البرازيل القوية في وجه الوحش الأميركي

2024-02-04

كتب/ فادي الياس نصار

يوم استلم الرئيس “لولا دا سيلفا”، مقاليد الحكم لأول مرة عام 2003، تذمرَّت الطبقة التي اغتنت أيام الرئيس الذي سبقه “كاردوسو”، والذي أفقر البرازيل، وتعاونت بكافة الطرق مع الدول الرأسمالية لإسقاطه، بحجةِ أنه دمر البرازيل اقتصادياً، وتركها في حالة خرابٍ فظيع، روَّجت لهذا الغرض الماكينة الإعلامية التابعة للدول الصناعية الكبرى، وهذا الأمر بديهي، كونهم اغتنوا بسرعة من عمليات التهريب والتهرب الضريبي، ذات الطبقة امتدحت بعدها الرئيس  “جايير بولسنارو”، كونه أعاد لتلك الطبقة مجدها، وأطلق لها العنان من خلال خصخصة كافة القطاعات، متناسين أنه يتحمل مسؤولية حرائق الأمازون الكبيرة، التي حولت البرازيل الخضراء الى جحيم حقيقي، وأعطت الدول الإستعمارية مبرارات للتدخل في شؤون البلاد.

في الموازين الدولية، هناك معادلة بديهية النتائج، تقول: تُشكل الإقتصادات الناشئة سريعة النمو (الهند والبرازيل مثالاً)، تحدياً رئيسياً لمجموعة الدول الصناعية السبع، وبالتالي  فإن محاولات كبحها أو التدخل في شؤونها ، شيء حتمي، و هذا ما حصل بالضبط.

فأدخلت الرئيس “لولا” الذي ناصب الرأسمالية العداء، السجن، بتهمة الفساد، ولم يشفع له وفائه ومحبته لبلده، ورفضه التبعية للقطب الواحد (رفض عرض بوش الإبن بمشاركة البرازيل في حرب العراق)، ونهوضه بالإقتصاد الوطني للبرازيل، نهوض مارد، محولاً إياه الى سادس أكبر اقتصاد على مستوى العالم، فبعد أن كانت بلاده مديونة بـ 250 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، أصبح الصندوق الدولي هو المديون للبرازيل في عام 2010 بـ 14 مليار دولار!!!

من ناحية الرئيس اليميني المتطرّف ” بولسنارو”،  فقد كان يتغنى بالتبعية السياسية للوحش الأميركي،  لدرجة أنَّ  أرائه بخصوص قضية التغير المناخي، كانت تتوافق مع أراء سيده في البيت الأبيض “ترامب”، فالإثنان يعتبران القضية عبارة عن كذبة اخترعها الصينيون، ويتساويان بدرجة السذاجة، حتى أنَّ “بولسينارو” طرح ذات مرة حلاً غريباً، لمشكلة التغير المناخي قائلاً : “يكفي أن نأكل أقل، تتحدثون عن تلوث بيئي، يكفي أن نتغوط مرة كل يومين وسيكون الوضع أفضل للجميع”،  وهو بالمطلق ضد فكرة أن إزالة الغابات تؤثر على المناخ.

وهو من رفض(كجزء من المسرحية) قرار مجموعة الدول الصناعية السبع، بالتدخل لإطفاء حرائق الأمازون الفظيعة (كل دقيقة تلتهم النيران ما مساحته، مرة ونصف، مساحة ملعب كرة قدم)، والتي كشفت النظرة الإستعمارية للدول التي دعمت وصول “بولسينارو”، بحجة أنها قررت ذلك بدون استشارة البرازيل، فما كان من الفريق الإستعماري إلا تجميل الطرح الفج والساذج  بالتدخل، فقرروا التدخل غير المباشر عبر منح مبلغ عشرين مليون دولار، لمساعدة بلدان غابات الأمازون (فينزويلا، البيرو،الإكوادور والبرازيل)، في إخماد الحرائق (تصوروا الولايات المتحدة تساعد فنزويلا- مهزلة!!!).

مساعدة مالية تشبه خدعة الساحر، التي يعرفها الجميع، عشرون مليون دولار (قد لاتكفي مصاريف للعناية بحديقة البيت الأبيض)، وبدأت المسرحية بأن تبادل الرئيسين البرازيلي والفرنسي، التُهم بخصوص الإهتمام بالبيئة وقضية التغير المناخي، فرفض رئيس البرازيل العرض(المال)، ورفض قطعياً معاملة بلاده كمُستعمَرة، لكن المسرحية انتهت بقبول العرض السخيف، وذلك بديهي كون “بولسينارو” ذنب للإمبريالية العالمية التي ضغطت عليه.

وبذلك ضمنت الدول السبع موطىء قدمٍ لنهب البرازيل، وإغراقها مجدداً في الديون، كما ضمنت خاصرة رخوة لفنزويلا، ستستخدمها مستقبلاً، دون النظر الى هولِ التغيرات “البيوفيزيائية” في الأمازون وبالتالي في الكوكب ككل.

بالتعاون مع هذا الحدث، أصدر القضاء البرازيلي

عام 2017 حكماً بالسجن مدته تسع سنوات ونصف، على الرئيس دا سيلفا بتهم الفساد وغسل الأموال. إلا أنه خرج في عام 2019  من السجن بعد ما قضى فيه أكثر من عام ونصف العام. وفور خروجه، توجه إلى مقر نقابة عمال الحديد في ساو باولو التي كان رئيسها لسنواتٍ طويلة. ولدى وصوله إلى مقر النقابة، احتشد مناصروه وتهافتوا لمعانقته ومصافحته، وأصر هؤلاء وقيادة حزب العمال على ترشح لولا  للانتخابات عام 2022 وبالفعل فقد ترشح وفاز بغالبية.

وليس خفي على أحد أنه عندما فاز دا سيلفا أول مرة برئاسة  البرازيل سبب هذا خوفاً في قلوب الرأسماليين وغضب في صفوف اليمين، وذلك يعود لفكره الاشتراكي اليساري، لكنه في فوزه للمرة الثانية أرعبهم، كونه رغم السجن والعذاب والقهر لم يتخلى عن خطه السياسي الملاصق للجماهير الشعبية..  فعاد ليقدم العديد من برامج الإصلاح الإجتماعي تصلح لحل مشاكل كالفقر، الجريمة والفساد، من خلال إيقاف عمليات تصنيع الأسلحة، وليقول للدول الإستعماريّة بلداننا ليست الحديقة الخلفية لأحد، نحن من القوى العالمية العظمى في مجموعة البريكس، ومشدداً رفضه لتدخل العم سام في شؤون بلاده.

من نافلة القول اليوم أن كل الدول الأعضاء في مجموعة السبعG7، والتي اتخذت من البرازيل يوماً ما فناءاً خلفياً، للإنقضاض على فنزويلا، تشارك في التحالف الذي يَشِنُ منذ سنين، وبأشكال مختلفة، حرباً على سوريا، بهدف السيطرة على الخاصرة الرخوة لـ”اسرائيل”، لضمان أمن وسلام الكيان الصهيوني.

وبالرغم من اعتراف هذه الدول الإستعمارية،  على لسان  “ماكرون”، بأنَّ (العالم يعيش نهاية عصر الهيمنة الغربية فيه، وهناك دول أخرى بينها روسيا، تأتي لتغير النظام العالمي) إلا أنهم يبحثون بجدٍ عن أشكال جديدة للانقضاض على أممٍ وشعوب أخرى .