مزاعم الاغتصاب وإلابتزاز الاسرائيلي

2024-02-05

| ريما كتانة نزال

الخبر: "حضور ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسـي الى فلسطين المحتلة للتدقيق في مزاعم اسرائيل عن الاعتداءات الجنسية".

الحكاية ومتعلقاتها: استخدمت دولة الاحتلال اسم الحملة التي أطلقتها النساء في أمريكا عام 2017 ودعوتها النساء، في جميع أنحاء العالم، للإفصاح صراحة عن ما تعرضن له من أشكال التحرش والاعتداءات الجنسية في أماكن العمل خاصة، وأطلقت الحملة على حركتها مُسمى "أنا أيضا" معلنة عن نفسها من خلال هاشتاغ يحمل اسم الحركة لتنشر التوعية بالعنف الممارس ضد المرأة، والغريب أن اسرائيل ألحقت بالوسْم إضافات ذات معنى خطير، ومفاده أن الكل يستفيد من الحملة إلا اليهوديات Me Too Unless You’re a Jew”"، لتاكيد مزاعمها على ازدواجية المعايير بحقهم في مؤسسات الأمم المتحدة، وخاصة استهدافهم هيئة المرأة في الأمم المتحدة، رغم اختلاف دوافع حملة الاحتلال والبيئة التي تسببت في نشأتها.

لقد كان كل هم الحملة الصهيونية وخاصة انطلاقها من نيويورك ومن أمام مبنى الأمم المتحدة، الاستفادة من ما حققته حملة "أنا أيضاً" المفتوحة على النطاق العالمي وفي وسائل التواصل الاجتماعي في أكثر من 85 دولة تناولت الوسْم ومحتواه بمختلف اللغات، وهذا التوظيف الإنتهازي لإسم الحملة أكسب دولة الاحتلال منصة مميزة بالتقاط رموز نسائية عامة ومشهورة من ممثلات وإعلاميات وغيرهن، ونشر تجاربهن على صعيد استغلال القوة لإظهار الترابط بين علاقات القوة في فضاء العمل وبين التحرش والانتهاكات الجنسية، بمعنى العلاقة بين من يملك القوة والنفوذ مع من يقع تحتها..بينما نحن بصدد الحرب العدوانية التي يمتلك فيها الاحتلال القوة الغاشمة بتصنيف جيشه كأحد أقوى جيوش العالم، وقتله لغاية تاريخه أكثر من تسعة آلاف امرأة.

مأزق رواية الاحتلال ومزاعمه انها ادعاءات باطلة ومفبركة هدفها شيطنة المقاومة واثارة الراي العام، ورغم تبني البعض لها من حلفاء اسرائيل بقيت رواية بدون اثباتات، وجاء تحقيق صحيفة "هآرتس" الذي نشر مطلع ديسمبر الماضي منافيا لتلك الادعاءات أي تكذيب تلك الاتهامات التي أطلقها الاحتلال خاصة المزاعم حول قطع رؤوس الاطفال وروايات اغتصاب النساء في مناطق غلاف غزة خلال عملية طوفان الاقصى، واتهامها المقاومة بالمسؤولية عن عمليات قتل ثبت مسؤولية الاحتلال عن ارتكابها وتفعيله "بروتوكول هانيبال" حين انكشاف وضع الرهائن، لكن استخدام هانيبال جاء جماعياً وليس فرديا كما كان سابقاً، وجاءت نفي الشرطة الاسرائيلية وجود ضحايا أو شهود لديهم لتفند الإدعاءات، علاوة على تصريح شقيقة الضحية الرئيسية "غال عبدوش" ونفيها تعرض أختها للاغتصاب واتهامها صحيفة نيويورك تايمز بالتلاعب، ليس هذا فحسب، بل كشفت عن تلقي الأسرة مكالمة هاتفية من زوج الضحية يبلغهم بموت أختهم ويطلب منهم رعاية أولادهم قبل أن يُقتل بعد ساعتين من قتل زوجته دون أن يذكر تعرضها للإغتصاب.

التوظيف الانتهازي لدولة الاحتلال نهج اعتادت اسرائيل على ابتزاز العالم به واضعة نفسها في قوالب المظلومين حال شعورها بفقد المصداقية أمام الرأي العام الدولي. ولأن حبل الكذب قصيراً كما يقال، انكشفت مزاعم الاغتصاب وقطع الرؤوس بعد الافراج عن الرهائن في نوفمبر الماضي ونفي المحتجزات الاسرائيليات لدى المقاومة اية مظاهر سلوكية من قبل المقاومة بحقهن، لا بل أعربن عن علاقات الاحترام والود مع سجانيهم من المقاومة.

دولة الاحتلال التي اصرت على استكمال روايتها المفبركة صعدت من عدوانيتها من خلال استخدام السلاح الأمضى والمضمون النتائج، سلاح اللاسامية الجاهز في بيت النار، وهو ما بادرت إليه حين اكتشفت نفاذ مفعول ومزاعم ارتكاب جرائم الاغتصاب وتفنيده من قبل صحيفة هآرتس.. فقامت بفتح نيران أسلحتها وحشدت أبواقها الاعلامية للتحريض وتظهير اتهاماتها، بدءا من تصريحات سفير اسرائيل في الأمم المتحدة "جلعاد إردان" المعروف بعدوانيته عن سبق اصرار وتشكيله لجنة لتقديم الأدلة على ارتكاب أفعال مشينة مخططة، وتوصيف الهيئات الدولية ومؤسساتها التابعة باللامبلاة بالإسرائيليين وممارسة ازدواجية المعايير، وفي ضميره المواقف المنصفة للفلسطينيين التي أبدتها الأمم المتحدة وخاصة أمينها العام.

لقد حشدت اسرائيل الجماعات النسائية اليهودية والتظاهر أمام الأمم المتحدة واتهامها بالفشل في التحرك بشأن إساءة معاملة النساء الإسرائيليات في السابع من أكتوبر، وصمتها المطبق على تقارير العنف الجنسي ومطالبتها التحقيق متسائلة فيما إذا كانت النساء الاسرائيليات محميّات بموجب القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان!

في مطلق الاحوال، وجود ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة المعنية بقضايا العنف الجنسـي في فلسطين للنظر في ادعاءات اسرائيل تُعد فرصة مهمة لعرض السردية الفلسطينية فيما يتعلق بالعنف ضد النساء بما فيها أشكال الانتهاكات والعنف الجنسي الذي تتوفر لدى المؤسسات المعنية، الرسمية وغير الرسمية، ولديها الكثير لتدلي به من شهادات موثقة للضحايا الفلسطينيات عن ممارسات الاحتلال على الحواجز وحين مداهمة البيوت وفي المعتقلات الفاشية، على الرغم من امتناع الضحايا الفلسطينيات وتحفظهن في كثير من الأحيان من كشف تلك الممارسات في السياق الفلسطيني الثقافي، إلا أن ضحايا أخريات بدأن بكسر جدران الصمت والبوْح بما يحصل خلف القضبان الحديدية من ممارسات تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكولاتها، فانتهاك الاحتلال حرمة الجسد المقيَّد عار عليه وحده.

وأخيراً، ما يهمنا جميعا المنهجية المتبعة من قبل نائبة الأمين العام المعنية بشؤون العنف الجنسي وصلاحياتها ووفدها المرافق الذي يتمتع بإمكانيات وتخصصات متنوعة، التحقيق وفق الأدلة والبيانات والتقارير وكيفية التحقق من الشهادات وكل ما يؤكد نزاهة ومجريات التحقيق وتقصيها على الجانب الاسرائيلي، حيث سيستميت الاحتلال في إلصاق تهمة الاغتصاب بالمقاومة في وقت تتقهقر فيه رايته ويظهر من عنفه على الملأ ما أدى إلى تغيير في توجهات الرأي العام وتوجهاته وانحيازاته السياسية وخاصة في الولايات المتحدة كأحد الساحات المغلقة لصولات روايته وجولاتها.

وأخيراً، سيكون التحقيق صعبا ومفتوحا على الشكوك من حيث نزاهته وصدقيته بسبب مضي اربع أشهر على عملية السابع من أكتوبر، مما يجعل أمر إثبات الاغتصاب مستحيلا بعد وصول الجثث إلى مرحلة التحلل وفق برتوكولات إثبات الاغتصاب كما قال رئيس المركز الوطني الاسرائيلي للطب الشرعي. ولا اعتقد ان هذه الحقيقة لا يعيها السياسيين الاسرائيليين واصرارهم يأتي من باب استمرارهم في اغراق الرأي العام العالمي بالأكاذيب والافتراءات، وجديدهم في سرقة مظلومية النساء عامة ومظلومية الفلسطينيات.