شعب موزع بين حربين .. مَنْ ينقذ مَنْ؟ مهند عبد الحميد

2024-03-22

صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ورقة سياسات بعنوان " شعب موزع بين حربين .. مَنْ ينقذ مَنْ؟" من تأليف مهند عبد الحميد.

وجاء في الورقة:

شهدت الضفة الغربية في الأعوام الثلاثة السابقة تصعيداً ملموساً في الاحتجاج والمقاومة في مواجهة عمليات الاستيطان والضم والتهويد التي تمارسها قوات الاحتلال ومنظمات الاستيطان الفاشية. وخلافاً لكل مساعي تبريد الصراع وتهميش القضية الفلسطينية سجل الصراع الفلسطيني احتداماً سياسياً وأمنياً. وكانت دولة الاحتلال في موقع الهجوم السياسي الذي عنوانه شطب الحقوق الفلسطينية المشروعة؛ فقد جاء في برنامج حكومة نتنياهو – بن غفير ما يلي: إن "للشعب اليهودي حقّاً حصرياً وغير قابل للتصرّف في جميع أنحاء أرض إسرائيل"، وتتعهد الحكومة تشجيع وتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل - في الجليل والنقب والجولان وفي يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة).[1] 

وكانت "صفقة القرن" التي أشرفت حكومة نتنياهو على بلورتها بالشراكة مع إدارة ترامب قد اعتبرت الاستيطان شرعياً والقدس الموحدة "عاصمة لإسرائيل"، وشطبت قضية اللاجئين.

أرادت حكومة الاحتلال حسم السيطرة على الضفة الغربية بضم أكثر من 60% من مساحتها المسماة "منطقة ج"، وتقويض ما تبقى من مقومات الدولة الفلسطينية، أو أي حل سياسي يعزز الكيان الفلسطيني على الأراضي الفلسطينية. يقول إيهود أولمرت، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إن الهدف النهائي لحكومة نتنياهو والثنائي المتطرف بن غفير وسموتريتش هو تطهير الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين، وتطهير "جبل الهيكل" من المصلين وضم الأراضي.[2]  وإمعاناً في السيطرة على الضفة الغربية، تم إرسال سريتين من قوات لواء الكومندوز التابع للجيش الإسرائيلي، والموجودة في حدود غزة، إلى الضفة الغربية قبل يومين فقط من 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وجرى نشرها في حوارة ومداخل مدينة نابلس.[3]

عجز السلطة

وإزاء الاستباحة الإسرائيلية استمرت السلطة والمنظمة في تقديم الخطاب التقليدي، وتبني سياسات لا تسمن ولا تغني من جوع، كتقديم شكاوى إلى منظمتي العدل والجنائية الدوليتين، وحث الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على التدخل واستصدار قرارات، غير أن تلك السياسة لم تتمكن من وقف أو حتى إبطاء التغلغل الاستيطاني والوقائع التي يصنعها المحتلون ليل نهار على الأرض. وتقع مسألة الدفاع عن المواطنين وتلبية حاجاتهم في صلب العلاقة بين المواطنين وأي سلطة، وإذا لم يتحقق ذلك فإن ثقة المواطنين بالسلطة تتضعضع، ويكون العقد الوطني أو التفويض عرضة للتفكك. وافتقدت السلطة والمنظمة الحساسية تجاه المزاج العام ونبض الأجيال الجديدة، ويجوز القول إنها غابت عن المشهد المليء بالتحولات والتدخلات وصناعة الوقائع الاستعمارية. كما فتح الغياب المجال أمام سلطات الاحتلال لتجريد السلطة من كل صلاحياتها ووضعها أمام خيارين، هما: التحول إلى أداة بيد الاحتلال في مواجهة شعبها، أو انهيارها واستبدالها بقوى تلبي سياسات الاحتلال. وكانت حكومة نتنياهو تغذي الخيارين في وقت واحد.

ظاهرة المقاومة الفردية

ثمة عاملان ساهما في انبثاق ونمو ظاهرة المقاومة الفردية المرتجلة والعفوية: العامل الأول، هو استباحة دولة الاحتلال الأرض ومواردها، وإذلالها المواطنين، وإغلاقها كل الأبواب والنوافذ أمام حل سياسي ينهي الاحتلال، ومساعيها المحمومة لتركيع الشعب والقفز عن تطلعاته الوطنية والإساءة لرموزه، ورعايتها منظمات فاشية استيطانية، مثل "فتيان التلال" و"تدفيع الثمن"، التي شرعت في ارتكاب جرائم وحشية. والعامل الثاني، هو عجز السلطة والمنظمة والمعارضة، بمستويات متفاوتة، والذي أحدث فراغاً وطنياً كبيراً. وقد ساهم العاملان في نمو ظاهرة المقاومة الفردية المرتجلة بمشاركة عشرات بل مئات الشبان من خارج بنية التنظيمات والحركات الشبابية. وبدأت عمليات فردية باستخدام الدهس، والطعن، والسلاح بمستوى أقل، فضلاً عن الزجاجات الحارقة، والحجارة، والتصدي لكل اقتحامات جيش الاحتلال للمدن والمخيمات الفلسطينية. وتصدّرت المشهد ردة فعل عفوية على شكل مقاومة بادر إليها جيل جديد من الشبان المندفعين بمتوسط عمري دون العشرين، وغير معروفين لأجهزة الأمن الإسرائيلية، واستمرت تلك الظاهرة منذ أواخر عام 2014 حتى عام 2017، تاركة بصماتها على الجيل الفلسطيني الجديد.

إن استمرار هذا النوع من المقاومة، صعوداً وهبوطاً، على امتداد سنوات، يؤكد نشوء وتبلور الظاهرة. وفي هذا السياق، بدأت فصائل المقاومة تعمل على فتح جبهة مقاومة مسلحة في الضفة الغربية، في مسعى لتنظيم الحالة العفوية، والانتقال إلى المقاومة المنظمة ومحاكاة المقاومة في قطاع غزة. وكانت البداية بكتيبة جنين وتمددت إلى نابلس – عرين الأسود – وكتيبة بلاطة وطولكرم وقلقيلية ومجموعات مقاومة في بلدات ومخيمات عديدة، بما في ذلك مخيم عقبة جبر في أريحا. وكانت استجابة الشبان للانتظام في المقاومة عالية، انسجاماً مع حالة المزاج الشعبي العام الذي فقد كل ثقة بإمكان الحل السياسي، وبرافعة لوائه السلطة الفلسطينية، ولا سيما أن الوقائع الاستعمارية المتصاعدة والمعززة بالقتل والاعتقال والإذلال لم تترك مجالاً للشك لدى أغلبية المواطنين، وخصوصاً لدى الفئات الشابة، في أن فشل طريق أوسلو يستدعي البحث عن طريق آخر لأسباب وطنية، ولأسباب أُخرى لها علاقة بالكرامة وبأبسط الحقوق الإنسانية، وأيضاً لأسباب لها علاقة بالضائقة الاقتصادية. وهذا التحول في الرأي العام أكده استطلاع للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة بين 6-9 أيلول/ سبتمبر 2023 نفذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية،[4]  جاء فيه:

76% من المستطلَعين يقولون إن فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل خلال السنوات الخمس المقبلة ضئيلة أو منعدمة.

58% يؤيدون اللجوء إلى المواجهات المسلحة والانتفاضة لكسر الجمود الحالي.

53% يؤيدون العمل المسلح كطريقة لإنهاء الاحتلال، في مقابل 20% يؤيدون المفاوضات.

45% يؤيدون تشكيل مجموعات مسلحة من المناطق المستهدفة لمواجهة إرهاب المستوطنين.

ميدانياً، شهدت الفترة من عام 2021 حتى 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تصعيداً واحتداماً في الصراع، فاتسع الفعل المقاوم، وشددت سلطات الاحتلال قمعها من خلال القتل والاعتقال وهدم المنازل والعقوبات الجماعية.

وسعت حكومة نتنياهو إلى تكريس ثقافة حسم الصراع على أنقاض الحقوق الفلسطينية المشروعة. وقد أقنع هذا التحول الأكثرية الساحقة من الشعب الفلسطيني بالبحث عن خيار بديل، ونجحت فصائل المقاومة في تقديم البديل، وهو المقاومة، وبدأ التحول من مقاومة فردية إلى مقاومة تحاكي تجربة المقاومة في قطاع غزة. لكن هذه النقلة لم تجب عن السؤالين التاليين: هل يمكن اعتماد المقاومة المسلحة كشكل رئيسي للنضال ضمن الشروط والمقومات المتوفرة والمحتمَل أن تتوفر؟ وهل تم وضع أهداف سياسية في إطار استراتيجية المقاومة، كوقف أو إبطاء اندفاعة المشروع الاستيطاني ووقف التطهير العرقي وتأمين مستوى من الحماية للمواطنين ومنع العقوبات الجماعية؟ وبالتحديد، لم تجب عن سؤال كيف يمكن ممارسة مقاومة مسلحة علنية أو شبه علنية من داخل قبضة أمنية إسرائيلية تضع مئات الحواجز والبوابات التي تقطّع أوصال الضفة وتتحكم بكل الموارد والطاقة والاتصال والحركة، كجزء من منظومة سيطرة استعمارية تعمل باستمرار على تفكيك مكونات الشعب الفلسطيني وإخضاعه وضبط سلوكه ومستوى معيشته. إسرائيل هي الدولة الأولى في العالم التي "تتقن" السيطرة على السكان وتضبطهم من خلال شبكة حواجز ضخمة ومتنوعة،[5]  ومن خلال قبضة أمنية وبنوك معلومات، وعبر التحكم في الموارد والاقتصاد والعمل؛ إذاً، كيف يمكن الإفلات من الرد الإسرائيلي المتحرر من كل قيد؟

لا تملك الضفة الغربية شروط قطاع غزة المحاصر، سواء لناحية امتلاكه الأنفاق التي تحمي المقاتلين وبنيتهم من ردات الفعل الإسرائيلية، أو لناحية حرية التدريب في بناء القدرات والمهارات. وكل المعطيات الميدانية تقول إنه لا تتوفر شروط ومعطيات تسمح باعتماد المقاومة المسلحة شكلاً رئيسياً للنضال، إذ قدمت تجربة الانتفاضة المسلحة عام 2000 الدليل على عدم توفر المقومات؛ فقد نجحت إسرائيل في اجتياح عام 2002 العسكري في تصفية بنية المقاومة في الضفة الغربية. والشيء نفسه ينطبق على تجربة المواجهة المسلحة غير المتكافئة – الاعتداءات والحروب على قطاع غزة- التي لم تكن في صالح تحرر الشعب الفلسطيني، وكانت الخسائر الفلسطينية فيها فادحة، أقلها تدمير البنية التحتية، وكانت تنتهي كل مرة بمزيد من فرض الشروط والتضييق والخنق. وفي العدوان الأخير، رداً على "طوفان الأقصى"، تقوم دولة الاحتلال بتدمير المجتمع الفلسطيني وبنيته التحتية ومؤسساته، وتحويل قطاع غزة إلى مكان غير صالح للحياة، وتضعه على أبواب التهجير القسري والطوعي، وتنفذ احتلالاً عسكرياً يجسد جشعاً استعمارياً.

إن المقاومة بكل أشكالها حق مشروع لشعب تحت الاحتلال، بحسب القانون الدولي، لكن هل هي ملائمة وتحقق وظيفتها إذا ما اعتُمدت كشكل رئيسي للنضال، أم باعتمادها كأحد أشكال النضال الدفاعية؟ وهل تستطيع المقاومة أن تكون علنية وتسيطر على مخيمات وبلدات ومدن في الضفة الغربية من غير أن تتعرض لردود وحشية إسرائيلية تؤدي إلى التصفية بالقتل والاعتقال وتدمير المكان كما حدث للانتفاضة المسلحة عام 2000؟ لا مناص من المقاومة مع استمرار احتلال استعماري إقصائي؛ مقاومة تشرك فئات واسعة من الشعب، وتستقطب دعم فئات واسعة من الحلفاء والأصدقاء، وتكتسب المشروعية، وتحقق إنجازات ومكاسب سياسية ومعنوية، وتحول الاحتلال إلى عبء إسرائيلي. ولدى الشعب الفلسطيني نموذج انتفاضة 1987 المشجع، وهبّة القدس والشيخ جراح المشجعة، ولديه أيضاً نموذج انتفاضة الأقصى المسلحة غير المشجع. ونجاح أو فشل شكل النضال من زاوية مستوى الاقتراب أو الابتعاد عن التحرر هو الذي يحدد ملاءمته للشعب الذي يناضل من أجل تحرره. لقد انفضّ الشعب عن سياسة التفاوض بعد أن استُخدمت كغطاء لتعميق الاحتلال والاستيطان والسيطرة الاستعمارية.

ما بعد 7 أكتوبر

منذ 7 أكتوبر وإعلان إسرائيل الحرب الشاملة على قطاع غزة، عمت احتجاجات، تخللها أعمال مقاومة، الضفة الغربية، وتحولت كل نقاط التماس إلى حالة صدام مع قوات الاحتلال، وعمت مراكز المدن مسيرات دعم لقطاع غزة. وكانت سلطات الاحتلال قد صعّدت من هجماتها وحملات الاعتقال والاقتحامات في مدن ومخيمات شمال الضفة الغربية قبل 7 أكتوبر، ما اضطرها إلى سحب بعض القوات من غلاف غزة ونشرها شمال الضفة. وبالتوازي مع حرب الإبادة في قطاع غزة صعّد جيش الاحتلال حرب تصفية الأجسام المقاومة في الضفة الغربية، والذي تضمن تدميراً جزئياً للبنية التحتية في مخيمات جنين ونور شمس وبلاطة.

وحصيلة الحرب التي تشنها دولة الاحتلال والمنظمات الاستيطانية الفاشية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر حتى 29 شباط/ فبراير 2024، وفقاً لإحصاءات دولية وفلسطينية، هي على النحو التالي:

بلغ عدد الشهداء 406، بينهم 103 تحت سن 18، و14 مواطناً قُتلوا على أيدي المستوطنين، وعدد الجرحى 4 آلاف، بينهم 593 تحت سن 18 عاماً، وتعرض 7270 شخصاً للاعتقال، بحسب نادي الأسير، بقي حوالي نصفهم في السجون، ليصبح العدد الإجمالي 9 آلاف سجين. وقد جرى مؤخراً إطلاق سراح عدد من الأسرى الإداريين بسبب اكتظاظ السجون بالمعتقلين الفلسطينيين، كما جرى إلغاء اعتقالات كان مخططاً لها عشية رمضان للسبب ذاته. وتم تهجير 848 مواطناً بعد تدمير بيوتهم، يتوزعون على 16 تجمعاً من البدو والفلاحين، وشن المستوطنون 595 هجوماً على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وجرى بناء 10 بؤر استيطانية جديدة على الأراضي الفلسطينية.[6]  قررت حكومة نتنياهو مؤخراً بناء 3400 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية، ووزع بن غفير 30 ألف قطعة سلاح، وطلب تغيير قواعد إطلاق النار وحصل عليه. لقد زادت أعمال العنف بنسبة 50%، وفي مقابل ذلك قُتل أكثر من 10 جنود ومستوطنين، وجُرح أضعافهم، ونفذ المقاومون أكثر من 100 نشاط مقاوم، كإطلاق نار وتفجير عبوات وإلقاء زجاجات حارقة وتصدي للاقتحامات الإسرائيلية.

ازداد الاستهداف الإسرائيلي للجسم العلني المقاوم شراسة وفتكاً، وقد حيّد عدداً كبيراً من المقاومين من خلال القتل والاعتقال غير المسبوق، فضلاً عن العقاب الجماعي الذي يطال مناطق وأسراً وأقارب. وعبّر وزير الدفاع يؤآف غالانت عن سياسة التصفية بالقول: "مَنْ هو مخرب أو يشتبه به أو في طريقه إلى ذلك يجب الوصول اليه وإيقافه وتصفيته."[7]  وأدى هذا القمع المنهجي إلى تراجع البنية المسلحة الناشئة ومراكزها العلنية وشبه العلنية في المخيمات والمدن، ونتيجة ذلك تراجعت أعمال المقاومة إلى العمل السري وعادت العمليات الفردية.

مآلات التصعيد

أمام مراوحة قوات الاحتلال وعدم وصولها إلى حسم السيطرة على قطاع غزة، على الرغم من الدمار الشامل وحرب الإبادة والتجويع، اللذين يتعرض لهما 2.3 مليون مواطن، ومع حلول شهر رمضان، يقول تقرير صادر عن جهاز الأمن الإسرائيلي إن ثمة احتمالاً مرتفعاً لتدهور أمني في الضفة الغربية، وفي حال حدوث ذلك ثمة شك في إمكانية وقفه. واستند التقرير إلى ارتفاع عمليات إطلاق النار بنسبة 80% في الضفة والقدس في السنة الأخيرة ووقوع أكثر من 500 حدث أمني في عام 2024.[8]

كذلك تحدثت صحيفة "وول ستريت جورنال"، بدورها، عن مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي شهر رمضان إلى تصعيد التوترات في الضفة الغربية والقدس. وكان الوزير بن غفير قدم تصوراً استفزازياً لدخول المواطنين من الضفة ومناطق 48 للصلاة في المسجد الأقصى في رمضان، في سياق سعيه ومجموعة الوزراء المتطرفين إلى إشعال مواجهة واسعة في الضفة، لكن سياسة بن غفير قوبلت برفض رئيس الشاباك ورؤساء الأجهزة الأمنية الذين حذروا من خطورة القيود التي وضعها بن غفير. وقد استجاب المجلس الحربي لتوصيات رؤساء الأمن وللضغوط الأميركية والأوروبية والعربية، بسحب صلاحيات المسجد الأقصى من بن غفير أولاً، وبالسماح للمصلين بدخول المسجد الأقصى في الأسبوع الأول من شهر رمضان 2024 بعدد مماثل لما كانت عليه الأعداد في السنوات السابقة، على أن يتم تقييم الوضع أسبوعياً والتعديل استناداً إلى المعطيات، وذلك في محاولة لنزع فتيل الانفجار.

شكَّل المسجد الأقصى ومدينة القدس نقطة صدام واشتعال فلسطينية مع سلطات الاحتلال وجماعات الهيكل من الأصوليين اليهود، ففي معظم الهبات والانتفاضات والصدامات السابقة كان للعامل الديني دور في اندلاعها، ولا سيما أن الأيديولوجيا الدينية هي حجر الأساس في الرواية الإسرائيلية التي تبرر الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية والاستحواذ على المكان المسمى "أرض إسرائيل التوراتية"، أرض الميعاد. ويساهم انحدار أكثرية المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين الديني والقومي في تحويل إسرائيل من دولة علمانية إلى دولة "ثيوقراطية" دينية، وفي السياق تتم سرقة الأراضي الفلسطينية والتنكيل بالفلسطينيين، وفي المقابل يستقوي المجتمع الفلسطيني بالدين لدرء الخطر الداهم. وإذا كانت دولة الاحتلال تحاول التغطية على أطماعها الاستعمارية بغطاء ديني يبرر استحواذها على المكان ويضفي على نهبها شرعية دينية كبديل من الشرعية الدولية، فإن الشعب الفلسطيني يلجأ إلى العامل الديني في محاولة للاستقواء بالشعوب والدول الإسلامية دفاعاً عن حقوقه ورموزه الدينية. ويلاحَظ أن اسرائيل تعود إلى سياسات القرون الوسطى في تحويل الأماكن الدينية من دين إلى آخر كما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل قبل عقود، وكما يحدث الآن في المسجد الأقصى من محاولات لانتزاع موطىء قدم على طريق فرض السيطرة عليه خلافاً لأخلاقيات العصر الحديث القائمة على تعايش الأديان والثقافات وتكامل الحضارات والاعتراف والاحترام المتبادلين.

وقد يشكل العامل الديني عنصر تفجير بدون وجود مقومات، وبدون حساب الخسائر، كما هو مرشح حدوثه في هذه الفترة. فالانفجار الشعبي الفلسطيني في الضفة قد يحدث من باب ردة الفعل على المس بالرموز الدينية أو على تصعيد حرب الإبادة والتجويع في غزة، وهذا النوع من الانفجار غير مرشح للاستمرار والتحول إلى انتفاضة ثالثة، لأنه لا يمتلك جهازاً إدارياً سياسياً مكوناً من تنظيمات سياسية ونقابات واتحادات ولجان شعبية تحوّل الانفجار الشعبي العفوي إلى فعل منظم، كما لا تتوفر موارد مالية محلية وخارجية داعمة في ظل الخنق الاقتصادي غير المسبوق، وليس هناك مستوى من الدعم السياسي الإقليمي والعالمي يجعل من الانتفاض أو الاحتجاج عملاً مشروعاً، أو مستوى من تأييد مؤسسات وأفراد وسياسيين وأكاديميين من داخل مجتمع دولة الاحتلال الإسرائيلي. يلاحَظ أن هذه المقومات غير متوفرة راهناً، ولا يصار إلى توفيرها، ولا سيما أن القوى السياسية التي ترغب في اندلاع انتفاضة ثالثة تتعرض لأشرس قمع، وبسبب طغيان الاهتمام بالعمل العسكري على إشراك الفئات الأوسع من الجماهير. لقد كانت المقومات متوفرة، في حدها الأدنى، في الانتفاضة الأولى، وبفعل ذلك استمرت الانتفاضة فترة طويلة ونجحت في تحقيق مكتسبات مهمة.

قد تحدث هبّة عفوية وانفجار شعبي وردات فعل فردية على الظلم والقهر والقمع واستباحة الحقوق الفردية والجماعية التي يمارسها الاحتلال منذ زمن طويل، وقد تتحول ردات الفعل هذه إلى ظاهرة يطول مداها أو يقصر، تختفي وتعود، كما حدث في ظاهرة الطعن والدهس، وظاهرة إطلاق النار الفردي. وثمة فرق جوهري بين هبّة عفوية وردات فعل فردية عنيفة – معزولة أو بدون تدخل منظم – تكون تحت رحمة نظام استعماري يتقن لعبة القمع والحصار والتدمير ويملك قاعدة معلومات وخبرة. وهذا يختلف عن دور مفترض لتنظيمات سياسية وربما نقابات وحركات اجتماعية تتقن حساب الربح والخسارة؛ فحساب الانتفاضة كما يقول فريدريك إنجلز في كتاب "حرب الفلاحين في ألمانيا" يتماثل مع "التفاضل والتكامل"، وخصوصاً عندما يكون التنظيم السياسي بصدد تحويل الهبّة العفوية والانفجارات الشعبية إلى فعل منظم قابل للاستمرار والتطور، ويحقق أهدافاً قد تكون صغيرة، وقد تكبر مع تطور الفعل النضالي.

عند التوقف عند علاقات القوة – ميزان القوى- فإن نضال الشعب الفلسطيني ضد استعمار إقصائي إسرائيلي معزز بأيديولوجيا دينية، وبدعم أميركي غربي وعالمي غير محدود يعني أن أي تقدم للنضال الفلسطيني سيكون بالنقاط وليس بضربة واحدة أو مواجهة كبيرة، ومن الطبيعي أن يتسم بالبطء ويستغرق زمناً طويلاً، ويعتمد أساساً على إشراك المجتمع الفلسطيني أو أغلبيته في النضال. كانت مأثرة انتفاضة 1987 تحييد آلة الحرب الإسرائيلية في الحدود الدنيا – بنادق- وبفعل هذا التكتيك البارع تمكنت أكثرية الشعب من المشاركة في النضال، ونجحت الانتفاضة في تقليل خسائر المجتمع، وقدم المنتفضون أنفسهم للعالم كشعب أعزل يطالب بحريته في مواجهة جيش مدجج بالسلاح. وكم كان الإنجاز الفلسطيني كبيراً عندما انحازت شعوب ودول ومؤسسات إلى جانبه وأيدت مطالبه ورفضت استمرار الاحتلال وقمعه لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

إن خطر حرب الإبادة في غزة، وخطر حرب التصفية في الضفة، يهددان الشعب الفلسطيني، ومعه منظومة القوانين والقيم والحقوق الناظمة لعلاقات الشعوب والدول في زمن الحرب. لقد سقط النظام الدولي ومؤسساته عندما تواطأ جزء منه مع العدوان، وعجز الجزء الآخر عن وقفه، وانتقلت مهمة إفلات الشعب الفلسطيني من الخطرين، ومهمة إعادة الاعتبار إلى منظومة القوانين والقيم والحقوق، من النظام الدولي إلى الشعوب والمؤسسات التي تحترم مبادئها.

كيف يتوحد الشعب الفلسطيني على مهمة إفشال حرب الإبادة في غزة ومهمة إفشال حرب التصفية في غزة؟ سؤال اللحظة الراهنة الذي يجب المساهمة في الإجابة عنه.

المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.