وجعُ غزّةَ العميقُ وجرحُها النازف

2023-11-27

| سميح محسن *

لم تضع الحربُ المتوحشةُ على قطاعِ غزّة بَعدُ أوزارَها، وهناكَ مَن يستمرُ في قرعِ طبولِها صباحَ مساء، وما بينهما من وقت مُستقطَعٌ من العمر.

في سطحِ الصورة نرى الدّمارَ الذي أحدثتهُ آلةُ الحربِ الهمجيةِ التي تحكمُها عقدةُ الانتقام، أكانت هذه العقدةُ مسلحةً بعقيدةٍ توراتيةٍ، أو بعقيدةِ حركةٍ عنصريةٍ انبثقت في بعضِ جوانبِها عنها، والأمر سيّان. في سطحِ الصورةِ شاهدنا دماءَ الشهداءِ من أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ وهي تروي الأرضَ المُقَدَّسَة، وأشلاءَهم وهي تَلتَصِقُ على جدرانِ المنازلِ التي نجت هذه المرة من القصف، والدمارَ الذي لحقَ بالأعيانِ المدنيةِ من مدارسَ وجامعاتٍ ومؤسساتٍ أهليةٍ ومستشفياتٍ ومنازلَ سكنيةٍ...إلخ. كما شاهدنا مئاتِ الآلافِ من أبناءِ القطاعِ وهم ينزحون من الشمالِ إلى الجنوب قسرا وقهرا بحثا عن أماكن أقلّ خطرا، حتى أنّ تلك الأماكنَ لم تحظَ بلحظةٍ واحدةٍ من الأمنِ والأمان. وفي المقابلِ سمعنا، ونسمعُ صوتَ التحدي والإصرار على الصمود والبقاء مهما كان حجمُ التضحياتِ وجسامتُها في المالِ والبنين.  

تلك بعضُ المشاهدِ التي نراها على سطحِ الصورة، ولكنَّ في عمقِها ما يجبُ أن نراهُ أيضا، ولعلّه ما هو مرعبٌ ومخيفٌ ومقلِق. تتداخلُ أصواتُ البطولةِ والعزّةِ والكرامةِ والإصرارِ على الصمودِ مع أصواتِ الاستغاثة تحتَ الرُّكام، وبكاءِ الأمهاتِ على أطفالهنّ، وبكاءِ الأطفالِ على أمهاتِهم وآبائِهم، وأنينِ المصابينَ تحتَ عملياتٍ جراحيةٍ دون تخدير، وتكدّسِ العائلات في مراكزِ الإيواءِ في ظروفٍ إنسانيةٍ قاهرة. هل يغيبُ صوتُ ذلك الطفلِ الذي ينشدُ أن يُمسِكوا يدَه اليسرى بيدِه اليمنى التي سرقها القصفُ من جسدِهِ الطريّ. يا الله ما أبشع هذا العالم الذي يرى ويُغمِضُ عينيه بانتظارِ جريمةٍ أشدّ بشاعة.

إنّها الحربُ العدوانيةُ المتوحِّشةُ التي حصَدت منّا أرواحَنا، وشطَبَت عائلاتٍ بأكملِها من سجلِّ الحياةِ التي منحنا إيّاها الربُ وحده دونَ غيره، ودمّرت أدنى مقوماتِ الحياةِ الإنسانيةِ على الأرضِ عن سبقِ إصرارٍ وتَعَمّد أمامَ مرأى ومسمعِ قادةِ العالمِ الذين تآمرت حكوماتُ دولِهِم علينا منذُ قرنٍ. بل إنّ حكوماتِ دولٍ تُوصَفُ بالعظمى، وحارسةِ الديمقراطيةِ ومبادئِ حقوقِ الإنسانِ التي أشبعتنا بالادعاءِ بأنّ العدالةَ لن تقومَ وتستقيمَ في بلادِنا إلا بها، بل وضخّت عشراتِ ملايينِ الدولاراتِ لتعليمنا دروسَها، بل إنّها جَمَعَت قوتَها الباغيةَ وتجمّعَت لتحاربَ مليونين وثلاثمائة ألف فلسطينيّ محاصرينَ في بقعةٍ جغرافيةٍ لا تتعدى مساحتُها ثلاثمائة وخمسة وستين كيلومترا مربعاً.

في اليومِ الأولِ للعدوانِ أعلنَ وزيرُ الحربِ الإسرائيليِّ أنّ جيشَه الغازي والباغي سَيُحوِّل قطاعَ غزةَ إلى مكانٍ غير صالحٍ للحياة. ولا أدري كيف أغمضَ رؤساءُ دولِ العالمِ المتحضِّرِ الذين تقاطروا إلى دولةِ الاحتلالِ معلنينَ وقوفَهم إلى جانبِها عن وصفِهِ لنا بالحيوانات؟!. وكيف أصمّوا آذانَهم عن تصريحِه الذي أعلن فيه عن أربعِ لاءاتٍ: "لا غذاء، لا ماء،، لا دواء، ولا وقود"، لو لم يكونوا متسلحينَ بالعقليةِ ذاتها، ولو لم يكونوا مسلحين بخلفيةِ دولهم الاستعماريةِ الأمبريالية. إنّ مشاركةَ تلك الدولِ بالعدوان و/أو صمتها عنه أخرجها من دائرةِ النفاقِ والكيلِ بمكيالينِ وأدخلَها في دائرةِ التنكّرِ للمبادئ التي قوننتها في دساتيرَ دوليةٍ في القانونِ الإنسانيّ الدوليّ، والقانونِ الدوليِّ لحقوقِ الإنسان، وميثاقِ هيئةِ الأمم المتحدة.

لا تختلفُ عقليةُ ضباطِ وجنودِ العدوِ عن عقليةِ وزيرِ حربهِم، بل ورئيسِ حكومتِهم المبنيةِ على عقيدةِ الانتقامِ من البشرِ والحجرِ والشجرِ والرقصِ على دمائنا. كيف يمكنُ النّظرُ إلى صورةِ جنديٍّ يعزف على أوتارِ جيتار (غَنِمَهُ)!! من داخلِ بيتٍ مدمّر فوقَ ركامِه. و كيف يمكنُ النّظرُ إلى جنديّ آخر وهو يهدي طفلَه في عيدِ ميلادِه تفجيرَ منزلٍ وتسويتَه بالأرضِ فوقَ رؤوسِ أطفالٍ في سنِّ طفله.

لم تضع الحربُ المتوحشةُ على قطاعِ غزّة بَعدُ أوزارَها، لكنّنا في اليوم الرابعِ للهدنةِ (الإنسانيةِ) بدأنا نرى بعضَ جوانبِ عمقِ الصورة. لا بدّ من رؤيةِ الجانبِ الإنسانيّ في مأساتنا. أمامَ أصواتِنا التي تعلو في وجهِ الطغيانِ حولَ الصمودِ، ورفضِ التهجيرِ إلى خارجِ حدودِ القطاعِ رفضاً لنكبةٍ ثانيةٍ، والموتِ تحتَ أرضِ فلسطين مقابلَ العيشِ فوقَ أرضٍ غيرها، هناك صوتٌ موازٍ لهذا الصوتِ يجب أن نسمَعَه، وإنّ كنّا تحتَ العدوانِ علّنا نبلسِمُ ما استطعنا من جراحِ المكلومين. يجب أن نسمَعَ صوتَ امرأةٍ عادت لتجلسَ فوقَ حطامِ منزلِها وهي تقول: "نحن صامدون هنا رغم أنّهم دمروا منزلنا الذي حَرِمتُ نفسي وأولادي من أشياء كثيرةٍ حتى أشيّده". وأن نسمعَ أيضا صوت فتاة تقول: "خرجت وأهلي من منزلنا والآن أعودُ إليه لوحدي". هل يمكن صمّ الآذانِ عن مئاتِ، بل آلافِ القصصِ التي تروى عن واقع حال الناس؟

هل هذا خطابُ تثبيطٍ عزائم أم خطابُ دعوةٍ للانتباهِ إلى عمقِ الصورة ؟!

في اليومِ الرابعِ للهدنةِ الإنسانيةِ بدأت تتكشّفُ بعضُ الظواهرِ السلبيةِ في مجتمعنا الفلسطيني في قطاع غزة تحت الحرب. في الحروبِ من الاستحالةِ تحصين المجتمعِ من بروزِ بعض المظاهرِ السلبيةِ، وإن كان شعبُنا الفلسطينيُّ كان قد قدّمَ صورةً إيجابيةً ومشرقةً قلَّ نظيرُها في الانتفاضةِ الأولى، حيث حصّنت الانتفاضةُ المجتمعَ وحمتُه من المظاهرِ السلبيةِ في سنواتِها الأولى، نتطلّع اليوم إلى استعادةِ تلك التجربةِ لتحصينِ جبهتنا الداخليةِ في القطاع، سواءً تجدّد العدوانُ (لا سمح الله) أو تحولت الهدنةُ إلى وقفٍ تامٍّ لإطلاقِ النار، وهذا ما نتمناه ونرجوه.

اعتقدُ أنّ أولَ شروطِ تحصينِ جبهتِنا الداخليةِ هو الحفاظُ على منظومةِ القيّمِ التي تربينا عليها، تلك القيم التي يُبنى عليها كلّ ما نتمناه من صورٍ مشرقةٍ في حياتنا. في الجانبِ المشرقِ لهذه القيّمِ جرى استنهاضُ ظاهرةِ التكافلِ الاجتماعيّ، حيث فتح أهالي المحافظاتُ الوسطى والجنوبيةُ بيوتَهم للمهجَّرين قسراً من محافظتي غزة والشمال، وإعادةُ الرّوحِ إلى العمل التطوعي كقيمةٍ من قيّم المجتمع الفلسطيني، لكنّ حجمَ التهجيرِ القسريّ من شمالِ القطاعِ إلى وسطِه وجنوبِه لن يكونَ بمقدورِ ذلك على أهميته حلّ المأساة التي عصفت في القطاع. في مقابلِ هذه الصورةِ المشرقةِ برزت صورةٌ سلبيةٌ تمثَّلَت في استغلالِ ضعافِ النفوسِ من التجارِ لحاجةِ النّاسِ للبضائعِ الأساسيةِ ورفعِ أسعارِها بشكلٍ جنونيّ.

في ظلّ غيابِ دورِ الأجهزةِ المكلّفةِ بإنفاذِ القانونِ لا بدّ من خلقِ البدائلِ الشعبيةِ التي تقوم بدورِ هذه الأجهزةِ على غرارِ اللجان التي تمّ تشكيلها في الانتفاضةِ الأولى، على أن تُحَدَّدَ مهامُها في الإشرافِ على أداءِ مراكزِ الإيواء، ونجدةِ العائلاتِ التي لم تجد ملجأ لها، وتقديمِ كلّ عونٍ لهم للتخفيفِ عنهم ومراقبةِ آلياتِ توزيعِ المساعدات، ومراقبةِ الأسواق، وتنظيم الطوابيرِ الطويلةِ أمامَ مراكز تعبئة الغاز وبيعِ المحروقاتِ والمخابز وغيرها، بالإضافة للعمل على حمايةِ الممتلكات الخاصة والعامة. إن تشكيل هذه اللجان يجب أن يكون منوطاً بلجان التنسيق الفصائلي في المحافظات، وهناك ضرورة قصوى لتشكيلها لأنّ العدوان لو انتهى اليوم، وهذا ما نرجوه، فإن آثاره لم تنتهي بانتهائه.

وجعُ غزّةَ عميقٌ ويجبُ العملُ على وقفِ جرحها النّازف اليومَ قبل الغد. بعيداً عن اللغةِ الدبلوماسيةِ التي يجب على كلِّ صاحبِ رأي أن يقطعَ صلتَه بها، وبخاصةٍ في وضعِ غزّة اليوم، فإنّ أهلّها/أهلنا الذين يشعرون بالخذلان، وبأنّهم تُرِكوا يواجهون مصائرَهم وحدهم، وبأنّ ما دفعوه من مالٍ وبنين وألم وحزنٍ وتهجير قسريّ داخليّ، وتخوّفٍ من تهجيرٍ خارجيّ، يُعلونَ الصوتَ اليوم لوقفِ هذه المجزرة، لذا يتوجب علينا أن نسمعَ صوتهم، مع تأكيدهم وتأكيدنا على أن لا يكون ثمن هذه التضحيات رفع راية بيضاء.

خلال أيامِ الهدنةِ حاولتُ رصدَ ما تكتبُه ضمائرُ النّاسِ هناك. كما وتواصلتُ مع العديدِ من الرفيقاتِ والرفاقِ والصديقاتِ والأصدقاءِ، لقد كتب الأصدقاءُ والصديقاتُ من الكتّاب، وتحدّث من تمكنتُ من الحديثِ معهم عن عمقِ الصورةِ، عن معاناةِ النّاس. يُقالُ أنّ "الشيطان يكمن في التفاصيل"؛ وهناك من التفاصيل ما يشيب منها الولدان. بالتأكيد أنّ الدعوةَ للصمودِ والتحدّي والعنادِ وصونِ الكرامةِ لا تنقطع، ولكنّ من حقِّ أهلنا في قطاعِ غزةَ علينا أن نسمعَ همسَهم، وأن نناضلَ من أجلِ وقف هذه الحرب العدوانية عليهم.

السلامُ على غزة وأهلها الصامدين

الرحمة والسلام للشهداء، ولهم المجد والخلود

وللجرحى الدعاء بالشفاء، وللمكلومين بجبر خواطرهم

ولشعبنا العظيم النصر والسلامة

* شاعر وكاتب صحفي.