الإدارات الأميركية إزاء مشروع الدولة الفلسطينية بين الأمس واليوم | د. ماهر الشريف

2024-03-05

تأليف: ماهر الشريف

سنة النشر: 2024 اللغة: عربي عدد الصفحات: 18

عادت إدارة الرئيس جو بايدن إلى استحضار مشروع إقامة دولة فلسطينية في الفترة التي سُميت بـ "اليوم التالي" للحرب التي تشنها إسرائيل حالياً على قطاع غزة، والتي تشارك فيها هذه الإدارة بصورة مباشرة. ويندرج هذا الاستحضار في نطاق تفكير بترتيبات سياسية أشمل، ترمي إلى إدماج إسرائيل في المنطقة من خلال مواصلة مسيرة تطبيع علاقات الدول العربية، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، معها. وذهبت إدارة الرئيس جو بايدن، في هذا السياق، إلى حد التلويح بإمكانية اعترافها بالدولة الفلسطينية المعلنة التي حظيت، في سنة 2012، بصفة دولة مراقب في هيئة الأمم المتحدة ونالت اعتراف ما يقرب من مئة وثلاثين دولة.

تهدف هذه الورقة إلى الرجوع إلى المحطات التاريخية التي مرّت منذ أن أشار الرئيس الأميركي جيمي كارتر، في سنة 1977، إلى أن من حق الفلسطينيين أن يكون لهم "وطن"، ومروراً بتبني الرئيس بيل كلينتون، في مطلع الألفية الثالثة، مشروع إقامة "دولة فلسطينية"، وصولاً إلى مواقف إدارة جو بايدن الحالية إزاء هذا المشروع. وستتساءل هذه الورقة عن مدى جدية الإدارة الأميركية الحالية، هذه المرة، في العمل على توفير الشروط التي تسمح بتحقيق هذا المشروع، الذي بقي حتى الآن أسير التوظيف السياسي في نطاق نهج "إدارة الأزمة" الذي اتبعته الإدارات الأميركية المتعاقبة.

جيمي كارتر وفكرة "وطن" للفلسطينيين

كانت الولايات المتحدة الأميركية من الدول التي وافقت على قرار تقسيم فلسطين الدولي لسنة 1947، لكنها لم تفعل شيئاً لوضعه موضع التطبيق، بل ركّزت جهودها، بالارتباط الوثيق مع مشاريعها السياسية والعسكرية لمواجهة النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، على التوصل إلى "صلح" بين الدول العربية وإسرائيل. وسعت، في عهد الرئيسين جون كينيدي وليندون جونسون، إلى إيجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، لا يقوم على أساس عودتهم إلى وطنهم، ويمكن أن يفتح الطريق لتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي.[1] وقد واصلت إدارتا الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد هذه المساعي التي رمت في المقام الأول، وخصوصاً بعد اندلاع الحرب العربية-الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، إلى إخراج مصر من دائرة الصراع العربي مع إسرائيل، ورفضتا الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وبالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.

في 16 آذار/مارس 1977، طرح الرئيس الأميركي جيمي كارتر، بعد أسابيع قليلة من دخوله إلى البيت الأبيض وفي أجواء انفراج دولي، مجموعة أفكار لحل أزمة الشرق الأوسط، أعرب فيها عن قناعته بأن التوصل إلى تسوية شاملة يجب أن يكون الهدف الذي تسعى إليه الأطراف كافة، وأن إسرائيل تستطيع أن تضمن أمنها داخل حدود ما قبل حزيران/يونيو 1967 مع تعديلات بسيطة، وأن مصر لا تستطيع أن تمضي وحدها في سلام منفرد، وأضاف، في موقف لا سابق له، أن على الفلسطينيين أن يلعبوا دوراً في عملية السلام وأن من حقهم أن يكون لهم "وطن".[2] وعلى الرغم من ضغوط اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ومن وصول حكومة حزب الليكود اليميني، بزعامة مناحم بيغن، إلى السلطة في إسرائيل، فإن الرئيس جيمي كارتر عاد للتأكيد، في خطاب ألقاه في مدينة أسوان، في 4 كانون الثاني/يناير 1978، بعد لقائه الرئيس أنور السادات، أنه "يتوجب أولاً إقامة السلام على قاعدة العلاقات الطبيعية بين الأطراف... وثانياً، قيام إسرائيل بسحب قواتها من الأراضي المحتلة سنة 1967 والاتفاق على حدود آمنة ومعترف بها... وأخيراً إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية من جميع جوانبها، بحيث تعترف التسوية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتسمح للفلسطينيين بالمشاركة في تقرير مستقبلهم." ثم أكد، لدى استقباله الرئيس المصري في كامب ديفيد، في 3 شباط /فبراير 1978، أن المستوطنات في المناطق المحتلة "غير شرعية" وتشكّل "عقبة" على طريق السلام، وأن القرار 242 لا ينطبق على سيناء فحسب بل على كل الأراضي العربية المحتلة.[3]

بيد أن جميع هذه المواقف "المتقدمة" التي تبنّاها الرئيس جيمي كارتر كانت قد أصبحت، في ذلك الوقت، من دون معنى، وخصوصاً بعد قيام الرئيس المصري، في 19 تشرين الثاني/نوفمير 1977، بزيارة إسرائيل، ثم التوصل في منتجع كامب ديفيد، خلال اللقاءات، بين 5 و17 أيلول/سبتمبر 1978، التي جمعت أنور السادات ومناحم بيغن وجيمي كارتر، إلى اتفاقيتين بين مصر وإسرائيل هما: "إطار عمل من أجل عقد معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل" و"إطار السلام في الشرق الأوسط".

تبني الحكم الذاتي ومعارضة قيام دولة فلسطينية

بعد التوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد الثانية، أصبح الحكم الذاتي للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، المفتقر إلى السيادة الفلسطينية على الأرض، هو أساس التصوّر الأميركي لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وكانت تلك الاتفاقية الثانية قد استعادت أفكاراً كان قد قدمها مناحم بيغن في خطته للحكم الذاتي، في كانون الأول/ديسمبر 1977، مع تعديل يقضي بمشاركة الأردن، إلى جانب مصر وإسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في المفاوضات، في ظل تأكيد أن إسرائيل ستستمر في المطالبة بحق السيادة على "يهودا والسامرة"، في نهاية فترة الخمس سنوات من الحكم الذاتي، ولن توافق على قيام دولة فلسطينية.[4]

عززت إدارة الرئيس الجديد رونالد ريغان، التي تسلمت السلطة في البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 1981، علاقاتها التحالفية بإسرائيل وأعطتها الضوء "الأخضر"، في مناخات دولية تميّزت بالتحول من الانفراج إلى المواجهة، للقيام بعدوانها الواسع على لبنان في صيف سنة 1982. وفي مطلع أيلول/سبتمبر 1982، بعد خروج آخر الوحدات العسكرية الفلسطينية من بيروت، طرح رونالد ريغان، بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية في العالم العربي، مشروعاً لتسوية القضية الفلسطينية، دعا إلى اشتراك الأردن والفلسطينيين، من دون الإشارة إلى منظمة التحرير، في مفاوضات مع إسرائيل، هدفها تمكين السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة من التمتع "بحكم ذاتي كامل لشؤونهم الخاصة"، وإجراء انتخابات لاختيار "سلطة فلسطينية للحكم الذاتي"، تثبت، خلال فترة انتقالية تمتد على مدى خمس سنوات، كون الفلسطينيين "قادرين على حكم أنفسهم، وكون الحكم الذاتي لا يشكّل تهديداً لأمن لإسرائيل." وبعد أن أعرب رونالد ريغان عن معارضته فكرة قيام "دولة فلسطينية مستقلة" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك فكرة قيام إسرائيل "بضمهما أو السيطرة عليهما"، أكد أن "حكماً ذاتياً فلسطينياً للضفة الغربية وقطاع غزة يكون مرتبطاً بالأردن يوفر أفضل فرصة لسلام دائم وعادل وثابت." وإذ تجاهل "مشروع ريغان" قضية اللاجئين الفلسطينيين، فقد شدّد بخصوص مستقبل مدينة القدس على "ضرورة أن تبقى القدس غير مجزأة، على أن يتقرر وضعها في المفاوضات."[5]

"الحقوق السياسية المشروعة" للفلسطينيين

في 4 آذار/مارس 1988، وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وجّه وزير الخارجية الأميركية جورج شولتز رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد يتسحاق شامير ضمّنها أفكار مبادرة سياسية هدفت إلى "إقامة سلام شامل يضمن الأمن لكل دول المنطقة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني"، يتم التوصل إليه من خلال مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية المعنية بالصراع من جهة، وبين إسرائيل ووفد أردني فلسطيني مشترك من جهة أُخرى. وعاد جورج شولتز وطرح، في 16 أيلول/سبتمبر 1988، مبدأين للتسوية الشاملة للصراع في الشرق الأوسط، وهما: ضمان وجود إسرائيل وأمنها وازدهارها، والاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين وتلبيتها، معتبراً أن الفلسطينيين "يريدون أكثر من الحد الأدنى الحيوي لهم، إنهم يريدون –ولهم الحق- المشاركة السياسية، وأن يكون لهم تأثير على القرارات الاقتصادية والسياسية التي تتعلق بحياتهم."[6] وفي 16 كانون الأول/ديسمبر 1988، وفي إثر قيام منظمة التحرير الفلسطينية بتبني "مبادرة السلام" التي قامت على أساس الاعتراف بقراري مجلس الأمن رقم 242 و338، انطلق حوار سياسي أميركي - فلسطيني، تواصل لفترة في عهد الرئيس الجديد جورج بوش، الذي دخل البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 1989، وتوقف من دون أن يسفر عن أي نتائج.[7]

في السادس من آذار/مارس 1991، ألقى الرئيس جورج بوش، بعد هزيمة العراق في الحرب، خطاباً أمام الكونغرس دعا فيه إلى إقامة سلام شامل في المنطقة "على قاعدة قراري مجلس الأمن رقم 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام"، وعلى نحو "يضمن لإسرائيل الأمن والاعتراف بها، ويضمن للفلسطينيين حقوقهم السياسية المشروعة." وبينما فشلت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية التي جرت في واشنطن، بعد انتهاء أعمال مؤتمر مدريد للسلام في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 1991، في تحقيق نجاحات ملموسة، تمكنت مباحثات "قناة أوسلو" السرية، بعد عودة حزب العمل الإسرائيلي بزعامة يتسحاق رابين إلى السلطة، من التوصل، في أيلول/سبتمبر 1993، إلى "اتفاق أوسلو" الذي أعاد إحياء مشروع الحكم الذاتي.[8]

مقترحات بيل كلينتون بشأن إقامة "دولة" فلسطينية

بعد تعثر تطبيق "اتفاق أوسلو" جراء عدم احترام إسرائيل تعهداتها، وفشل المباحثات التي رعتها إدارة الرئيس بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإيهود بارك في كامب ديفيد، في تموز/يوليو 2000، في التوصل إلى اتفاق بين الطرفين على قضايا الوضع النهائي، بذل الرئيس الأميركي، الذي كان يستعد لترك منصبه، "مسعاه السلمي" الأخير، وذلك عندما جمع في البيت الأبيض، في 23 كانون الأول/ديسمبر 2000، ممثلين عن الفلسطينيين والإسرائيليين، وعرض عليهم جملة من المقترحات الهادفة إلى إنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، التي نصت، بخصوص مسألة الأرض، على نقل "ما بين 94 إلى 96 في المئة" من مساحة الضفة الغربية إلى سيادة فلسطينية، وعلى تعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي تضمها إسرائيل "بتبادل للأراضي من 1 إلى 3 في المئة"، فضلاً عن إقامة ممر آمن يربط الضفة الغربية بقطاع غزة، وعلى أن يتم "تجميع 80 في المئة من المستوطنين في كتل [استيطانية]"، وأن يتم تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي خلال 36 شهراً، على أن يعقبه نشر قوات دولية لضمان الحدود الجديدة بين الدولتين مع استمرار وجود إسرائيلي محدود "في مواقع ثابتة في غور الأردن خاضعاً لسلطة القوة الدولية لمدة 36 شهراً إضافية." كما اقترح أن تكون الدولة الفلسطينية "دولة منزوعة السلاح"، على أن يكون لها "السيادة" على مجالها الجوي، والتزام الجانبين، فيما يتعلق بموضوع القدس الشرقية، بمبدأ عام هو "أن المناطق العربية [في المدينة] تكون فلسطينية، والمناطق اليهودية تكون إسرائيلية"، كما تكون هناك "سيادة فلسطينية على الحرم" و"سيادة إسرائيلية على الحائط الغربي والمساحة المقدسة لدى الديانة اليهودية." وبخصوص موضوع اللاجئين، دعا كلينتون إسرائيل، بصورة غير مباشرة، إلى الاعتراف "بالمعاناة المعنوية والمادية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني نتيجة حرب سنة 1948"، مبدياً استعداد بلاده لأن "تقود جهداً دولياً لمساعدة اللاجئين"، واقترح أن تكون الدولة الفلسطينية "نقطة ارتكاز للفلسطينيين الذين يختارون العودة إلى المنطقة، من دون استبعاد أن تقبل إسرائيل بعض هؤلاء اللاجئين"، وأن يكون هناك خيارات أُخرى، غير العودة، مثل "إعادة تأهيل [اللاجئين] في الدولة المضيفة" أو "إعادة توطينهم في دولة ثالثة".[9]

وبينما أعلنت الحكومة الإسرائيلية بزعامة إيهود باراك، في 28 كانون الأول/ديسمبر 2000، موافقتها المبدئية على مقترحات بيل كلينتون، وجهت قيادة منظمة التحرير، في الأول من كانون الثاني/يناير 2001، رسالة إلى إدارته ضمّنتها تحفظاتها على مقترحاته باعتبارها "لا تلبي الشروط المطلوبة لتحقيق سلام دائم"، إذ من شأنها "تقسيم الدولة الفلسطينية إلى ثلاثة كانتونات منفصلة تصل بينها وتفصلها طرق للعرب فقط أو لليهود فقط، الأمر الذي سيهدد حيوية هذه الدولة" و"تقسيم القدس الفلسطينية إلى عدد من الجزر غير المتصلة بعضها ببعض أو ببقية فلسطين" و"إجبار الفلسطينيين على التنازل عن حق عودة اللاجئين."[10]

الدولة الفلسطينية في خطة "خارطة الطريق"

بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بفترة قصيرة، وصل الرئيس جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني/يناير 2001، وجرت، في 6 شباط/فبراير من العام نفسه، انتخابات تشريعية في إسرائيل فاز فيها تجمع الليكود، بزعامة أريئيل شارون. وبوقوع تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، وإعلان الإدارة الأميركية "الحرب الشاملة على الإرهاب"، كثّفت هذه الإدارة مساعيها الرامية إلى "وقف أعمال العنف" في الأراضي الفلسطينية، من جهة، وصارت تشير، من جهة أُخرى، إلى بعض المبادئ التي تشكّل، في نظرها، "رؤية متكاملة" لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ففي خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، أكد الرئيس جورج بوش تمسك إدارته بالتزامها "نحو سلام عادل في الشرق الأوسط" والعمل "من أجل يوم تعيش فيه دولتان، إسرائيل وفلسطين، بسلام معاً ضمن حدود آمنة ومعترف بها، كما نص عليه قرار مجلس الأمن [رقم 242]."[11] وأعاد وزير خارجيته كولن باول، في خطاب ألقاه في جامعة لويفيل بولاية كنتاكي في 19 من الشهر نفسه، تأكيد مبدأ قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة"، مقترحاً على القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية استئناف المفاوضات، بعد "وقف أعمال العنف" من جانب الفلسطينيين، ووقف النشاط الاستيطاني من جانب الإسرائيليين، وتحضير شعبيهما لقبول "حلول وسط صعبة" لمسألة القدس، تراعي "المصالح الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين في العالم"، والبحث عن "حل" لمسألة اللاجئين الفلسطينيين يكون "منصفاً وواقعياً في الوقت نفسه."[12]

لكن لم تمر سوى أسابيع قليلة على طرح هذه "الرؤية" الأميركية للتسوية، حتى قررت حكومة أريئيل شارون في 4 كانون الأول/ديسمبر 2001، مستغلة سلسلة من العمليات التفجيرية الفلسطينية داخل إسرائيل، وقف كل اتصالاتها مع السلطة الفلسطينية باعتبارها "كياناً داعماً للإرهاب"، وهو ما تجاوب معه الرئيس جورج بوش بإعلانه، في خطاب ألقاه في واشنطن في 24 حزيران/يونيو 2002، "نزع الشرعية" عن قيادة ياسر عرفات، مشترطاً توفر قيادة فلسطينية جديدة كي تستمر بلاده في دعمها "إنشاء دولة فلسطينية، تكون حدودها وبعض نواحي سيادتها موقتة" إلى أن تتم تسوية نهائية في الشرق الأوسط.[13]

بعد هزيمة العراق على يد تحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأميركية، وبهدف الحفاظ على دعم الأنظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة وإرضاء الحلفاء الأوروبيين، تقدمت إدارة جورج بوش رسمياً، في 30 نيسان/أبريل 2003، بمبادرة "خريطة الطريق"، بهدف التوصل "إلى حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني"، وذلك "بالارتكاز على الأداء" الذي كان يعني، من وجهة النظر الأميركية، ربط قيام الدولة الفلسطينية بأداء قيادة فلسطينية "تعمل بصورة حاسمة ضد الإرهاب"، وتكون مستعدة وقادرة "على بناء ديمقراطية تتم ممارستها على أساس التسامح والحرية." وقد توزعت "خريطة الطريق" على ثلاث مراحل تطبيقية، تغطي ما بين سنتَي 2003 و2005، بحيث تشهد المرحلة الأولى منها التزام السلطة الفلسطينية بالوقف "غير المشروط للعنف" واستئناف "التعاون الأمني" مع إسرائيل وإعادة تأكيد "حق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن"، وذلك في مقابل قيام إسرائيل بتحسين "الوضع الإنساني" للفلسطينيين وتجميد "جميع النشاطات الاستيطانية بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات." بينما تشهد المرحلة الثانية إقامة "دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود وخاصيات سيادة موقتة"، يتم الاتفاق عليها من خلال مفاوضات ثنائية يطلقها مؤتمر دولي تعقده اللجنة الرباعية، المشكّلة من ممثلي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، ويرتكز إلى هدف "سلام شرق أوسطي شامل". وتتكلل المرحلة الثالثة بقيام دولة فلسطينية "ذات سيادة، مستقلة وديمقراطية وقابلة للحياة" تعيش إلى جانب إسرائيل "في سلام وأمن"، وتكون نتيجة مفاوضات ثنائية تجري "على أساس قرارات مجلس الأمن 242 و338 و1379، التي تنهي الاحتلال الذي بدأ سنة 1967، وتتضمن حلاً متفقاً عليه، منصفاً وواقعياً، لقضية اللاجئين، وحلاً تفاوضياً لقضية القدس يأخذ بعين الاعتبار الاهتمامات السياسية والدينية للجانبين ويصون المصالح الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين في العالم."[14]

وبينما وافقت قيادة منظمة التحرير على خطة "خريطة الطريق"، وضعت حكومة أريئيل شارون 14 تحفظاً عليها، وعملت جاهدة من أجل إجهاضها من خلال التقدم بمشروع "فك الارتباط" الأحادي الجانب مع قطاع غزة، الذي كان يهدف، بحسب مدير طاقم ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى "منع انطلاق عملية سياسية [ذات جدوى] مع الفلسطينيين" والحؤول "دون قيام دولة فلسطينية" وإحباط "الحاجة إلى تفكيك أي مستعمرة".[15] وعوضاً عن أن تتصدى الإدارة الأميركية لهذا المشروع، كافأت حكومة اليمين الإسرائيلي برسالة ضمانات قدمها جورج بوش، في 14 نيسان/أبريل 2004، إلى أريئيل شارون، ومثّلت تراجعاً عن كل المواقف التي تبنتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ سنة 1967، إزاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضية الحدود والمستوطنات. فبعد أن أكد الرئيس الأميركي، في تلك الرسالة، ترحيبه بمشروع "فك الارتباط" مع قطاع غزة وجدد التزامه بالحفاظ على أمن إسرائيل، اعتبر أن الحل "العادل والنزيه" لمسألة اللاجئين الفلسطينيين سيكون "من خلال إقامة دولة فلسطينية وتوطين اللاجئين فيها بدلاً من توطينهم في إسرائيل"، وأن حدود إسرائيل "الآمنة والمعترف بها" يجب أن تراعي "الوقائع الجديدة على الأرض، بما فيها مراكز التجمعات السكانية الرئيسية الموجودة في إسرائيل"، على اعتبار أنه من غير الواقعي "أن نتوقع أن تكون نتيجة المفاوضات النهائية عودة كاملة إلى خطوط الهدنة لسنة 1949."[16]

وطوال الفترة الواقعة بين سنتَي 2004 و2006، تركّزت جهود إدارة جورج بوش، التي نجحت في مطلع سنة 2005 في الحصول على ولاية ثانية، على تنفيذ مبادرتها الإقليمية التي حملت اسم "الشرق الأوسط الكبير"، واعتبرت، بعد أن غيّبت القضية الفلسطينية، أنه لا يجب استخدام الصراع العربي-الإسرائيلي "ذريعة" للتهرب من تطبيق الإصلاح في الشرق الأوسط، وتشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء مجتمع المعرفة وتوسيع الفرص الاقتصادية فيها"، ثم تذرعت إدارته بفوز حركة "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، في كانون الثاني/يناير 2006، كي تستمر في تجميد مساعيها "السلمية" في المنطقة. ولم تحزم أمرها وتطرح مبادرة "رفع العتب" الأخيرة إلاّ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، وذلك عندما افتتح الرئيس جورج بوش قمة دولية في أنابوليس بهدف وضع "الأساس لإقامة دولة جديدة، دولة فلسطينية ديمقراطية تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل بأمن وسلام"، وذلك عبر "إطلاق مفاوضات ثنائية فوراً للتوصل إلى اتفاقية سلام، وحل جميع القضايا العالقة، بما فيها جميع القضايا الجوهرية بدون استثناء." وأكد الرئيس الأميركي، في تلك القمة، عزم إدارته على بذل كل الجهود، مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية سنة 2008، واستعدادها لمراقبة "تنفيذ الجانبين لالتزاماتهما المنصوص عليها في خريطة الطريق."[17]

باراك أوباما: استئناف المفاوضات على طريق إقامة الدولة الفلسطينية

بيد أن "عملية السلام" التي تجددت في قمة أنابوليس كانت محكومة بالفشل سلفاً "ليس فقط لأنها افتقرت إلى رغبة حقيقية وتحضير جيد، بل لأنه كان واضحاً منذ البداية أن إسرائيل لا تنوي معالجة القضايا الجوهرية [للصراع]"، وأن الإدارة الأميركية ستمتنع عن ممارسة أي ضغط جدي على حكومة إيهود أولمرت، التي تشكّلت في مطلع أيار/مايو 2006، وأعلنت بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة بعد بضعة أيام من انعقاد تلك القمة.[18] وهكذا، أُسدل الستار على مبادرة "رفع العتب" الأميركية الأخيرة، وترك جورج بوش البيت الأبيض بينما كان قطاع غزة يحترق بنيران الطائرات والدبابات الإسرائيلية.

بعد دخول مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2009، توهم كثيرون في المنطقة والعالم أن حل الصراع العربي - الإسرائيلي بات وشيكاً، وخصوصاً في ضوء المواقف "الإيجابية" التي أعلنتها إدارته الجديدة. فقد سارعت تلك الإدارة إلى تعيين السناتور جورج ميتشل مبعوثاً لها إلى الشرق الأوسط لتنشيط مساعي السلام، وأعلنت، على لسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون التزامها "بالعمل من أجل الحل القائم على أساس الدولتين"، بل ذهب رئيسها إلى أبعد من ذلك، في خطاب ألقاه في جامعة القاهرة في حزيران/يونيو 2009، وذلك عندما أعلن أن الولايات المتحدة الأميركية لن تدير ظهرها لتطلعات الفلسطينيين المشروعة "في الكرامة وإقامة دولتهم الخاصة"، وذلك بعد أن تحمّلوا "آلام النزوح على مدى أكثر من ستين عاماً"، مؤكداً أن بلاده "لا تقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية، وأن عمليات البناء في المستوطنات تنتهك الاتفاقات السابقة وتقوّض جهود السلام"، ومعتبراً أن القدس يجب أن تكون "وطناً دائماً لليهود والمسلمين والمسيحيين يتعايشون فيه بسلام."[19] وبعد عامين من جهود حثيثة لإطلاق "عملية سلام" ذات مغزى، أجهضها استمرار بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية المحتلة، ألقى الرئيس باراك أوباما، في وزارة الخارجية في 19 أيار/مايو 2011، خطاباً مطوّلاً عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشار فيه إلى أن إدارته بقيت تعمل، لأكثر من عامين، مع الأطراف المعنية والمجتمع الدولي من أجل إنهاء النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وذلك "بالبناء على عقود من الجهود التي بذلتها الحكومات الأميركية السابقة، ولكن خابت كل التوقعات؛ فأنشطة الاستيطان الإسرائيلية مستمرة، والفلسطينيون انسحبوا من المحادثات، وهناك من يقول إنه مع كل ما يحدث من تغيير وعدم يقين في المنطقة، فإن الأمر ببساطة يعني أنه من غير الممكن التقدم الآن إلى الأمام، لكنني لا أوافق على ذلك. ففي الوقت الذي تنفض فيه شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عنها أعباء الماضي، فإن الدفع نحو سلام دائم يُنهي النزاع ويبدد كل الادعاءات أصبح أكثر إلحاحاً عما كان في أي وقت سابق." وبعد أن أكد أن الأمر "في نهاية المطاف عائد للإسرائيليين والفلسطينيين في اتخاذ الإجراءات اللازمة"، رأى أن السلام الدائم يقوم على أساس "دولتين لشعبين: إسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي، ودولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني، وتتمتع كل دولة منهما بتقرير المصير والاعتراف المتبادل والسلام"، على أن تقوم حدود إسرائيل وفلسطين "على أساس خطوط سنة 1967 مع تبادل متفق عليه في الأراضي." وعبّر باراك أوباما أخيراً عن قناعته بأن انطلاق المفاوضات "أولاً، على أساس تقرير مصير الأرض والأمن" يضع الأساس لحل مشكلتَي مستقبل القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين بصورة "عادلة ومنصفة".[20]

في مطلع شباط/فبراير 2013، تسلّم جون كيري منصب وزير الخارجية في إدارة باراك أوباما، الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، فقام الوزير الأميركي بجولات مكوكية عديدة إلى الشرق الأوسط، نجح في إثرها في إقناع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، في 29 تموز/يوليو من ذلك العام، باستئناف المفاوضات بينهما، على أن يكون هدفها التوصل إلى "اتفاق بخصوص الوضع النهائي على مدى الشهور التسعة المقبلة"، أي قبل 29 نيسان/ أبريل 2014. وفي 17 شباط/فبراير 2014، وبغية تسهيل المفاوضات المتعثرة، اقترح جون كيري مسودة "وثيقة إطار" تشير، تحت بند "الاعتراف المتبادل"، إلى "دولتين لشعبين: فلسطين، الدولة القومية للشعب الفلسطيني، تعيش في سلام مع إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي." وفيما يخصّ الحدود، تذكر المسودة أنه "سيتم التفاوض على أساس حدود سنة 1967، مع تبادل للأراض متَّفق عليه"، بحيث "تنسجم" مساحة دولة فلسطين مع مجموع مساحتي الضفة الغربية وغزة قبل سنة 1967، مع "تواصل إقليمي" في الضفة الغربية، والأخذ بعين الاعتبار "التطورات اللاحقة" (في إشارة ضمنية إلى المستوطنات) و"متطلبات إسرائيل الأمنية". وسوف تكون دولة فلسطين منزوعة السلاح، ويكون الانسحاب الإسرائيلي "كاملاً" ولكنه تدريجي وعلى مراحل. أمّا بالنسبة إلى القدس، فتؤكد المسودة أنه "ينبغي ألا يُعاد تقسيم المدينة"، وتعترف فقط بأن الفلسطينيين "يتوقون" إلى أن تكون القدس الشرقية عاصمتهم. وفي موضوع اللاجئين، تدّعي المسودة أن قيام دولة فلسطين من شأنه أن يؤمّن "وطناً قومياً لجميع الفلسطينيين، بمن فيهم اللاجئون"، وأن ينهي "أي ادعاءات ضد إسرائيل". كما أنها تعرض 4 حلول: إعادة التوطين في الدولة الفلسطينية؛ بقاء اللاجئين في البلدان المضيفة الحالية؛ إعادة التوطين في "بلدان أُخرى"؛ الدخول إلى إسرائيل "وفقاً لتقديرها المطلق". وتواصلت، في نيسان/أبريل 2014، المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، بمشاركة المبعوث الأميركي الخاص مارتن أنديك، فكررت رئيسة الوفد الإسرائيلي تسيبي ليفني مطالبة الفلسطينيين بسحب طلبات الانضمام إلى المعاهدات الدولية، بينما طالب هؤلاء الأخيرون بوقف الاستيطان وإطلاق سراح دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين. وفي 24 من ذلك الشهر، أعلن المجلس الوزاري الإسرائيلى المصغر تعليق المفاوضات رداً على إعلان حكومة الوحدة الفلسطينية، وكرّر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيره الرئيس محمود عباس بأن عليه أن "يختار السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس"؛ وبذلك أُسدل الستار عن مسعى هذه الإدارة للتوصل إلى حل سياسي يضمن إقامة دولة فلسطينية.[21] وقبل مغادرتها البيت الأبيض بأيام، أقدمت إدارة باراك أوباما على خطوة جريئة، وذلك عندما امتنعت عن فرض الفيتو، في 24 كانون الأول/ديسمبر 2016، على قرار في مجلس الأمن الدولي حمل الرقم 2334، وكرر مطالبة إسرائيل "بأن توقف فوراً وعلى نحو كامل جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية"، مؤكداً "أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967 بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية، ويشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل والدائم والشامل."[22]

دونالد ترامب: دولة فلسطينية متقطعة الأوصال وتصفية قضيتَي القدس واللاجئين

ما إن دخلت إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني/يناير 2017، حتى ظهر بوضوح أنها، في تعاملها مع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لن تتبنى النهج الأميركي التقليدي في "إدارة الأزمة"، بل ستنتقل إلى نهج العمل على تصفية أهم مكوّنات القضية الفلسطينية. وهكذا، أعلن دونالد ترامب في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017 اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل وعزمه على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، ثم قرر في 31 آب/أغسطس 2018، على طريق تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وقف التمويل الأميركي لوكالة الأونروا بصورة كلية.

وفي إثر حديث مطوّل دام أشهراً عن "خطة" موعودة لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، صارت تُعرف باسم "صفقة القرن"، أوضح دونالد ترامب في خطاب ألقاه في البيت الأبيض في 28 كانون الثاني/يناير 2020، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنتياهو، ملامح هذه الخطة، التي تنطوي على رؤية جديدة للسلام، تقوم على أساس "السلام من أجل الرخاء"، وتختلف بصورة أساسية عن الرؤى السابقة، وتمثل "فرصة مربحة للجانبين، وهو حل الدولتين الذي يزيل الخطر الذي تشكله الدولة الفلسطينية على أمن إسرائيل"، ويبقي القدس "عاصمة إسرائيل غير القابلة للتقسيم"، ويضمن الاعتراف "بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي التي تتصورها رؤيتي كجزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل"، مضيفاً أنه "لن يتم اقتلاع أي فلسطيني أو إسرائيلي من أرضه"، بما يضمن إبقاء جميع المستوطنين في مستوطناتهم. وبعد أن أشار إلى أنه فعل الكثير من أجل إسرائيل: "نقل السفارة الأميركية إلى القدس؛ الاعتراف [بضم] مرتفعات الجولان، وبصراحة، وربما الأهم من ذلك، الخروج من هذا الاتفاق النووي الإيراني الرهيب"، أكد أن من المنطقي الآن أن يفعل الكثير من أجل الفلسطينيين، وقال: "يشكّل اتفاق اليوم فرصة تاريخية للفلسطينيين لتحقيق دولة مستقلة خاصة بهم في نهاية المطاف؛ وبعد 70 عاماً من التقدم الضئيل، قد تكون هذه الفرصة الأخيرة... وستوفر عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية حيث ستفتتح أميركا بكل فخر سفارة لها"، بشرط أن يقوم الفلسطينيون بـ "مجابهة تحديات التعايش السلمي"، بما يضمن "تكريس حقوق الإنسان، والحماية من الفساد المالي والسياسي، ووقف الأنشطة الضارة لحماس والجهاد الإسلامي وغيرهم من أعداء السلام، ووقف التحريض على الكراهية ضد إسرائيل ووضع حد نهائي للتعويضات المالية المقدمة إلى الإرهابيين." كما "ستؤدي رؤيتنا إلى استثمار تجاري ضخم بقيمة 50 مليار دولار في الدولة الفلسطينية الجديدة، وتريد العديد من البلدان المشاركة والعديد منها دول مجاورة"، بحيث يتم، على مدى السنوات العشر المقبلة، "خلق مليون فرصة عمل جديدة للفلسطينيين، بما يخفض معدل الفقر لديهم إلى النصف، ويتضاعف الناتج المحلي الإجمالي لديهم ثلاث مرات، وسيأتي الأمل والفرح والفرص والازدهار الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني بشدة."[23]

وافقت حكومة بنيامين نتنياهو على هذه الخطة الأميركية، بصفتها قاعدة للمفاوضات مع الفلسطينيين، بينما عارضتها بشدة منظمة التحرير الفلسطينية. واكتفت إدارة دونالد ترامب، قبل رحيلها عن البيت الأبيض، برعاية صفقات لتطبيع علاقات ثلاث دول عربية، هي الإمارات والبحرين والمغرب، مع إسرائيل فيما عُرف باسم "اتفاقيات أبراهام". جو بايدن واستحضار مشروع "الدولة الفلسطينية"في آب/أغسطس 2020، أدلى المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي جو بايدن بتصريح أمام مجلس العلاقات الخارجية، ورد فيه: "أعتقد أن حل الدولتين هو الطريق الوحيد لضمان أمن إسرائيل على المدى البعيد، والحفاظ على هويتها بصفتها دولة يهودية وديمقراطية، كما هو الطريق الوحيد لضمان كرامة الفلسطينيين ومصلحتهم المشروعة في تقرير المصير الوطني، وهو شرط ضروري للاستفادة من الانفتاح القائم لتعاون أكبر بين إسرائيل وجيرانها العرب"، وتابع قائلاً: "لا يبدو أن المسؤولين الإسرائيليين والمسؤولين الفلسطينيين مستعدون للمخاطرة السياسية الضرورية للتقدم على طريق المفاوضات المباشرة"، وأنه عندما سيصبح رئيساً "سيكون هدفه دعوة الطرفين إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإبقاء إمكانية حل الدولتين."[24] بيد أن إدارة الرئيس جو بايدن، بعد تسلمها السلطة في البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2021، لم تبذل جهوداً ملموسة من أجل توفير شروط نجاح "حل الدولتين"، وإنما واصلت العمل على توسيع دائرة تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية، ولم تتراجع عن الخطوات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب بشأن الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، وتكريس الاعتراف بضم هضبة الجولان السورية المحتلة إلى إسرائيل، واكتفت باتخاذ خطوات رمزية إزاء الفلسطينيين، تمثلت، أساساً، في تقديم مساعدات أميركية إليهم وإعادة الاتصالات السياسية بقيادتهم. وخلافاً لتوقعات المحللين، لم يسفر لقاء الرئيس جو بايدن بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة بيت لحم، في 15 تموز/يوليو 2022، عن أي إجراءات عملية بشأن إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية المحتلة، أو إعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، أو إعادة إحياء "عملية السلام"، واكتفى الرئيس الأميركي بتقديم بعض المساعدات المالية إلى الفلسطينيين، وبالتأكيد اللفظي على تمسكه بـ "حل الدولتين"، على أمل أن تتوفر "أوقات أفضل" في المستقبل لإعادة إحياء "العملية السياسية" المجمدة، بينما كان قد أبرم في اليوم الذي سبقه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد إعلاناً سياسياً، عُرف باسم "إعلان القدس للشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، وأكد عزم بلاده على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على جميع دول المنطقة، وسعيها إلى توسيع نطاق التطبيع العربي معها، واستعدادها للمشاركة معها في "ردع" إيران.[25]

بعد قيام إسرائيل بشن حربها على قطاع غزة، التي شاركت فيها الولايات المتحدة الأميركية بصورة مباشرة من خلال تزويد إسرائيل بأحدث أنواع الأسلحة والمستشارين العسكريين واللجوء المتكرر إلى استخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد مشاريع القرارات التي تدعو إلى وقف إطلاق النار، وفي إطار التفكير فيما سُمي بـ "اليوم التالي" للحرب، صارت إدارة جو بايدن تشدّد على أن إنهاء دائرة العنف في المنطقة وضمان أمن إسرائيل يتطلبان إقامة دولة فلسطينية، تمهد الطريق أمام تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية. كما لوّحت بإمكانية الاعتراف بفلسطين كدولة، بعد انتهاء الحرب، إذ ذكرت بعض المصادر أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن طلب من مسؤولين في وزارته إعداد دراسة تستكشف السبل الممكنة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو خيار تتبناه، كما يبدو، المملكة المتحدة وفقاً لكلمات وزير خارجيتها ديفيد كاميرون في 29 كانون الثاني/يناير الفائت، الذي أشار إلى أن بلاده تفكر في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك في الأمم المتحدة.[26] وفي 15 شباط/فبراير الجاري، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن إدارة جو بايدن تعمل مع عدد من الدول العربية، في إطار مساعيها الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن المحتجزين لدى حركة "حماس"، على "وضع خطة تفصيلية وشاملة لسلام طويل الأمد بين إسرائيل والفلسطينيين، بما في ذلك جدول زمني ثابت لإقامة دولة فلسطينية"، وأن "من الممكن الانتهاء من الخطة في ربيع أو صيف سنة 2024"، التي تشتمل على إجراء "محادثات التطبيع مع الدول العربية في المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية."[27]

خاتمة:

استغرق وصول الولايات المتحدة الأميركية إلى تبني مطلب إقامة "دولة" فلسطينية زمناً طويلاً، ولم يبرز، بصورة صريحة، سوى في الخطاب الذي ألقاه الرئيس جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، وأكد فيه تمسك إدارته بالتزامها "نحو سلام عادل في الشرق الأوسط" والعمل "من أجل يوم تعيش فيه دولتان، إسرائيل وفلسطين، بسلام معاً ضمن حدود آمنة ومعترف بها، كما نص عليه قرار مجلس الأمن" رقم 242. بيد أن تأييد الولايات المتحدة الأميركية، المتأخر، لقيام هذه الدولة، إلى جانب إسرائيل، بقي لفظياً إلى الآن، كما ظل تصوّرها للدولة الفلسطينية متناغماً مع التصوّر الإسرائيلي الذي يرى في هذه الدولة كياناً سياسياً منزوع السيادة ومتقطع الأوصال، لا تكون القدس الشرقية المحتلة جزءاً منه، وتتلخص مهمته في المساهمة في ضمان أمن إسرائيل وإعفائها، بصفتها دولة الاحتلال، من مسؤولياتها تجاه سكان المناطق الفلسطينية.

فهل تعتزم إدارة الرئيس جو بايدن العمل، هذه المرة، على توفير الشروط التي تسمح بتحقيق هذا المشروع، الذي بقي حتى الآن أسير التوظيف السياسي في نطاق نهج "إدارة الأزمة" الذي اتبعته الإدارات الأميركية المتعاقبة؟ أو أن تأكيدها اليوم ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، المنزوعة السلاح والمحرومة من القدس الشرقية، ليس إلاّ مناورة تهدف إلى الحؤول دون اندلاع حريق شامل في الشرق الأوسط، ودون احتمال فقدان تأييد التيار "التقدمي" داخل الحزب الديمقراطي وأصوات قطاعات واسعة من الشبان الأميركيين، الذين صاروا يشكلون دعماً مهماً للقضية الفلسطينية، وخصوصاً أنها تقف على أبواب حملة انتخابية رئاسية جديدة؟

إن الرجوع إلى تاريخ تطور مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة، إزاء الصراع الفلسطيني - الصهيوني، لا يترك مجالاً كبيراً للأمل في صفوف الفلسطينيين، بل يزكّي فرضية المناورة، ولا سيما في ظل المعارضة الشديدة، شبه الإجماعية، داخل إسرائيل لمشروع إقامة الدولة الفلسطينية.

عن المؤلف: ماهر الشريف - مؤرخ فلسطيني، دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس الأولى. باحث متفرغ في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى- بيروت.