبل فترة قصيرة وضع نصب تذكاري لضحايا أبناء القدس. هذا النصب التذكاري هو عبارة عن شاشة تفاعلية موجودة في قبو البلدية ولا يتردد عليها احد تقريبا، حيث يمكنك فيها أن تجد صورة وسجل لشهداء الجيش الإسرائيلي والاعمال العدائية، في اليوم الذي تزور فيه هذا المكان، حتى موظف الاستقبال في المبنى لم يكن يعلم عنها. لذلك، كتب هناك عن والدي حتى قبل اشهر قليلة: "قتل في الاعمال العدائية في 23 تموز 1946 في حرب الاستقلال. مكان الحادثة: القدس".

في هذا التسجيل غير الصحيح بشكل صارخ، توجد رائحة تشويه متعمدة. كتبت لرئيس البلدية موشيه ليون وسألته إذا كانت بلدية القدس لا تعرف متى كانت حرب الاستقلال. ولم احصل على إجابة. ولكن بعد بضعة أشهر تم تصحيح التسجيل وتم حذف كلمات "في حرب الاستقلال".

قبل بضع سنوات شاركت في احتفال يوم الذكرى المشترك لليهود والعرب، الذي يجري كل سنة في حديقة اليركون في تل ابيب. في طريقي الى هناك تم إطلاق وابل من الشتائم للمتظاهرين الذين انتظروا القادمين، اثناء قدومهم وخروجهم. أحدها كانت "أنت عجوز ولكنك كلبة وعاهرة. يجب أن تخجلي. يا ليت مخرب يدخل الى بيتك". كم أنت متأخر أيها الصديق. المخربون دخلوا الى بيتي في السابق، وهؤلاء هم مخربو الايتسل الذين زرعوا أوعية الحليب المليئة بالمتفجرات في قبو فندق الملك داود.

يصعب علي تذكر ذلك بعد الهجوم على أهارون براك في الكنيست، بما في ذلك من قبل الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي سماه "احد مخربي دولة إسرائيل"، وقد فاقه زميله عضو الكنيست الموغ كوهين، الذي الدرر التي اخرجها من فمه لا تستحق الطباعة، لكن أنا سأذكرها رغم امتعاضي وغضبي: "اهارون براك سحقنا جميعا، هيا يا بارا غاز غاز". المشكلة هي ليس فقط أنه يوجد في الكنيست اشخاص حقيرين مثل هؤلاء، الذين يلحقون العار بالكنيست والحكومة وكل الدولة. المشكلة هي الكراهية المتقدة لكل ما تنبعث منه رائحة اليسار في نظر هذه المجموعة المهووسة بقوة السلطة التي تشوهها وتهدم وتدمر وتحرق كل قسم جيد، في كل مجال من مجالات حياتنا في هذه الدولة وتسقطه بحزن مستعار، دون قيود ومن خلال العمى الكامل.

الأعضاء فيها لا يختلفون عن أعضاء الايتسل الذين فجروا فندق الملك داود. هم عديمو المسؤولية ويتنكرون لتداعيات سلوكهم ويحولون إسرائيل الى مكان مجذوم لا يستطيع أي شخص عاقل من أي تيار سياسي أن يعيش فيه لفترة طويلة. إسرائيل أصبحت بلاد تأكل سكانها العقلانيين، وهذا الامر تم التعبير عنه ليس فقط بالعنف والعدوان اللا نهائي والذي صبح يرافق حياتنا، بل أيضا بكراهية الأجانب والتنكيل بهم وبمظاهر الفساد والحيونة والاستخفاف بقيم الثقافة والفكر وبفظاظة القلب وغياب الطريق السوية، وعدم الاهتمام بالآخر الذي نواجهه كل يوم وعدد لا يحصى من المرات في كل يوم. باسم ماذا؟ باسم الايمان بتفوق اليهود الوهمي، الذي يعطي حقوق زائدة ويهدر دماءهم. حقوق وكرامة كل الآخرين، بما في ذلك اليهود غير الحلال، الكثيرين، ولا يعتبرون من "المختارين".

الإرهاب اليهودي وأنا طفلة وانا عجوز

بعد ذلك جاء صباح يوم الجمعة، 7 تموز 2023. 9 حافلات خرجت من ارجاء البلاد، منها 3 من تل ابيب، الهدف كان القرية الفلسطينية برقة في الضفة الغربية في شرق طولكرم. الهدف هو السير معا مع سكان برقة باتجاه حومش القريبة جدا، من اجل الاحتجاج على إعادة توطين هذه المستوطنة غير القانونية، التي يزعج سكانها سكان القرية ويضرون بممتلكاتهم ومزروعاتهم بشكل يومي. هذه الحملة نظمتها حركة "السلام الآن"، التي أبلغت الجيش عن نواياها. كنت في احدى الحافلات التي خرجت من تل ابيب.

حافلاتنا لم تصل الى برقة. الجيش اوقفنا غير بعيد عن القرية، ولم يسمح للحافلات بمواصلة السفر. بعض الركاب في حافلات أخرى نجحوا في الوصول الى برقة. ما حدث هناك احسنت وصفه على صفحات هذه الصحيفة ايلانا هامرمان في المقال الذي نشرته في 14 تموز. سأعود هنا باختصار على تسلسل الاحداث: نزلنا من الحافلات ومشينا نحو برقة. مئات الشباب وكبار السن وعجائز في يوم صيفي حار جدا. بعد 4 كم عندما اقتربنا من القرية حاول جنود حرس الحدود وقفنا بواسطة الدفع، دون نجاح (لقد أوقفوا أحد المشاركين في المسيرة واخذوه معهم).

انحرفنا نحو كرم زيتون وواصلنا السير. حرس الحدود استدعى تعزيز والجنود وقفوا على بعد 200 متر عنا، وبدأوا يطلقون نحونا قنابل الدخان وقنابل الصوت وقنابل الغاز. على الفور اندلعت حرائق ووجدوا صعوبة في اطفائها. وصلنا الى شارع 60، هناك انتظرتنا قوة أكبر، التي استمرت في اطلاق القنابل. ومن مسافة قصيرة تعرضنا للدفع الوحشي.

بما يشبه المعجزة فقط، احدى المشاركات في المسيرة تضررت بسبب الغاز وتم نقلها الى القرية لتلقي العلاج. الآخرون قاموا بوضع المناشف والمناديل وكل شيء تمكنوا من وضعه على الوجوه لحماية أنفسهم من الغاز والدخان. حرائق كثيرة اندلعت، لم يسمح لنا بالوصول الى برقة وتم توجيهنا الى منطقة سبسطيا كي ننتظر هناك الأصدقاء الذين نجحوا في الوصول.

الجيش الإسرائيلي، جيش الدفاع عن المستوطنين، اعلن عن المكان كمنطقة عسكرية مغلقة محظور علينا التواجد فيها، هذا بعد أن بدأنا في السير. لم يسمحوا للحافلات بالمجيء لنقلنا. الجيش أراد التأكد من أن كل الذين وصلوا الى برقة سيغادرونها فقط بعد ساعتين. فقط عندما عاد هؤلاء وانضموا الينا سمحوا للحافلات بالدخول.

تجربة التصادم مع الجنود (والمجندات)، العدوان والعنف الذي عاملونا به، نحن الذين لم نقم باستفزازهم ولم نستخدم أي عنف، كانت صادمة. شعرت أنه تمت خيانتي من قبل جيشي الذي بدلا من أن يدافع عني وعن مجموعة محبي السلام التي شكلناها، يدافعون عن المستوطنين الذين يثيرون الشغب ويزرعون الدمار.

من الواضح من أين تأتيهم الأوامر حول كيفية تصرفهم. المستوطنات هي أم كل الخطايا، وهذا يذكرنا بيشعياهو لايفوفيتش، الشخص الحكيم، النبي في مدينته. لو أنه كان على قيد الحياة اليوم لما كان من المستبعد أن سيرجم في ميدان المدينة، ولما كانوا سيكتفون فقط بالشتائم والاهانات القبيحة وسحب جائزة إسرائيل منه، واجراء مظاهرات صاخبة امام منزله.

من ناحيتي، تم اغلاق نوع من الدائرة: الإرهاب اليهودي سرق مني والدي عندما كنت طفلة صغيرة، والإرهاب اليهودي ينقض عليّ وأنا عجوز عندما اذهب من اجل التعبير عن الاحتجاج والغضب مما يرتكبه الذين يضعون أنفسهم كأسياد البلاد والبلاد المجاورة. أصحاب حقوق زائدة الذين كل امر مقيت مسموح لهم القيام به باسم عقيدتهم المسيحانية منفلتة العقال والمقطوعة عن كل القيم اليهودية والعالمية للإنسانية الأساسية. الويل لنا لأننا وصلنا الى هذا الوضع.

الاتحاد الحيفاوية