يوم الارض الخالد 30 آذار 1976: انتقال الجماهير العربية من نفسية النكبة إلى نفسية المواجهة والتصدي | عصـام مخـول

2024-03-30

يشـكل يوم الارض 30 آذار 1976 اعظم محطة في حيـاة الجماهـير العربيـة في اسرائيل، وأكثرهـا تأثيرا عـلى صياغة اسـتراتيجية بقائها والتأسـيس لفكرهـا السـياسي ونهجها النضالي. وشـكل لحظـة انعطاف تاريخية في تعامـل الجماهـير العربيـة مع نفسـها كأقليـة قومية ملتزمة بوطنها، وكقـوة ديمقراطية تقدمية لا يسـتهان بها وبوزنهـا في المواجهـة مع مؤسسـة الاضطهاد القومـي في إسرائيل والتصدي لمشـاريعها.

وعـلى الرغـم مـن أن مـشروع المصـادرة ومـشروع تهويـد الجليـل العنصري الـذي أعلن عنـه في بدايـة العام 1975 تحت مسمى مـشروع التطويـر والذي كان يرمي الى مصادرة عشرين ألف دونم، مما تبقى في حوزة البلدات العربية من الأرض، كان المبرر المبـاشر للوصول الى هـذا اليـوم الكفاحـي المجيد. إلا أن يـوم الارض لم يكن انفجارا عفويا للغضب الشـعبي ردا على مشـاريع التهويـد العنصريـة ومصـادرة البقيـة الباقيـة مـن الارض العربية في اسرائيل، لكنه جـاء تتويجـا لمعركـة سياسـية متواصلـة، واعية ومحسـوبة، تم تشـييدها حجـرا عـلى حجـر، ولبُنـة لبُنـة بشكل واعٍ ومدروس.

ويشـير القائـد التاريخـي الشيوعي والوطني البـارز النائـب الراحل توفيـق طوبي، أحـد أبرز القيـادات المؤسسة لنضال الجماهـير العربيـة في اسرائيل، وأحـد أبـرز قـادة يـوم الارض ومخططي معركتـه، في مقالة لـه أعيد نشرها في كتاب "يوم الأرض – انتصار وحدة الصف الكفاحية" الصادر عن معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية 2016، الى أن "فكـرة اعـلان يـوم الارض ومعه الاضراب العـام اختمرت عبر نشـاطات جماهيرية متعـددة منـذ أن أعلنـت الحكومة مشـاريع المصـادرة الكـبرى في الجليل في مطلـع العام 5791".

كان واضحا أن فرصة الجماهير العربية في إسرائيل للصمود ومقارعة مشـاريع مؤسسـة الاضطهـاد القومـي والتمييـز العنصري ومشـاريع المصـادرة والتهويـد، وللمواجهة مع أدوات القمـع وآليات السـيطرة والاخضـاع الصهيونية - الأمنية والسياسـية، والاقتصادية والأيديولوجيـة، والتشريعيـة والقضائيـة التـي تحتفـظ بهـا المؤسسـة الحاكمـة، كانت مرهونـة بالقـدرة على اسـتنهاض أوسـع قاعدة بـين الجماهـير العربية وتعميـق وعيها، وتحويـل مشـاعر الغضب والقهـر القومي والظلم الشـخصي إلى قوة سياسـية فاعلة والى وعـي ثـوري جماعي. وبهـذا المعنى كان مـشروع بناء أطـر الوحـدة الكفاحية، والمبادرة الى تأسـيس الجبهـات الشـعبية، وتأسـيس اللجـان الشـعبية وانتشـارها في كل البلدات العربيـة والمـدن المختلطـة وتوجيههـا، هـو المقدمـة الضروريـة والضمانة الأكيـدة لبناء الوحـدة الكفاحيـة المؤهلـة لزج أقلية قوميـة واعية في معركـة مجيدة، مدعومـة بتضامن حلفائهـا الذيـن جـرى تجنيدهـم بشـكل مخطـط ومـدروس مـن بـين أوسـاط القوى الديمقراطيـة التقدميـة محليا وعالميـا، لتفويت الفرصة على مؤسسـة الحكـم في اسرائيل لعـزل الجماهير العربية والاسـتفراد بها، والامعـان في تنفيذ مشروعهـا لتدجين الجماهير العربيـة المواطنـة في اسرائيل وتشـويه انتمائها العربـي وهويتها الفلسـطينية.

محور القهر القومي ومراكمة الجاهزية الشعبية لمقاومته!

تميـّزت العلاقة بين المؤسسـة الرسـمية الاسرائيليـة والجماهير العربيـة الملتصقة بوطنها والمواطنـة في اسرائيـل بعـد النكبـة عـام 1948 وحتى يـوم الارض، بتراكـم في محورين اثنـين متزامنـين ومتوازيـين : فمن جهة، كان يجـري التراكم في محور سياسـة الاضطهاد القومـي والتمييـز العنصري المهين، وقهـر الجماهير العربية ومحـاصرة تطورها وتعميق تخبطهـا بإحباطـات النكبة ونفسـية الهزيمة والتـشرذم والابتزاز السـياسي. ولم تتورع السـلطات الحاكمـة عـن مقايضـة الجماهير عـلى لقمة العيـش في ظل سياسـة المصادرة والحكـم العسـكري، وتهويـد الارض والعمـل، وسـلخها عـن شـعبها وثقافتهـا، وخلق انتمـاءات مفتعلـة هجينة وتعزيز الانتمـاءات الرجعيـة الضيقة وامتهـان الكرامة والحقوق والمقدسـات.

وكان شـعور المؤسسـة ان زيـادة الضغـط عـلى المواطنـين العـرب لا بدّ ان تؤتـي ثمارها وان تـؤدي الى خضوعهم.

وازاء التراكـم في محـور القهـر، كانـت تجـري عـلى سـاحة الجماهـير العربيـة بالمقابل مراكمـة مـن نـوع اخـر، يقودهـا الشـيوعيون - حزبهـم ومؤسسـاتهم وصحفهـم - الاتحـاد والجديد والـدرب والغد، مراكمـة قوامها تعميـق الانتماء القومـي، وتاكيد الوعي الوطني، وترسـيخ اللغـة والثقافة الوطنية والانسـانية التقدميـة والديمقراطية، وتخريج ابـرز الشـعراء والكتـاب والمثقفـين الوطنيين، والسـهر على تنشـئة الاجيـال المتتالية على نفسـية الراس الشـامخ المرفـوع، والتصدي للظلـم، والتثقيـف على قوة الغضـب العادل وقـدرة الكف عـلى ملاطمة مخـرز القهـر والاضطهاد القومـي والطبقـي، وفاعلية وحدة الصـف الكفاحية.

وكتشـف يوم الأرض بأعمق معانيه، البعـد الوطني الحقيقـي والعميق للبقـاء في الوطن والتثبت بالأرض، والتوعيـة عـلى رفـض الاعتذار عـن هـذا البقـاء المجبـول بالصمـود وبالدفاع عن هـذه الجماهـير وكرامتها القومية والانسـانية، والامتنـاع عن الاعتذار عن ممارسـتها لدورهـا المتميـز على سـاحة المجتمع الاسرائيـلي المعقـدة، والاصرار على لعب دور أساسي من موقعنا داخل إسرائيل ، في إحداث التغيير على هذا المجتمع وعلى تغيـير جوهره وموازينه ووجهـه ووجهته.

مـع بدايـة السـبعينات كانـت الجماهـير العربيـة وقياداتهـا الوطنية التقدمية وفي طليعتها الشيوعيون وأصضدقؤهم ، تعمـل عـلى بناء اطرهـا الكفاحيـة بكثافـة اعـدادا لمرحلـة جديـدة مـن التطـور والقـدرة عـلى التصدي للتراكـم المـوازي في محـور السـلطة.

فنحو أواسط سبعينيات القرن العشرين، كانت قد تأسسـت اللجنـة القطريـة للطـلاب الثانويـين، ومجالـس الطلاب الثانويين، ولجـان الطلاب العـرب في الجامعات، واتحادهم القطـري، وتنظيمات الاكاديميين، والحرفيـين والتجـار، ولجنـة المبـادرة الدرزية، ولجنـة الدفاع عـن الارض، وانتظمـت اللجـان المحليـة للدفـاع عـن الارض في كل مـكان، وقامـت جبهـة النـاصرة الديمقراطيـة وانتـصرت في انتخابـات العـام 1975 انتصـارا تاريخيـا قـاده القائـد الشـيوعي والوطنـي توفيـق زيـاد رئيس بلدية الناصرة منذ كانون اول 1975 والنائب في الكنيست ، وأحـد أبـرز قـادة يـوم الأرض وأحد أبرز قادة الجماهير العربية في إسرائيل ، مما هـز أركان المؤسسـة الحاكمـة وأدواتهـا الرجعيـة العربية، وتتالى تأسيس العديـد من الاطـر الكفاحية، في تحـد لإصرار السـلطة عـلى التعامـل مـع الجماهـير العربيـة ليـس كأقليـة قومية، بل كطوائـف وحمائـل وملـل، قابلة للإخضاع والتدجين.

وكان مـن الطبيعـي ان يحـدث الاصطدام حـول قضيـة الارض في 30 اذار 1976- القضية التـي تحمـل في طياتهـا كل المعاني التـي ينطوي عليهـا وجود الاقليـة القوميـة العربية في وطنهـا، وطنيـا ومدنيـا، فكان في مخطـط تهويد الجليل ما يكفي من الاسـتفزاز لاسـتنفار الجماهـير العربيـة للدفـاع عن حقها بالمسـاواة، وعن ارضهـا وعن بقائها وعن مسـتقبلها، في مواجهـة سياسـة قمع ما زالـت تؤمن بقدرتها، ليس عـلى مصادرة الارض فقـط، بل وعلى مصادرة حـق الاحتجاج السـياسي والاضراب والتصرف الجماعـي كاقلية قومية لها قضية مشـتركة.

لقـد جرى الانفجـار، لان الجماهير البطلـة المعبأة وقيادتها الشـجاعة والمسـؤولة لم ترتدع ازاء تهديـدات السـلطة ووعيدهـا ما لم تتراجع عـن قرار الاضراب.

كانـت هـذه الجماهير المعبّـأة سياسـيا وقيادتهـا الشـجاعة، على اسـتعداد لان تدفع ثمنا باهظـا ممهورا بدمـاء الشـهداء والجرحى، ومئـات المعتقلـين والمفصولين مـن العمل لقاء التمسـك بالموقـف المشرف الـذي كان يـؤذن ببدء مرحلـة جديدة في حيـاة الاقليـة القومية العربيـة في البـلاد، وفي وعيهـا لذاتهـا وموقعهـا وطريقهـا المتميـز، تحوّل يـوم الارض في اطارهـا الى لحظـة انعطـاف قوّضت فيهـا نهائيا نفسـية النكبـة ووطدت مكانها نفسـية التصـدي الصدامي دفاعـا عن نفسـها وعن حقوقهـا وتجذّرها.

ليس معركة "نخب" نيابة عن الشعب إنما بناء معركة قوامها المشاركة الشعبية !

فقـط قيـادة شـجاعة ومسـؤولة الى أقـصى الحـدود، متمرسـة في المواجهـة مع سياسـة الاضطهـاد القومي، حكيمة ومجربة، تسـتند الى مشروع سـياسي وطنـي وتقدمي واضح المعالـم، كان بمقدورهـا أن تقف عـلى رأس هذه المعركة وأن تخطط لهـا وتوجهها.

كانت الـشرارة قـد انطلقـت من اجتمـاع تشـاوري عقـد في 29.7.1975 في نـادي "الاخوة" في حي الألمانية في حيفـا (مقـر الحـزب الشـيوعي والجبهة حاليـا)، تنـاول مشـاريع المصـادرة المطروحة، وأقـر تشـكيل لجنـة تحضيريـة لعقـد اجتمـاع موسـع في النـاصرة، في 15.8.1975، وانتخبـت عـن مؤتمـر النـاصرة الموسـع لجنـة تحضيريـة من 40 شـخصية. تأسسـت منهـا وعـلى أساسـها "لجنة الدفـاع عـن الاراضي العربية"، واختير لرئاسـتها الشـخصية الوطنيـة القـس شـحادة شـحادة ومعـه مركزا لعمـل اللجنـة القائـد الشـيوعي صليبا خميـس ومحامـي الارض والشـعب حنـا نقـارة والعديـد من الشـخصيات، لتكـون أداة وطنيـة شـاملة و"إنـاء" نضاليا يتسـع لبناء وحـدة الصـف الكفاحية، وفتحـت أبوابها أمـام كل المعنيـين بالمشـاركة في معركـة الدفـاع عـن الارض ومقاومـة مـشروع التهويد العنـصري، وجابـت لجنة الدفاع عـن الاراضي البلاد مـن أقصاها الى أقصاهـا، من الجش وعرب العرامشـة شـمالا وحتى النقب جنوبـا، تنظم المهرجانات الاحتجاجية وتسـتنهض أصحـاب الاراضي المتضررين من مشـاريع المصادرة وتحشـد التأييد الشـعبي، وتؤسـس اللجـان المحليـة للدفـاع عـن الارض، تعبـئِّ الجماهـير الشـعبية مـن الفلاحـين والعمال والمثقفـين والطـلاب الثانويـين والطـلاب الجامعيـين والحرفيـين والتجار، رجالا ونسـاء وتخاطـب جمهـور الشـباب الذيـن شـكل في حينـه قرابـة %60 مـن المجتمـع العربي في البـلاد، وتوقـع بيانـات التأييـد للمعركـة، وتعقـد الاجتماعـات الاحتجاجية الحاشـدة وتعلـن رفضهـا ومقاومتها لمشـاريع التهويـد والمصادرة.

كانـت هـذه العمليـة المتواصلـة مـن اجتراح أسـاليب النضـال والتحشـيد وبنـاء الوعي وآليـات المشـاركة الثوريـة هـي التي أسست لتصرف الجماهـير العربية كأقليـة قومية واعيـة ومنظمـة. كان هـذا هـو المفهـوم الـذي جعـل مـن يـوم الارض 30 آذار 1976 محطـة تاريخيـة غـير مسـبوقة في حيـاة الجماهـير العربيـة الفلسـطينية في اسرائيل فرضت نفسها كقوة نوعية وازنة وأساسية لا يمكن تجاهلها على الساحة الإسرائيلية.

بهذا المعنى فإن يوم الأرض، ليـس مجـرد انفجـار غضـب عفـوي، بل نقطـة انعطـاف نقلـت هـذه الجماهـير نقلة اسـتراتيجية نوعيـة، فرضـت مـن خلالهـا هيبتهـا كأقليـة قوميـة واعيـة على مؤسسـة الاضطهـاد القومي في اسرائيـل، وفرضت هيبتها فلسـطينيا وعربيا وعالميـا كقوة كفاحية وطنيـة وديمقراطيـة، يحسـب لهـا حسـاب، تخـوض معركتهـا بعنـاد عـلى السـاحة الاسرائيليـة دفاعـا عـن أرضهـا ووجودها.

لقـد صاغت معركـة يوم الارض اسـتراتيجية كفـاح الاقليـة القومية العربيـة في اسرائيل للمـدى البعيـد. وعكسـت هـذه المعركـة التـي وقـف في مركزهـا حـزب شـيوعي اممي مجـرّب، جدليـة التفاعـل والتأثير المتبادل بـين المعركة عـلى حقوقها القومية ومسـاواتها القوميـة والمدنيـّة، وبـين المعركـة على حقهـا في التأثـير على وجهـة المجتمـع الاسرائيلي، وخـوض المعركـة على تغيـير طابعه، مـن خلال مراكمـة التناقضـات الداخليـة في الفكر الصهيونـي وممارسـاته، ومن خـلال التصدي لسياسـة الاحتـلال والحرب والاسـتيطان، وتقـدم معركـة الجماهـير العربية داخل إسرائيل من اجـل حقوقهـا كأقلية قوميـة وانتزاع مسـاواتها، ومنـع مصـادرة ارضهـا وهـدم بيوتها ووقـف سياسـة التمييـز العنـصري ضدّها، هي حلقـات اساسـية في المعركـة عـلى الديمقراطية والمسـاواة الشـاملة والعدالـة الاجتماعية والتقـدم في اسرائيـل بمجملهـا، تؤثـر فيهـا وتتأثر بهـا، كمـا ان التحويـل الديمقراطي التقدمـي للمجتمـع الاسرائيـلي لـن يكـون ممكنـا مـن دون ان ينعكس في وقف سياسـة التمييـز العنصري والاحتلال والاسـتيطان والتنكر لحقوق الشـعب الفلسـطيني، لتصبح المعركـة الديمقراطيـة والوطنيـة معركـة واحـدة، تخـص الجماهـير العربيـة والقـوى الديمقراطيـة في اسرائيـل بشـكل موضوعـي متداخـل ومتكامل.

ومـن المفارقات الهامـة التي رافقت محطة يوم الارض، ان اللحظة التي عكسـت زخم اشـد مواجهـة وطنية خاضتهـا الاقلية القومية الفلسـطينية في اسرائيل بفعـل ارتباطها بالأرض، وعمقـت انتماءهـا القومـي وعمقها الفلسـطيني، هـي اللحظة نفسـها التي اكتشـفت فيها هـذه الجماهـير عمـق الدور الـذي افترضته معركتهـا على السـاحة الاسرائيليـة، والطاقات الكامنـة في تميـز هـذا الـدور، وقدرتـه عـلى المسـاهمة في تحويل طابـع النظـام القائم في اسرائيـل نحـو الديمقراطية الحقيقية والمسـاواة القوميـة والمدنية والسـلام العادل وانهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني في تناقض مع الأيديولوجية الصهيونية السائدة في إسرائيل ومؤسستها الحاكمة، التي تهدد مصالح الجماهير العربية ومستقبلها، كما تهدد المصالح الحقيقية للجماهير اليهودية العاملة والطامحة الى العيش بسلام وديمقراطية جوهرية.