الولايات المتحدة الأميركية شريك مباشر في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة | تأليف: د. ماهر الشريف

2024-02-01

 الولايات المتحدة الأميركية شريك مباشر في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 

| تأليف: د. ماهر الشريف - سنة النشر: 2024 - اللغة: عربي - عدد الصفحات: 14

لم يكن غريباً أن تبادر الولايات المتحدة الأميركية إلى دعم إسرائيل في حربها على قطاع غزة، وذلك لأنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت إسرائيل الدولة التي تلقت أكبر قدر من المساعدات من الولايات المتحدة، قُدّرت، في الفترة 1946-2023، بـ 260 مليار دولار أميركي، وفقاً لتقرير صدر عن الكونغرس في آذار/مارس 2023.

وكان أكثر من نصف هذا المبلغ مخصصاً للمساعدات العسكرية. ولم يقتصر الدعم الأميركي على الدعم المالي والعسكري، بل أيضاً شمل الدعم السياسي والدبلوماسي؛ إذ استخدمت الولايات المتحدة الأميركية - العضو الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة - مراراً وتكراراً حق النقض (الفيتو) لمعارضة الانتقادات والإدانات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية، وخصوصاً في الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة؛ فقد لجأت، في تاريخ مجلس الأمن، إلى حق النقض (الفيتو) أكثر من 80 مرة، كان أكثر من نصفها لحماية إسرائيل من الانتقادات الدولية.[1]

بيد أن الغريب في الدعم الأميركي لإسرائيل هذه المرة هو مشاركة الولايات المتحدة الأميركية، بصورة مباشرة، في الحرب التي تشنها إسرائيل، منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، على قطاع غزة وسكانه، وهي مشاركة اتخذت أشكالاً عديدة، سياسية وعسكرية ودبلوماسية، وهدفت لا إلى تحقيق الأهداف التي وضعتها إسرائيل لهذه الحرب فحسب، وفي مقدمها "تصفية" حركة "حماس"، بل أيضاً إلى ردع حلفاء هذه الحركة في الإقليم ومنعهم من توسيع نطاق المواجهة. وهناك، في الواقع، أمثلة نادرة لتدخل أميركي مباشر لمصلحة إسرائيل، إذ أقامت الولايات المتحدة الأميركية، خلال الحرب العربية-الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، جسراً جوياً لتزويد إسرائيل بالعتاد العسكري الحديث، وأرسلت إليها، عشية حرب الخليج سنة 1991، بطاريات صواريخ باتريوت للدفاع عنها في مواجهة الهجمات بصواريخ سكود العراقية.

إدارة جو بايدن: "من حق إسرائيل ومن مسؤوليتها الدفاع عن نفسها"

منذ يوم السبت، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، صرّح الرئيس جو بايدن بما يلي: "اليوم، وجد الشعب الإسرائيلي نفسه ضحية هجوم نفذته منظمة إرهابية، حماس؛ وفي مواجهة هذه المأساة، أقول له، وللعالم وللإرهابيين في العالم كله، إن الولايات المتحدة الأميركية متضامنة مع إسرائيل وإن دعمها لها ثابت." ثم أصدر البيت الأبيض بياناً صحافياً أكد فيه أن الولايات المتحدة الأميركية "مستعدة لتقديم المساعدة المناسبة لدعم حكومة وشعب إسرائيل"، التي "من حقها أن تدافع عن نفسها." وعاد الرئيس الأميركي ليؤكد، في 10 تشرين الأول/أكتوبر، أن "العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة عميقة"، وأن "دعم الولايات المتحدة لأمن إسرائيل قوي وثابت"، و"أننا سنفعل كل شيء كي تتمكن إسرائيل من الدفاع عن نفسها"، وأن "الأميركيين يسيرون جنباً إلى جنب مع الإسرائيليين." وفي 24 من الشهر نفسه، صرّح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خلال الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن الدولي: "نحن نعترف بحق، بل بواجب الدول، في أن تدافع عن نفسها في مواجهة الإرهاب"، مضيفاً أن حركة "حماس" التي تحاربها إسرائيل "لا تمثل الشعب الفلسطيني."[2].

وخلال الأيام الأربعة الأولى التي عقبت عملية المقاومة الفلسطينية، تحدث الرئيس الأميركي ثلاث مرات عبر الهاتف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكد، مساء يوم الأربعاء في 11 تشرين الأول/أكتوبر، أن إسرائيل "ليس لديها الحق فحسب، بل المسؤولية كذلك، في الدفاع عن نفسها بعد هجوم حماس." وتبنّى مجلس النواب الأميركي، من جهته، قراراً يؤكد دعم الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل التي "تدافع عن نفسها ضد الحرب الوحشية التي تشنها حماس وإرهابيون آخرون"، وهو القرار الذي حظي بتأييد 412 نائباً في مقابل معارضة 10 نواب.[3]

وبغية تمكين حكومة الحرب في إسرائيل من تحقيق أهدافها، لجأت إدارة الرئيس جو بايدن، منذ الأيام الأولى للحرب حتى الآن، إلى استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنعه من إصدار قرار بوقف إطلاق النار في قطاع غزة لأسباب إنسانية، الأمر الذي هزّ صورتها على الساحة الدولية، وجعلها معزولة تماماً على الجبهة الدبلوماسية، ودفع عدة مئات من أعضاء "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" إلى توجيه رسالة مفتوحة إلى البيت الأبيض تدعو إلى وقف إطلاق النار، وأظهر استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتد برس" ومركز NORC لأبحاث الشؤون العامة في الولايات المتحدة، في الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أن 50% فقط من الديمقراطيين يؤيدون سياسات جو بايدن بشأن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، بينما ارتفعت نسبة من يعارضونها من 40% إلى 46%، علماً بأن إطالة أمد الحرب يهدد بتآكل شعبية الرئيس بايدن أكثر فأكثر.[4]

المسارعة إلى تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة والمستشارين العسكريين

رافقت تصريحات المسؤولين الأميركيين، بشأن الدعم السياسي لحرب إسرائيل على قطاع غزة، أفعال ملموسة تمثّلت في إرسال سفينة مليئة بالذخائر وبتعزيزات للقبة الحديدية، وصلت إلى إسرائيل في 10 تشرين الأول/أكتوبر. وبين بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ونهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أرسلت واشنطن إلى تل أبيب 75,000 قذيفة مدفعية، و15,000 قنبلة ثقيلة، ووصل عدد شحنات الأسلحة الأميركية التي أُرسلت إلى إسرائيل عبر طائرات الشحن الضخمة، حتى 25 كانون الأول/ديسمبر 2023، إلى 244 شحنة، وتُضاف إليها 20 شحنة من الأسلحة التي وصلت إلى إسرائيل عبر البحر. كما أُتيحت الفرصة للجيش الإسرائيلي حتى يتزوّد من مخزون الأسلحة الأميركية الموجود في إسرائيل. وبغية تمويل هذه المساعدات العسكرية الهائلة، قدّمت إدارة الرئيس جو بايدن، في 20 تشرين الأول/أكتوبر، طلباً إلى الكونغرس بتخصيص مبلغ 14.1 مليار دولار لدعم إسرائيل.[5].

وعلى الرغم من أن شحنات الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل باتت محل خلاف كبير، حتى داخل البيت الأبيض نفسه، فإن إدارة الرئيس جو بايدن التفّت على الكونغرس، الذي من المفترض أن يبت في قرارات تصدير الأسلحة، في 9 كانون الأول/ديسمبر الفائت، ولجأت إلى سلطات الطوارئ كي تزوّد إسرائيل بـ 14,000 قذيفة لدباباتها من نوع ميركافا بقيمة 147.5 مليون دولار. [6]

ولم تكتفِ الإدارة الأميركية بإرسال هذه الكميات الكبيرة من الأسلحة إلى إسرائيل، بل أيضاً بعثت إليها مستشارين عسكريين، بمن فيهم الجنرال جيمس جلين من مشاة البحرية، لمساعدتها في غزوها لقطاع غزة، كما بعثت إليها قوات كوماندوز لتحديد مكان الرهائن المحتجزين لدى حركة "حماس"، وقامت، لهذا الغرض نفسه، بتسيير طائرات من دون طيار فوق قطاع غزة.[7]

وكان الرئيس الأميركي قد قام، في 18 تشرين الأول/أكتوبر، بزيارة إسرائيل كي "يؤكد تضامن بلاده معها"، وذلك في سابقة لقيام رئيس أميركي بزيارة هذا البلد في أوقات الحرب، ثم أوفد مرات عديدة إلى إسرائيل وزير خارجيته أنتوني بلينكن، ووزير دفاعه لويد أوستن، ومستشاره للأمن القومي جيك سوليفان، الذين كانوا يشاركون شخصياً في اجتماعات مجلس الحرب الإسرائيلي.

ردع حلفاء حركة "حماس" والحؤول دون وقوع حرب إقليمية

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتحسباً من اندلاع مواجهة شاملة في الإقليم، حذّر الرئيس جو بايدن حلفاء حركة "حماس"، وخصوصاً إيران، من التدخل العسكري إلى جانبها قائلاً: "إلى أي طرف يفكر في الاستفادة من الوضع، ليس لدي سوى كلمة واحدة لأقولها: لا تفعل ذلك، لا تفعل ذلك." وأعلن وزير خارجيته أنتوني بلينكن، في الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن في 24 من الشهر نفسه "أن نزاعاً أكثر اتساعاً سيكون كارثياً ليس فقط على الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أيضاً على سكان المنطقة وعلى العالم بأسره." وكان البنتاغون قد أعلن، في 8 تشرين الأول/أكتوبر، أنه سيرسل اثنين من أقوى أنظمة الدفاع الصاروخي لديه إلى الشرق الأوسط: بطاريات الدفاع الصاروخي عالي الارتفاع "ثاد"، وبطاريات صواريخ باتريوت، كما وضع آلاف القوات الأميركية في حالة تأهب للانتقال إلى المنطقة إذا لزم الأمر، ثم أرسل حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" وأعلن، في 14 تشرين الأول/أكتوبر، إرسال حاملة طائرات ثانية هي "يو إس إس دوايت دي أيزنهاور" إلى البحر الأبيض المتوسط، وتحمل كل واحدة منهما أكثر من 70 طائرة. وبعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وصل الانتشار البحري الأميركي في البحرين الأحمر والأبيض المتوسط إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، إذ أُضيف إلى حاملتَي الطائرات مجموعة من المدمرات وغواصة نووية.[8].

وفي 26 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن البنتاغون إرسال نحو 900 جندي أميركي إضافي إلى الشرق الأوسط، وذلك بعد استهداف القواعد العسكرية الأميركية في العراق وسورية 16 مرة على الأقل خلال أسبوع، وهو ما أدى إلى إصابة 21 جندياً أميركياً بجروح طفيفة. وفضلاً عن زيادة عدد جنودها، فقد اتخذت الولايات المتحدة الأميركية إجراءات أُخرى لحماية وجودها في الشرق الأوسط؛ إذ نفذت ضربات جوية انتقامية محدودة ضد مواقع الميليشيات المسلحة في العراق وسورية، وضاعفت عدد الدوريات وجمع المعلومات الاستخبارية عبر الطائرات من دون طيار، وتعزيز مراقبة قواعدها العسكرية.[9]

وفي مواجهة هجمات الحوثيين على السفن التجارية، الإسرائيلية أو المتوجهة إلى إسرائيل، في البحر الأحمر، والتي أدت إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية، وتسببت بتحويل مسار بعض السفن حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في أوقات الشحن وتكاليفه، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، في أثناء تجواله في الشرق الأدنى والأوسط، مساء الاثنين في 18 كانون الأول/ديسمبر 2023، تشكيل تحالف متعدد الجنسيات باسم "عملية حارس الازدهار"، لتأمين حرية النقل البحري في المنطقة.[10] وشنت الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع بريطانيا، منذ 11 كانون الثاني/يناير الجاري، عشرات الهجمات الصاروخية على مواقع الحوثيين في اليمن، استخدمت فيها، بحسب مسؤول أميركي رفض الكشف عن اسمه، طائرات وسفناً حربية وغواصات. وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن في بيان أنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات أُخرى إذا لزم الأمر، معتبراً أن "هذه الضربات تمثّل رسالة حاسمة بأن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها لن يسمحا بمهاجمة جنودهما، كما لن يسمحا لأطراف معادية بتهديد حرية الملاحة."[11]

وعلى الرغم من أن حزب الله بادر، منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبهدف إسناد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، إلى شن هجمات عسكرية محدودة من حيث طبيعة الأسلحة المستخدمة فيها وعمق الأراضي المستهدفة داخل حدود إسرائيل، واجهها الجيش الإسرائيلي بهجمات محدودة كذلك على مواقع الحزب داخل الأراضي اللبنانية، فإن إدارة الرئيس جو بايدن اختارت الخيار الدبلوماسي للتدخل في هذه المواجهة، وأوفدت الموفد الرئاسي آموس هوكشتاين مرات عديدة إلى المنطقة لنزع فتيل تحوّل هذه المواجهة المحدودة إلى حرب شاملة بين لبنان وإسرائيل، والتوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البرية بينهما.[12] وفي 7 كانون الثاني/يناير الجاري، خصص وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن جولته على عدد من دول المنطقة للحؤول دون اندلاع هذه الحرب، وذلك بعد تصاعُد التوتر بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، في إثر قيام مسيّرة إسرائيلية، في الثاني من الشهر نفسه، باغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" صالح العاروري في مكتبه الواقع في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت.[13]

وعلى الرغم من أن هذه المواجهات بين حلفاء حركة "حماس" في الإقليم من جهة، والقوات الأميركية والإسرائيلية من جهة أُخرى، لا تزال "مضبوطة" ضمن حدود معينة، فإن إمكان اتساع نطاقها يظل قائماً على جبهة من الجبهات أو على مستوى الإقليم بالكامل، جرّاء حادث معين، كالذي حدث مساء 28 كانون الثاني/يناير الجاري، عندما قامت مسيّرة بشن هجوم على قاعدة أميركية في مثلث الحدود الأردنية-السورية-العراقية، أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق مسؤوليتها عنه، وأسفر عن مقتل 3 جنود أميركيين، وإصابة نحو 34 آخرين بجروح، الأمر الذي دفع الرئيس جو بايدن إلى اتهام "مجموعات من المقاتلين الراديكاليين المدعومين من إيران، والعاملين في سورية والعراق" بتنفيذه، وإلى التصريح بأنه "ما من شك بأننا سنقوم بتدفيع جميع المسؤولين [عن هذا الهجوم] الثمن، في الوقت الذي نريده وبالطريقة التي نريدها."[14]

التغطية على المشاركة المباشرة في الحرب وتصوّر ما يُسمى بـ "اليوم التالي"

بغية تغطية مشاركتها المباشرة في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والحد من تراجع شعبيتها في الداخل ومن عزلتها في الخارج، حاولت إدارة الرئيس جو بايدن أن تُظهر، من جهة، أن استمرار دعمها العسكري لإسرائيل مشروط بسماح هذه الأخيرة بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأن تبيّن، من جهة ثانية، إصرارها على أن تقوم حليفتها بالحد، قدر الإمكان، من وقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين.

فلدى وصول أول قافلة مكوّنة من 20 شاحنة تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصدر أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركية، بياناً صحافياً شكر فيه مصر وإسرائيل "على تسهيل المرور الآمن لهذه الشحنات عبر معبر رفح الحدودي"، مؤكداً أن "افتتاح طريق الإمداد الحيوي هذا هو نتيجة لعدة أيام من العمل الدبلوماسي الأميركي الشامل في المنطقة، والاتفاق الذي توصل إليه الرئيس بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته التاريخية الأخيرة إلى إسرائيل"، وأن بلاده ستواصل العمل بصورة وثيقة مع شركائها في المنطقة "لدعم قوانين الحرب، ودعم أولئك الذين يحاولون الوصول إلى الأمان أو تقديم المساعدة، وتسهيل الوصول إلى الغذاء والماء والرعاية الطبية والمأوى للمواطنين أينما كانوا في غزة."[15] بيد أن الإدارة الأميركية لم تمارس، في الواقع، ضغطاً جدياً على حكومة الحرب الإسرائيلية يجبرها على تخفيف القيود التي وضعتها على إدخال المساعدات الإنسانية إلى الغزيين، فبقيت هذه المساعدات عاجزة عن تلبية حاجاتهم الأساسية، الأمر الذي جعلهم يعانون جرّاء المجاعة ونقص المياه، ويتعرضون لجملة من الأمراض والأوبئة، وهو ما صارت تحذّر منه بشدة الأمم المتحدة ووكالاتها العاملة في القطاع، والتي تطالب بإلحاح بفتح طرق دخول جديدة للمساعدات، وعبور عدد أكبر من الشاحنات الحدودَ كل يوم، وتخفيف القيود المفروضة على حركة العاملين في المجال الإنساني، وتوفير الضمانات الأمنية للأشخاص الذين يحصلون على المساعدات ولمن يقومون بتوزيعها.[16].

ومؤخراً، وخلافاً لمواقفها الداعية إلى زيادة تدفق المساعدات إلى سكان القطاع، أقدمت الإدارة الأميركية على تعليق دعمها المالي لوكالة الأونروا، وهي المنظمة الدولية التي تقدّم أكبر المساعدات إلى سكان قطاع غزة، وذلك بعد أن اتهمت الحكومة الإسرائيلية بعض موظفي هذه الوكالة بالانتساب إلى حركة "حماس" والمشاركة في عملياتها العسكرية.

ومن ناحية أُخرى، وبينما دعت الإدارة الأميركية حليفتها إلى الحد من استهداف المدنيين الفلسطينيين، حتى إن وزير خارجيتها أنتوني بلينكن وجّه، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2023، انتقاداً علنياً إلى إسرائيل جرّاء سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، مؤكداً أنه "من الضروري أن تولي إسرائيل أهمية لحماية المدنيين"، وصرّح البيت الأبيض، في الوقت نفسه، أن جو بايدن "شدد على الحاجة الأساسية إلى حماية المدنيين وفصل السكان المدنيين عن حماس، ولا سيما من خلال ممرات تسمح للناس بالتحرك بأمان خارج مناطق القتال"، واستمر سقوط أعداد كبيرة من المدنيين على يد آلة الحرب الإسرائيلية؛ إذ بلغ عدد الشهداء حتى كتابة هذه السطور نحو 26,000، وذلك لأن الإدارة الأميركية، على الرغم من مواقفها هذه، فإنها استمرت في معارضة وقف إطلاق النار في الحرب التي تشنها إسرائيل بذريعة أن "هذا سيكون في مصلحة حماس."[17]

أمّا بشأن تصوّر ما سمي بـ "اليوم التالي" للحرب، فقد رسمت إدارة جو بايدن معالم خطة سياسية تتمايز فيها عن مواقف حكومة الحرب الإسرائيلية. صحيح أنها تبنّت هدف حكومة بنيامين نتنياهو الرامي إلى تصفية القدرات العسكرية لحركة "حماس" ومنع استمرارها في حكم قطاع غزة، لكنها اختلفت عن مواقف هذه الحكومة فيما يتعلق بمستقبل دور السلطة الفلسطينية وإمكان عودتها، بشروط، إلى حكم قطاع غزة على قاعدة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن كيان سياسي واحد، وهو ما ترفضه بشدة حكومة بنيامين نتنياهو التي تريد أن تبقي السيطرة الأمنية الكاملة على قطاع غزة في يدها، وترفض رفضاً قاطعاً أي دور للسلطة الفلسطينية في حكم القطاع. ففي الكلمة التي ألقاها أمام اللجنة المالية في مجلس الشيوخ في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلن الوزير أنتوني بلينكن أن رهان الإدارة الأميركية هو أن تقوم "سلطة فلسطينية فعالة ومتجددة بتولي الحكم وتتحمّل، في نهاية المطاف، المسؤولية الأمنية في غزة."

بينما أكد الرئيس جو بايدن نفسه، في مقال نُشر في صحيفة "واشنطن بوست" في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أنه "يجب جمع غزة والضفة الغربية معاً تحت هيكل حكم واحد تقوده، في نهاية المطاف، سلطة فلسطينية متجددة"، تعمل على التوصل إلى اتفاق مع حكومة إسرائيلية يفضي إلى إحياء حل الدولتين. وتعليقاً على اللقاء الذي عقده مستشار مجلس الأمن القومي جيك سوليفان مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة رام الله، في 15 كانون الأول/ديسمبر 2023، صرّح جون كيربي، المتحدث باسم هذا المجلس، بأن نقاشهما "تناول الشكل الذي يجب أن تبدو عليه غزة بعد الحرب، وكيف ستتم إدارتها، وسبل تحديث السلطة الفلسطينية وتجديدها كي تتمكن من تحمل المسؤولية عن مستقبل الشعب الفلسطيني." وأشار مسؤولون أميركيون كبار، من جهة أُخرى، إلى أن إدارة بايدن تريد "إجراء إصلاحات واسعة النطاق في السلطة الفلسطينية"، ولا سيما "من خلال ضخ دماء جديدة" في المؤسسة السياسية، و"إدخال أشخاص جدد أصغر سناً يتمتعون بمهارات إدارية إلى دوائر صنع القرار، ويمكنهم الفوز بدعم الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً، وبثقة المجتمع الدولي"، كما يمكنهم الحصول على "مساعدة دول الخليج اقتصادياً."[18] وتحاول الإدارة الأميركية ربط مستقبل قطاع غزة السياسي بتطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وهو ما نوقش، كما يبدو، خلال اللقاء الذي جمع وزير خارجيتها أنتوني بلينكن بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في مدينة العُلا في 8 كانون الثاني/يناير الجاري، إذ أعلن الوزير الأميركي للصحافيين، قبل توجهه إلى إسرائيل، أنه لمس "اهتماماً واضحاً" بمتابعة مفاوضات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، التي كانت المملكة قد علّقتها بعد أسبوع من بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأضاف أن هناك "إجماعاً واسعاً" بين قادة دول المنطقة بشأن "أن الإسرائيليين يجب أن يكونوا قادرين على العيش في سلام وأمن، وأن الضفة الغربية وقطاع غزة يجب أن تتحدا تحت الحكم الفلسطيني، وأنه يجب إنشاء دولة فلسطينية مستقلة." وفي اليوم التالي، صرّح السفير السعودي في لندن، الأمير خالد بن بندر، في مقابلة مع "بي بي سي"، أن المملكة "مهتمة بالتطبيع مع إسرائيل منذ طرح مشروع الملك فهد في سنة 1982"، لكنها "لا تستطيع أن تعيش مع إسرائيل من دون دولة فلسطينية"، مضيفاً "أن التطبيع لا يمكن أن يكون على حساب الفلسطينيين."[19]

في 18 كانون الثاني/يناير الجاري، أعلن البيت الأبيض، عقب المكالمة الهاتفية التي جرت بين بنيامين نتنياهو وجو بايدن، أن "الرئيس ناقش أيضاً رؤيته لتحقيق سلام وأمن واستقرار أكثر لإسرائيل من خلال تعميق اندماجها في المنطقة لدى التوصل إلى اتفاق في إطار حل الدولتين"، وأعلن الرئيس الأميركي للصحافيين، عقب تلك المكالمة، أنه "ليس من المستحيل تحقيق حل الدولتين، حتى عندما يكون نتنياهو في السلطة، ذلك أن هناك أنواعاً مختلفة من حل الدولتين، وهناك دول أعضاء في الأمم المتحدة ليس لديها جيش، كما أن هناك دولاً أُخرى فُرضت عليها قيود؛ لذا، أعتقد أنه توجد طرق يمكن سلوكها لضمان نجاح الأمر." وعرض مستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، معالم هذه الرؤية في كلمته أمام مؤتمر دافوس، والتي انطوت على "اعتقاد الولايات المتحدة أنه يجب أن تؤدي الحرب إلى خلق واقع إقليمي يضمن الأمن لإسرائيل والدولة المستقلة للفلسطينيين"، وأن مسألة تسريع عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، بما فيها السعودية، يرتبط "بتوفير أفق سياسي للفلسطينيين"، وأن أفضل الطرق لضمان الأمن الإسرائيلي "كامن في حل الدولتين."[20]

خاتمة:

في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كتب المحلل السياسي الإسرائيلي رون بن يشاي مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرونوت" حمل عنواناً معبّراً هو: "إسرائيل والولايات المتحدة تخرجان للمرة الأولى إلى الحرب سوياً، ولذا فالجيش الإسرائيلي مطالب بالانتظار"، قدّر فيه أن الأميركيين هم "في خضم معركة إقليمية، يحمون في إطارها، كلاً من قواتهم وإسرائيل من هجمات التنظيمات الدائرة في فلك إيران"، مرجعاً حاجة الأميركيين إلى الانخراط إلى هذا الحد في الحرب الدائرة "إلى التآكل الخطِر في قدرة الردع الإسرائيلية إزاء دول الإقليم"، في أعقاب نجاح الهجوم الذي نفّذته حركة "حماس" في بلدات غلاف غزة.

وخلص هذا المحلل إلى أن هذه الشراكة التي "تجري بصورة كبيرة، بناء على الطلب الإسرائيلي، تُلزم الحكومة والمنظومة الأمنية الإسرائيليتين بالإصغاء إلى الطلبات والنصائح الأميركية"، و"الاستجابة لمطالب واشنطن، وهي تصرّ على أسنانها، وتعلم، بوضوح، أنها من دون هذه الشراكة العملياتية والمساعدة اللوجستية، ستلاقي صعوبات في الصمود في حرب متعددة الجبهات، وخصوصاً إذا ما قررت إيران وحزب الله تصعيد الأمور إلى حد تصل فيه إلى حرب شاملة."[21].

والواقع أن الشعور السائد في إسرائيل هو أن طبيعة العلاقات الأميركية-الإسرائيلية شهدت تغيّراً جرّاء الحرب الدائرة حالياً، وهو ما عبّر عنه المحلل يوآب برومر، في مقال نشره في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وذلك عندما أشار إلى أن الدعم الأميركي التاريخي لإسرائيل استند في الماضي "إلى الافتراض أن إسرائيل ليست في حاجة إلى دعم، بمعنى أنه يكفي أن توفّر الولايات المتحدة لإسرائيل وسائل القتال، أمّا الأخيرة، فهي ستحقق النصر بقدراتها الذاتية"، وهذا هو ما جعل إسرائيل "بعكس كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ودول حلف شمال الأطلسي، لم تحتَج أبداً إلى مظلة نووية، أو إلى وجود القوات الأميركية كي تدافع عن أراضيها"، لكن إسرائيل تعيش الآن - كما تابع - في حلقة مفرغة، "فإذا تم النظر إليها، للمرة الأولى في حياتها، بصفتها في حاجة إلى الولايات المتحدة كي تنقذها، أو على الأقل، كي تقدم لها المساعدة لحماية نفسها من حزب الله، فإن نجاعتها الاستراتيجية ستتقوض، في نظر كثيرين من الأميركيين؛ وفي المقابل، ليس من المؤكد أن تتمكن إسرائيل من الخروج منتصرة من المواجهة المتعددة الجبهات، من دون هذا التدخل العسكري."[22]

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء هذين التحليلين الإسرائيليين هو: هل هذا التطور الذي طرأ على العلاقات الأميركية - الإسرائيلية يعني أن الولايات المتحدة الأميركية باتت أكثر قدرة على ممارسة الضغوط السياسية على الحكومة الإسرائيلية بحيث تدفعها إلى قبول التصور الأميركي لـ "اليوم التالي" للحرب على غزة؟ لكن قبل ذلك؛ هل إدارة جو بايدن معنية فعلاً، هذه المرة، بالتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على قاعدة حل الدولتين في إطار ترتيبات إقليمية تفضي إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وخصوصاً بين إسرائيل والسعودية؟

وفي خضم أحداث الانتفاضة الثانية، وبينما كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن تستعد لغزو العراق، طرحت في سنة 2003، في إطار مشروع ترتيبات إقليمية، ما سُمي بـ "خارطة الطريق" لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على ثلاث مراحل، بحيث يتم "إصلاح" السلطة الفلسطينية، وتشجيعها على محاربة "الإرهاب"، على أن تقوم في نهاية المرحلة الثالثة، في حدود سنة 2005، دولة فلسطينية. واليوم، وبينما تستمر الإدارة الأميركية في تجهيز جيش الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يحتاج إليه من أحدث أنواع الأسلحة، وتغطي سياسياً ودبلوماسياً استمرار حربه على قطاع غزة، ترمي "جزرة" إلى السلطة الفلسطينية عبر دعوتها إلى استلام الحكم في قطاع غزة بعد "تجديدها"، وبعد أن تكون آلة الحرب الإسرائيلية قد "قضت" على حركة "حماس"، وتلوّح لها مجدداً بـ "حل الدولتين"؛ فهل هناك داخل السلطة الفلسطينية من هو على استعداد لتلقف هذه "الجزرة"؟

* عن المؤلف:

ماهر الشريف: مؤرخ فلسطيني، دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس الأولى. باحث متفرغ في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى- بيروت.