مـا هـي دلالات الـتـوجـه الـحـالـي نـحـو الاعـتـراف بـالـدولـة الـفـلـسـطـيـنـيـة؟ تأليف: ماهر الشريف

2024-04-28

سنة النشر: 2024 - اللغة: عربي - عدد الصفحات: 12 - مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

في مطلع نيسان/أبريل الجاري، أرسلت دولة فلسطين رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تطالب فيها من جديد بالحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وفي الثامن من الشهر نفسه، أكدت المندوبة الأميركية، ليندا توماس غرينفيلد، في نهاية أول اجتماع مغلق لـ "لجنة قبول الأعضاء الجدد"، أن "موقفنا معروف جيداً ولم يتغير"، وهو الموقف القائم على أن الأمم المتحدة "ليست المكان المناسب للاعتراف بالدولة الفلسطينية"، وأن هذا الاعتراف يجب أن يكون "نتيجة اتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل."

وقد لجأت الولايات المتحدة الأميركية، في 18 نيسان/أبريل الجاري، إلى استخدام حق النقض "الفيتو" لعرقلة مشروع قرار تقدمتْ به الجزائر، باسم المجموعة العربية، إلى مجلس الأمن، يدعو إلى الاعتراف بدولة فلسطين بصفتها عضواً كامل العضوية في المنظمة الدولية، وذلك بعد أن حصل ذلك المشروع على 12 صوتاً مؤيداً، وامتنع عضوان من التصويت، هما المملكة المتحدة وسويسرا. وكان من المفترض أن يحصل قبول دولة ما في الأمم المتحدة على توصية إيجابية من المجلس، أي على 9 أصوات على الأقل من مجموع 15 صوتاً من دون أن يكون هناك "فيتو" من عضو دائم، ثم توافق عليه الجمعية العامة بأغلبية الثلثَين. وأوضح نائب المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، روبرت وود، أن "هذا التصويت لا يعكس معارضة قيام دولة فلسطينية، إنما هو اعتراف بأن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلاّ عبر المفاوضات المباشرة بين الطرفين"، معرباً عن أسفه بشأن "الإجراءات السابقة لأوانها هنا في نيويورك، حتى مع توافُر أفضل النيات."[1]

الاعترافات بالدولة الفلسطينية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر

بعد قيام المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، بإعلان "وثيقة الاستقلال"، اعترفت 85 دولة حول العالم بالدولة الفلسطينية المعلنة، ثم حذت دول أُخرى حذوها في العقود التي تلت ذلك، بعد جهود دبلوماسية ثنائية، إذ بلغ عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تعترف بدولة فلسطين 137 دولة، أغلبيتها من دول الجنوب والشرق، من مجموع 193 دولة. وفي الغرب، كانت السويد أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعترف بدولة فلسطين في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2014، وهو الاعتراف الذي رأت فيه السلطة الفلسطينية خطوة "شجاعة وتاريخية"، بينما رأى فيه وزير خارجية إسرائيل آنذاك، أفيغدور ليبرمان، خطوة "سيئة" ستؤدي إلى "تعزيز العناصر 'المتطرفة' وسياسة الرفض التي ينتهجها الفلسطينيون."[2] وكانت هناك 8 دول أُخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي قد اعترفت بدولة فلسطين قبل انضمامها إليه، وهي: بلغاريا، وقبرص، وجمهورية التشيك، والمجر، وبولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا، ومالطا، كما اعترفت بها رسمياً، خارج الاتحاد الأوروبي، آيسلندا والفاتيكان.

في أيلول/سبتمبر 2011، أطلق رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مبادرة لضمان انضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة، لكن تلك المبادرة لم تتكلل بالنجاح. وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، حصلت فلسطين على وضع دولة غير عضو، لها صفة المراقب في الأمم المتحدة، وذلك بعد قرار اعتمدته الجمعية العامة بأغلبية كبيرة، حظي بتأييد 138 دولة ومعارضة 9 دول وامتناع 41 دولة من التصويت. وبينما هذه الصفة لا تمنح فلسطين حق التصويت في الجمعية العامة، لكنها تمنحها فرصة الانضمام إلى وكالات الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية. وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" قد مهدت الطريق بقبول دولة فلسطين كأحد أعضائها الكاملي العضوية في تشرين الأول/أكتوبر 2011، الأمر الذي دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى الانسحاب من المنظمة في سنة 2018، وذلك قبل أن تعود الأخيرة إليها في سنة 2023. وبفضل هذه الصفة، تم قبول فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية في سنة 2015، وهي المحكمة الدولية الدائمة الوحيدة التي يمكنها محاكمة الأفراد على جرائم الحرب.[3]

إسبانيا قاطرة التوجه الأوروبي نحو الاعتراف بدولة فلسطين

بينما تشن إسرائيل حرب الإبادة والتجويع ضد سكان قطاع غزة، برز توجُه لدى عدة دول، وخصوصاً في القارة الأوروبية، إلى طرْح مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على جدول الأعمال، ومثّلت إسبانيا، بقيادة الاشتراكي بيدرو سانشيز، قاطرة هذا التوجه.

وكان البرلمان الإسباني قد اعتمد، في سنة 2014، وفي ظل حكومة محافظة، قراراً يدعو إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حظي بدعم جميع الأحزاب السياسية الممثلة فيه، إلاّ إن هذا القرار، الذي كان غير ملزم، لم يخلف أي أثر. وبعد نجاحه، في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، في تجديد حكمه لولاية جديدة مدتها 4 سنوات على رأس ائتلاف حكومي مع أقصى اليسار، وعد بيدرو سانشيز بأن "التزامه الأول" في السياسة الخارجية سيكون "العمل في أوروبا وإسبانيا للاعتراف بالدولة الفلسطينية." وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وفي أثناء زيارته إسرائيل، أكد سانشيز، خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دعمه حق إسرائيل في "الدفاع عن نفسها"، لكنه أضاف أنه "من مصلحة إسرائيل العمل من أجل السلام، والسلام اليوم يتطلب إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة." ثم راح يبرز بصفته "أحد أكثر الأصوات الأوروبية انتقاداً لإسرائيل" في حربها على قطاع غزة، وصرّح في 10 نيسان/أبريل الجاري: "لا يمكن للمجتمع الدولي مساعدة الدولة الفلسطينية إذا لم يعترف بوجودها"، مؤكداً أن مدريد مستعدة للاعتراف بفلسطين كدولة، وأن هذا الاعتراف "يصب في مصلحة أوروبا الجيوسياسية"، من دون أن يحدد موعداً لذلك. وخلال زيارة بدأها في 12 من الشهر نفسه، إلى كل من بولونيا والنرويج وإيرلندا، لمناقشة "ضرورة إحراز تقدُم نحو الاعتراف بفلسطين"، وفقاً لمتحدث باسم الحكومة الإسبانية، شدّد سانشيز من العاصمة النرويجية أوسلو على أن "إسبانيا ملتزمة علناً الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أقرب وقت ممكن، عندما تكون الأوضاع مناسبة، وبطريقة يكون لها أقوى تأثير إيجابي ممكن في عملية السلام."[4]

دول أوروبية أُخرى تعلن استعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية

في 22 آذار/مارس 2024، نشر بيدرو سانشيز ونظراؤه الإيرلنديون والمالطيون والسلوفينيون، على هامش القمة الأوروبية في بروكسل، إعلاناً مشتركاً أوضحوا فيه أنهم "مستعدون للاعتراف بفلسطين" عندما "يمكن أن يقدم ذلك مساهمة إيجابية لقضية فلسطين، ولحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني."[5]

وكانت إيرلندا قد أشارت منذ سنوات إلى أنها لا تعارض، من حيث المبدأ، الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية، إذا كان هذا الاعتراف سيساهم في عملية السلام في الشرق الأوسط، وأعلن وزير خارجيتها، مايكل مارتن، في دبلن في 9 نيسان/أبريل الجاري، ضِمن كلمة ألقاها أمام البرلمان الإيرلندي: "ليس لدي أدنى شك في أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيتم"، معتبراً أن تأخير هذا الاعتراف "لم يعد ذا صدقية، ولا يمكن الدفاع عنه بعد الآن"، وقال في وقت لاحق للموقع الإخباري الإيرلندي "ذا جورنال": "ليس هناك شك في أن هناك جرائم حرب قد ارتُكبت، وأنا أدين بصورة قاطعة القصف المستمر لشعب غزة"، مقدّراً أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية "يمكن أن يكون بمثابة حافز لمساعدة سكان غزة والضفة الغربية ودفع مبادرة السلام التي يقودها العرب."[6]

وفي 12 من الشهر نفسه، قال رئيس الوزراء الإيرلندي، سيمون هاريس، بعد أيام من تسلُمه منصبه، لدى استقباله نظيره الإسباني بيدرو سانشيز: "سيكون بيدرو سانشيز أول رئيس حكومة أرحب فيه، وأتطلع إلى أن تتاح لي الفرصة كي أناقش معه مسألة الاعتراف بدولة فلسطين وقضايا أكثر عمومية." وكانت الدولتان قد حثتا في رسالة مشتركة، في شباط/فبراير الفائت، المفوضية الأوروبية على التحرك بصورة عاجلة "لضمان احترام إسرائيل النقاط الأساسية الواردة في اتفاقية الشراكة التي تجمعها مع الاتحاد الأوروبي بشأن حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية." وتحدّث رئيس الوزراء الإيرلندي، في 11 نيسان/أبريل الجاري، مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بشأن دعم وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة ومراجعة اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، مقدّراً "أنه يجب على الاتحاد الأوروبي استخدام كل الأدوات المتاحة له لحماية الشعب الفلسطيني"، وهو الموقف الذي دانته إسرائيل بشدة، متهمة المسؤول الإيرلندي بـ "عدم ذكر مصير الرهائن المحتجزين في غزة."[7]

ومن جهته، أعلن يوناس غار ستور، رئيس الوزراء النرويجي، في 12 نيسان/أبريل الجاري في أوسلو، بحضور نظيره الإسباني بيدرو سانشيز، أن النرويج مستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية، بالاشتراك مع دول أُخرى، وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع سانشيز: "النرويج مستعدة لاتخاذ قرار بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية"، و"يجب اتخاذ هذا القرار وفقاً للحظة والسياق، بالتنسيق الوثيق مع الدول ذات التفكير المماثل، لكننا لم نحدد جدولاً زمنياً دقيقاً لذلك." وأضاف: "أرحب بمبادرة رئيس الوزراء سانشيز للتشاور مع الدول ذات التفكير المماثل من أجل تعزيز التنسيق، وسوف نكثف هذا التنسيق في الأسابيع المقبلة." وكان البرلمان النرويجي قد تبنّى في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 اقتراحاً تقدمت به الأحزاب الحاكمة يدعو الحكومة إلى الاستعداد للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة.[8]

وكان الاتفاق السياسي الذي تشكّلت على أساسه الحكومة الائتلافية في بلجيكا، في تشرين الأول/أكتوبر 2020، قد طرح إمكان الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت المناسب. وفي 19 نيسان/أبريل الجاري، أكد مكتب وزيرة خارجية بلجيكا، حجة لحبيب، أن النقاشات مستمرة داخل الحكومة بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لأن هذا "يتوافق مع حل الدولتين"، وأضاف أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية "يشكّل جزءاً من المفاوضات السياسية الجارية، على أن يتم هذا الاعتراف في الوقت المناسب، كي يكون رافعة استراتيجية في نطاق عملية سياسية شاملة، ينخرط فيها أكبر عدد من الدول، كي يكون لهذا الاعتراف أقوى تأثير في عملية السلام وفي تحقيق حل الدولتين."[9]

هل طرأ تطوّر على الموقف الفرنسي من مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟

في 16 شباط/فبراير 2024، أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال استقباله الملك الأردني، عبد الله الثاني، أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية "ليس من المحرمات" بالنسبة إلى فرنسا، وأعلن وزير خارجيته، ستيفان سيجورنيه، في الشهر نفسه أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو "أداة في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية"، بينما عبّر جان إيف لودريان، وزير خارجية فرنسا السابق ومبعوث الرئاسة الفرنسية حالياً إلى لبنان، في مقابلة إذاعية أُجريت معه في 4 نيسان/أبريل الجاري، عن رغبته في أن تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية للضغط على إسرائيل، وقال: "شخصياً، أعتقد أنه ينبغي القيام بذلك"، معتبراً أنه من الضروري "اتخاذ إجراءات من هذا النوع للمضي قُدُماً في الضغط على إسرائيل، لأننا لا نستطيع قبول استمرار الوضع على هذا النحو"، وأضاف: "على الإسرائيليين الآن أن يخرجوا من عزلتهم لأنهم سوف ينبذون أنفسهم عن المجتمع الدولي بأكمله، وهذا ليس الهدف المنشود"، مشيراً إلى أن الوضع على الأرض يمر بـ "نقطة تحوُل."[10]

وفي مقابلة صحافية أُجريت معه في 2 آذار/مارس الفائت، علّق الخبير الفرنسي في الشؤون الجيوسياسية والأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، فردريك أنسل، على الموقف الفرنسي الرسمي إزاء مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالقول: "يتعين علينا أن نتذكر تصويت فرنسا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سنة 2012، حين امتنعت فرنسا والمملكة المتحدة من التصويت، وحال ذلك دون صدور قرار الاعتراف بدولة فلسطين بفارق صوت واحد"، وأضاف: "إن فرنسا، كما المملكة المتحدة، ترى أننا لا نستطيع الاعتراف بدولة، أو على الأقل بكيان، إلاّ لدى تمتُعه بامتيازات معينة، كممارسة السيادة على إقليم معين، واليوم، ليس هذا هو الحال بالنسبة إلى فلسطين." ورأى أن حديث وزير الخارجية الفرنسية عن أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو "أداة في عملية السلام" يجب أن يؤخذ "روحاً وليس نصاً، إذ إن فرنسا، بهذا القول، تمارس ضغوطاً دبلوماسية على إسرائيل"، و"تعيد التشديد، بقدر من الشدة أكبر قليلاً من السابق، على رغبتها في نجاح حل الدولتين"، أي هي طريقة لقول "إن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وهي طريقة لممارسة ضغوط دبلوماسية أكبر على حكومة نتنياهو التي تعارض بشدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية."[11]

"الفيتو" الأخير يفضح مناورة التلويح بالاعتراف الأميركية

في 31 كانون الثاني/يناير 2024، كشف موقع أكسيوس الإخباري الأميركي أن الإدارة الأميركية تدرس خيارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية في نهاية هذه الحرب، وأن وزير خارجيتها، أنتوني بلينكن، يعمل "على دراسة الخيارات المتعددة بشأن هذا الموضوع، وفقاً لمسؤولَين اثنَين لم يُكشف عن هويتهما." وكانت حكومة المملكة المتحدة قد سبقت الإدارة الأميركية إلى التلويح بهذا الإمكان، وذلك عندما أعلن وزير خارجيتها، ديفيد كاميرون، في 29 من الشهر نفسه ما يلي : "نحن – والحلفاء – نفكر في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك في الأمم المتحدة"، مؤكداً "مسؤولية" بلاده في إحراز تقدُم نحو إنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني" بَيْد أن "الفيتو" الذي لجأت إليه الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن، في 18 نيسان/أبريل الجاري، لتعطيل مشروع القرار الجزائري للاعتراف بدولة فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، أظهر حقيقة الموقف الأميركي من مسألة الاعتراف هذه، وبيّن أن تلويح إدارة الرئيس جو بايدن بالاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يكن سوى مناورة هدفت في حينها إلى الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو من جهة، والسعي لتخفيف حدة الانتقادات التي يوجهها قطاع واسع من الأميركيين، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي، إلى سياسة الإدارة إزاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من جهة ثانية.[12]

رفض إسرائيلي حازم لهذا التوجه نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية

يرى المسؤولون الإسرائيليون أنه في الوقت الذي تخوض إسرائيل "معركة شرسة ضد حركة 'حماس' الإسلامية، وتدافع عن نفسها بمفردها ضد تهديدات الحرب من جانب إيران"، فإن الأصوات المطالبة بالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية ترتفع في أوروبا، معتبرين أن هذا الاعتراف سيشكّل "نصراً لإيران ومكافأة لـ 'الإرهاب' الإسلامي."[13] وعلى هذا الأساس، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 15 شباط/فبراير 2024، أي اعتراف بالدولة الفلسطينية "خارج إطار استئناف مفاوضات السلام الإسرائيلية - الفلسطينية"، وكتب باللغة العبرية على حسابه في موقع "X" ("تويتر" سابقاً): "إن اعترافاً كهذا، بعد مجزرة 7 تشرين الأول/أكتوبر، من شأنه أن يقدّم مكافأة كبيرة إلى 'الإرهاب' غير مسبوقة، ويمنع أي اتفاق سلام في المستقبل"، وأضاف أن إسرائيل "ترفض بصورة قاطعة الإملاءات الدولية بشأن التسوية الدائمة مع الفلسطينيين"، مؤكداً أن اتفاق السلام "لا يمكن أن يَنْتُجَ إلاّ من مفاوضات مباشرة، ومن دون شروط مسبقة."[14] وفي 21 من الشهر نفسه، صوّت الكنيست بأغلبية 99 نائباً من مجموع 120 لمصلحة قرار اقترحه بنيامين نتنياهو نفسه ضد الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية، لأنه سيكون "بمثابة مكافأة غير مسبوقة لـ 'الإرهاب' الذي تمارسه حركة 'حماس'"، كما أكد رفْض إسرائيل القاطع "الإملاءات الدولية بشأن التسوية الدائمة مع الفلسطينيين"، التي لا يمكن تحقيقها "إلاّ عبر المفاوضات المباشرة بين الطرفين، ومن دون شروط مسبقة."[15]

خاتمة: ماذا يعني الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟

بعد قيام إسرائيل بشن حربها على قطاع غزة، راحت فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية تكتسب شعبية بصورة بطيئة بين الدول الغربية، وخصوصاً في أوروبا. وظهر رئيس وزراء إسبانيا الاشتراكي، بيدرو سانشيز، بصفته أكثر الزعماء الأوروبيين تأييداً لهذه الفكرة، إذ إنه عبّر عن قناعته، منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو "في مصلحة أوروبا"، ولم يستبعد اتخاذ قرار أحادي الجانب في هذا الشأن. وقد شجع موقفه هذا زعماء أوروبيين آخرين على إبداء الرغبة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت الملائم. ومع أن إسبانيا لن تكون لها القدرة على توجيه موقف الاتحاد الأوروبي، نظراً إلى الاختلافات بين الدول المكونة له، لكن في مقدروها المساهمة في إظهار أن هناك حساسيات متعددة داخل هذا الاتحاد. وكان رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، قد رأى أن دول الاتحاد الأوروبي الراغبة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية "يتوجب عليها أن تتحرك معاً" كي تحقق تقدُماً معتبراً في تعزيز السلام في هذه المنطقة. ورأى في حديث إلى الصحافيين في بروكسل أنه يمكن أن يكون هناك "تنسيق على المستوى الأوروبي" بين الدول الأعضاء في الاتحاد المستعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية بما يعطي هذا الفعل قيمة سياسية، مقترحاً أن تنضم إلى هذه المبادرة دول من خارج الاتحاد الأوروبي تتبنى الأفكار نفسها.[16]

وبشأن موقفَي الدولتين الأكثر تأثيراً في الاتحاد الأوروبي، فإنه من المستبعد أن يشهد موقف فرنسا تطوراً إيجابياً في اتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في وقت قريب، بينما ألمانيا، التي برزت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بصفتها أكثر دول الاتحاد الأوروبي دعماً لإسرائيل، والتي تتماهى مواقفها مع المواقف الأميركية، فهي تؤكد تمسكها بـ "حل الدولتين"، باعتباره يضمن "حقوق الفلسطينيين" و"أمن إسرائيل على المدى البعيد"، لكنها لا تؤيد الاعتراف "الأحادي الجانب" بدولة فلسطينية.[17]

وعلى الرغم من "الفيتو" الأميركي الأخير على مشروع القرار الخاص بمنْح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، فإن التأييد "الساحق" لأعضاء مجلس الأمن لهذا المشروع "يبعث برسالة واضحة جداً؛ "دولة فلسطين تستحق مكانها" في الأمم المتحدة، كما قال السفير الجزائري، عمار بن جامع، واعداً باسم المجموعة العربية بتقديم هذا الطلب مرة أُخرى في وقت لاحق، ومؤكداً: "نعم، سنعود مرة أُخرى، أقوى وأعلى صوتاً."[18]

فماذا يعني قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟

إن هذا الاعتراف هو قبل كل شيء قرار سياسي ينطوي على دلالات رمزية، وهو إذ يدعم نضال الفلسطينيين من أجل الاستقلال الوطني، يظل تأثيره محدوداً طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وطالما لم تُمارس ضغوط دولية جدية على الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك فرْض عقوبات عليها تجبرها على الانصياع إلى قرارات الشرعية الدولية.[19]

عن المؤلف:

ماهر الشريف: مؤرخ فلسطيني، دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس الأولى. باحث متفرغ في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى- بيروت.