لماذا إستهدفت القوات الإسرائيلية الصحفيين في حربها على غزة

2024-02-04

كتب/ جهاد عقل   

بإعلان الحرب على غزة ، ودخول قواتها الى قطاع غزة، ونحن نتابع ظاهرة غير عادية بما يتعلق بإستهداف قواتها للصحفيين وطواقم الإعلام.

وبالرغم من مراوغة الناطقين بإسم الجيش الإسرائيلي، ومحاولة التنكر لهذا الإستهداف، لكن الحقائق تؤكد ذلك، وأعداد الصحفيين وطواقم الإعلام الذين دفعوا حياتهم وهم يقومون بواجبهم الإعلامي، تخطى المائة شهيد لرسالتهم الإعلامية، وفي الوقت نفسه الذي قام هؤلاء الصحفيون بواجبهم بشجاعة من أجل نقل الحقائق للجمهور محلياً وعالمياً، لاحظنا ما تقوم به وسائل الإعلام المحلية - "الاسرائيلية"- من تعتيم على ما يجري في غزة، ومنع الجيش الإسرائيلي الطواقم الصحفية الأجنبية من دخول شمالي غزة.

لقد برزت حادثة الصحفي وائل الدحدوح ، يوم قامت قوات الإحتلال بقصف بيته في 25 تشرين أول 2023 مما أدى الى إستشهاد عدد من أفراد عائلته ومنهم زوجته وإبنه وإبنته، وبعدها تعرضه وزميله الى حالة قصف أدت الى إصابته ومن ثم استشهاد إبنه الصحفي حمزة الدحدوح.

وفي 6 كانون أول 2023 استشهد والدا وأشقاء وعدد آخر من أفراد عائلة الصحفي مؤمن الشرافي جراء قصف المنزل الذي نزحا اليه. كما جرى قصف بيت عائلة الصحفي أنس الشريف يوم 11 كانون اول 2023 مما ادى الى إستشهاد والده.

هذه بعض الأمثلة لما تعرض له الصحفيون في غزه في هذه الحرب الضارية والتي ما زالت جارية ، ووفق رصد نقابة الصحفيين الفلسطينيين بخصوص ما تعرض له الإعلاميون في غزة حتى اليوم المائة من الحرب، إتضح أنه سقط 112 شهيداً من الصحفيين والعاملين في الإعلام ، وأن 1200 صحفي هُجروا من منازلهم ، وأن 56 صحفياً إعتقلوا منذ السابع من اكتوبر ، هذا غير الذين فقدوا أفراد عائلاتهم.

ووفق ما نشرته ال "بي بي سي" بتاريخ 1/1/2024 خلال مقارنه لها بين عدد الصحفيين الذين فقدوا حياتهم في الحرب على غزة وبين عدد الصحفيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية جاء ما يلي: ”ويفوق عدد الصحفيين الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في قطاع غزة خلال أقل من ثلاثة أشهر، عدد الإعلاميين (69) الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية خلال ست سنوات (1939 و1945) والتي توصف بأنها الأكثر دموية التي شهدها العالم الحديث".

مواقف النقابات والمنظمات الصحفية العالمية – مقاضاة اسرائيل

على ضوء إستمرار الإعتداء على الصحفيين والطواقم الإعلامية من قبل الجيش الإسرائيلي بادرت منظمة "مراسلون بلا حدود" ، بتقديم شكوى الى المحكمة الجنائية الدولية في مدينة لاهاي بهولندا يوم 22 كانون أول 2023 والمطالبة بإتخاذ إجراءات والتحقيق بما تعرض له الصحفيون في غزة من قبل القوات الإسرائيلية ، وتشمل الشكوى أسماء سبعة من الصحفيين الذين قُتلوا في الحرب، فيما يلي نص البيان الصادر عن هذه المنظمة:

"مراسلون بلا حدود ترفع شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم الحرب المرتكبة ضد الصحفيين في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول"

رفعت مراسلون بلا حدود شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن ارتكاب جرائم حرب، حيث يتضمن الملف الذي تقدمت به المنظمة حالات سبعة صحفيين فلسطينيين قُتِلوا في غزة بين 22 أكتوبر/تشرين الأول و15 ديسمبر/كانون الأول 2023، كما ناشدت المدعي العام بالتحقيق في حالات جميع الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتِلوا على يد الجيش الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، والذين لا يقل عددُهم عن 66 قتيلاً حتى الآن.

أمام المأساة المستمرة في غزة، رفعت مراسلون بلا حدود شكوى جديدة إلى المحكمة الجنائية الدولية في 22 ديسمبر/كانون الأول 2023 بشأن جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حق سبعة صحفيين فلسطينيين، إذ لدى منظمتنا ما يكفي من الأسباب المعقولة للاعتقاد بأن الصحفيين الذين تشملهم هذه الشكوى سقطوا ضحايا هجمات تندرج ضمن نطاق جرائم الحرب. فوفقاً للأدلة التي استقتها مراسلون بلا حدود، هناك مؤشرات عن استهداف هؤلاء الصحفيين عمداً بسبب عملهم الإعلامي، وهو ما دفعها لوصف مصرعهم بالقتل المتعمَّد للمدنيين.

وفيما يلي قائمة الصحفيين القتلى الواردة أسماؤهم في الشكوى التي تقدمت بها مراسلون بلا حدود:

· عاصم البرش (المحطة الإذاعية الفلسطينية "راديو النجاح") - اغتيل برصاص قناص من الجيش الإسرائيلي.

· بلال جاد الله (بيت الصحافة-فلسطين) - اغتيل جرَّاء غارة إسرائيلية أصابت سيارته مباشرة أثناء مغادرته مكان عمله.

· منتصر الصواف - استهدف القصف الإسرائيلي منزله مرتين.

· رشدي سرّاج - قُتل جرَّاء القصف الإسرائيلي الذي استهدف منزله.

· حسونة سالم (صحيفة قدس نيوز) - قُتل بصاروخ إسرائيلي بعد تلقيه تهديدات بالقتل.

· ساري منصور (مصور قدس نيوز) - قُتل في نفس الهجوم بصاروخ إسرائيلي بينما كان مع زميله حسونة سالم.

· سامر أبو دقة (مراسل الجزيرة) - يبدو أنه اغتيل بقذيفة إسرائيلية من طائرة بدون طيار، وهو الهجوم الذي أصيب فيه مدير مكتب الجزيرة، وائل الدحدوح.

فبموجب القانون الدولي، يُعتبَر الصحفيون من السكان المدنيين وبالتالي فإنهم يجب أن يتمتعوا بنفس الحماية، إلى جانب الحماية الخاصة التي ينبغي أن تُمنح لهم طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2222، علماً أن جميع الصحفيين الضحايا المذكورين في هذه الشكوى كانوا بكل الأحوال ضحايا لهجمات على سكان مدنيين، إذ لم يشاركوا في أي اشتباكات أو أعمال عدائية، وبالتالي سيكون الأمر بيد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لتحديد طبيعة هذه الجرائم بدقة خلال التحقيق، واختيار أوصاف أخرى قد تنطبق على هذه الحالات.

هذا وكانت مراسلون بلا حدود قد رفعت شكوى أولى إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول، وتتعلق بارتكاب جرائم حرب في حق سبعة صحفيين قُتلوا منذ السابع من ذلك الشهر. وتدعو مراسلون بلا حدود المدعي العام في الشكوتين إلى التحقيق في حالات جميع الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتِلوا منذ اندلاع هذه الحرب، والذين لا يقل عددُهم عن 66 قتيلاً حتى الآن وفقاً للمعلومات المتوفرة لدينا.

إذ تأخذ مراسلون بلا حدود علماً بالمذبحة التي تطال الصحفيين في غزة، وتلاحظ العمليات التي يبدو أنها تستهدفهم عمداً، فإنها تناشد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، السيد كريم خان، ليوضِّح بما لا يدع مجالاً للشك أنه يعطي الأولوية لتسليط الضوء على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في غزة ومحاسبة مقترفيها

كريستوف ديلوار

الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود

يُذكر أن هذه هي الشكوى الثالثة من نوعها التي تتقدم بها مراسلون بلا حدود إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في فلسطين منذ عام 2018. فبالإضافة إلى تلك التي تقدَّمت بها في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت المنظمة قد رفعت الشكوى الأولى إلى هذه المحكمة في مايو/أيار 2018 وتمحورت حول الصحفيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا في القطاع خلال "مسيرات العودة" في غزة، بينما قُدِّمت الثانية في مايو/أيار 2021 في أعقاب قصف الجيش الإسرائيلي لمباني نحو 20 وسيلة إعلامية في قطاع غزة، كما دعمت منظمتنا الشكوى التي رفعتها الجزيرة إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في الضفة الغربية بتاريخ 11 مايو/أيار 2022”.

الإتحاد الدولي للصحفيين يتوعد بمقاضاة إسرائيل.

أما الإتحاد الدولي للصحفيين وهو أكبر تجمع نقابي للصحفيين في العالم فقد بعث برسالة يوم 29 كانون ثاني 2024 ،الى كل من بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية والى وزير الدفاع يوآف غالانت وغيرهم من الساسة والعسكريين، يتوعد فيها بأنه سيقوم بمقاضاتهم بخصوص مواصلة الإعتداء على الصحفيين وإستهداف حياتهم فيما يلي نص بيان هذا الإتحاد ونص الرسالة التي بعثها لنتنياهو وغلانت:

"الاتحاد الدولي للصحفيين يتوعد بمقاضاة إسرائيل في حالة استهداف الصحفيين

سيتخذ الاتحاد الدولي للصحفيين إجراءات قانونية ضد السياسيين والقادة العسكريين الإسرائيليين، إذا لم يلتزموا باحترام أوامر محكمة العدل الدولية، فيما يتعلق باستهداف الصحفيين. بعث الاتحاد الدولي للصحفيين، ممثلا برئيسته "دومينيك برادالي" وأمينه العام "أنطوني بيلانجي"، رسالة إلى رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزيرالدفاع "يوآف غالانت" في الحكومة الإسرائيلية، أبلغاهما فيها أن أعضاء الاتحاد الدولي للصحفيين البالغ عددهم 600 ألف يعتبرون الصحفيون في غزة زملاء لهم”.

أما نص الرسالة فكان كالتالي:”

السيد بنيامين نتنياهو / رئيس الوزراء الإسرائيلي

السيد يوآف غالانت / وزير الدفاع الإسرائيلي

نكتب إليكم نيابة عن الاتحاد الدولي للصحفيين الذي يمثل 600.000 صحفي يعملون في أكثر من 140 دولة حول العالم

يتضمن دستور الاتحاد الدولي للصحفيين، على أنه من مسؤوليات اتحادنا أن نحمي حقوق الصحفيين وحريتهم والدفاع عن حرية الاعلام واستقلالية الصحافة. إن نقابة الصحفيين الفلسطينيين هي من المنظمات النقابية الأعضاء، والصحفيين من 140 دولة حول العالم يعتبرون الصحفيون الفلسطينيون زملاء لهم.

لقد تابعنا بقلق بالغ العدد المتزايد من حالات القتل المسجلة بين الصحفيين في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر. ولا بد أنكم تعلمون أن حصيلة القتلى تمثل ما يقرب من عشرة بالمائة من الصحفيين العاملين في القطاع.

نحن نعلم أن إسرائيل ردت على اجتياح حماس واحتجازها لرهائن إسرائيليين وقيامها بأعمال فظيعة. ومع ذلك، فقد كانت حالات القتل بين الصحفيين- حوالي ثلاثة أضعاف حالات القتل بين العاملين في مجال الصحة-على سبيل المثال- لدرجة تجعل من المستحيل تصديق أن هذا مجرد صدفة.

هناك عدة تقارير تفيد بأن قوات الدفاع الإسرائيلية تستخدم أنظمة استهداف متطورة للغاية ومعززة بالذكاء الاصطناعي، مثل نظام "غوسبل". إذا كانت هذه التقارير دقيقة، هل نفهم أن القرارات التي يتم اتخاذها باستهداف الصحفيين والإعلاميين تتم بناء على فحص كل شخص وحاله بشكل مستقل؟

كما أننا تابعنا طلب محكمة العدل الدولية من إسرائيل "باتخاذ جميع التدابير الممكنة للكف عن قتل الفلسطينيين بما يخالف اتفاقية الإبادة الجماعية" وإبلاغ المحكمة بالسياسات التي اعتمدتها حكومتكم لتحقيق هذه الغاية.

نكتب إليكم لتذكيركم بأن القانون الدولي يتطلب من الدول بذل كل ما في وسعها لحماية المدنيين، ويجب ان تتم معاملة الصحفيين كمدنيين. ونحن ندعوكم الآن إلى وضع سياسات وإجراءات محددة لضمان امتثال الأفراد العسكريين الإسرائيليين لهذا المطلب ونشرها على الملأ.

نأمل أن تكون الإنسانية والرغبة في تعزيز الإعلام الحر كافيين لإقناعكم باتخاذ هذه الخطوات. ومع ذلك، إذا لم يحدث ذلك، فلن نتردد في رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية ضد السياسيين الإسرائيليين وقيادة الجيش الإسرائيلي، ونشجع أعضائنا البالغ عددهم 187 منظمة نقابية وطنية للصحفيين للقيام بذات الشيء حيثما تسمح ألياتهم القضائية الوطنية بذلك.

بإخلاص،

دومينيك برداليي/ رئيسة الاتحاد الدولي للصحفيين

أنظوني بيلانجي/ أمين عام الاتحاد الدولي للصحفيين

المطالبة برفع الحظر ودخول الصحافة الدولية

كما طالب "الإتحاد الدولي للصحفيين" الحكومة الإسرائيلية، برفع الحظر الذي فرضته على دخول الصحافة الدولية الى غزة ، وذكر الإتحاد في طلبه هذا بأن قرار المحكمة العليا الذي تقدم به ممثلو الصحافة الأجنبية غير مقنع ومما جاء في بيان أتحاد الصحفيين وهو كما ذكرنا أكبر تجمع نقابي دولي التالي: ”رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا يوم 9 كانون الثاني/يناير التماسا تقدمت به "رابطة الصحافة الأجنبية" في القدس، للسماح للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام بدخول غزة، وتذرعت المحكمة بحجة "مخاوف أمنية". ويدين الاتحاد الدولي للصحفيين هذا القرار ويكرر دعوته للمحكمة العليا والحكومة الإسرائيلية بالسماح للصحافة الدولية بدخول غزة لضمان التغطية المستقلة والتوقف عن تقويض حرية الصحافة. ويخشى الاتحاد الدولي للصحفيين أن يساهم تمديد الحظر في استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على تغطية الصحافة الدولية للحرب في غزة”.

وكانت رابطة الصحافة الأجنبية في اسرائيل وفلسطين قد تقدمت بهذا الإلتماس الى المحكمة العليا في القدس يوم 19 كانون اول 2023 طالبت فيه السماح " الفوري للمراسلين الدوليين بالدخول إلى قطاع غزة. وتم تجاهل طلب رابطة الصحافة الأجنبية الأول الذي تم إرساله إلى جيش الدفاع الإسرائيلي والمكتب الصحفي الحكومي”.

لكن بالرغم من قيام "الإتحاد الدولي للصحفيين" بتوجيه طلب الدخول والقيام بالتغطية الصحفية الا أن ما قامت به القوات الإسرائيلية من السماح لعدد محدود من الصحفيين الدخول الى غزة كان ذلك "برفقة الجيش الإسرائيلي مع فرض رقابة صارمة على التقارير التي تنشرها. وتعتمد الصحافة الدولية على الصحفيين الفلسطينيين في غزة في تغطيتها للحرب في غزة”. كما أكد البيان .

وعن ذلك قال أنطوني بيلانجي، أمين عام الاتحاد الدولي للصحفيين: "منذ 13 تشرين الأول/أكتوبر، منذ تواصلنا مع منظمة "اليونيسكو"، طالبنا الحكومة الإسرائيلية بالسماح للمؤسسات الإعلامية الدولية بدخول قطاع غزة. أن يتمكن الصحفيين الدوليين من دخول غزة والعمل إلى جانب الصحفيين الفلسطينيين لتوثيق ونقل ما يجري هناك هو تحقيق للمصلحة العامة لمواطني العالم. إن تمديد حظر دخول الصحافة الدولية إلى قطاع غزة هو بمثابة حرمان للعالم من التعرف على مزيد من حقيقة ما يحدث في غزة”.

على ما يبدو أن قرار منع الصحافة العالمية من تغطية ما يجري في غزة من "إنتصارات" يحققها الجيش الإسرائيلي وفرض "الرقابة الصارمة" عليها، هو تأكيد لما ينقله الصحفيون المحليون من حقائق دامغة لفظاعة ما يجري هناك .