انـتـصـار آخـر لـسـرديـتـنـا

2024-04-29

| سميح محسن *

منذ سبعة أشهر، بنهاراتها القاسية ولياليها الطويلة لم نذق طعم الفرح.

إنّ ما يتعرض له شعبنا في قطاع غزة يُلقي بظلاله الثقيلة علينا، على قلوبنا، وأرواحنا، وأجسادنا، بل إنّه يدخل في أدقِّ تفاصيل حياتنا اليومية، فهموم وعذابات غزة هي همومنا وعذاباتنا أيضا. ولعل شعورنا بالعجز عن نجدتهم يضاعف من حدّة الوجع والألم.

أمامَ شلالِ الدمِ المتدفقِ بغزارة، وأمام مشهد مَحوِ مدنٍ وبلداتٍ ومخيماتٍ عن بكرة أبيها، وأمام مشهد تشريد ما يزيد عن مليونِ إنسان ودفعهم إلى أفواه الجوع والقهر والمرض والمصير المجهول، هل يحقُّ لنا أن نفرح بفوز رواية فلسطينية بجائزة أدبية ؟! وهل هناك أسباب تدعونا لهذا الفرح بهذا الفوز ؟!

في مساء يوم الأحد الموافق الثامن والعشرين من نيسان (أبريل) أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عن فوز رواية الشاعر والروائي الفلسطيني الأسير باسم خندقجي "قناع بلون السماء" بالجائزة من بين ثلاث وثلاثين رواية تقدّمت للجائزة. وفي أعقاب ذلك عجّت صفحات التواصل الاجتماعي بالخبر، وبتهنئة باسم بالفوز، وبالدعاء له بِفَكِّ أسره بالقريب العاجل. كما لم تخلُ بعض التعليقات من مواقف ضد الجهة المانحة للجائزة، وليس ضدّ الرواية أو كاتبها، علما أنّ الجهة التي رشّحت الرواية هي "دار الآداب" البيروتية التي صدرت الرواية عنها، وهي دار مشهود لها بمواقفها الوطنية والقومية والإنسانية، ووقوفها إلى جانب فلسطين وقضيتها العادلة، فضلا عن موقفها ضد التطبيع.

على المستوى الشخصي

على المستوى الشخصي تربطني بالكاتب باسم خندقجي علاقة تعود إلى ثلاثة عقود، أي عندما كان طفلا، كما وتربطني بعائلته علاقة حاضرة إلى يومنا هذا، لذا أجدني أتقاسم وعائلته فرحها بالفوز.

قبل ثلاثة عشر عامًا، هرّب الأسير باسم خندقجي رسالة خاصّة لي من سجنه... في تلك السنوات كان باسم ذاهباً في مشروعه الكتابي نحو القصيدة قبل أن يتّجه إلى كتابة الرواية فيما بعد. فكثير من الكتّاب العرب كانت بداياتهم مع الشعر قبل ذهابهم نحو كتابة الرواية، فقد صدرت له مجموعتان شعريتان هما: "طقوس المرّة الأولى"؛ و"أنفاس قصيدة ليلية" قبل صدور أربع روايات هي: "مسك الكفاية: سيرة سيدة الظلال الحرة"؛ و"نرجس العزلة"؛ و"خسوف بدر الدين"؛ و"قناع بلون السماء". في عام 2023. أفتبس من تلك الرسالة ما يلي:

"رفيقي العزيز سميح محسن ..

تحية الذاكرة البعيدة

هل تعلم أنك أحد أهم الأسباب التي دعتني إلى ارتكاب القراءة وفيما بعد الكتابة…إذ كنتُ وقتذاك ابن العشر سنين أو أكثر .. كنتُ في الصف الخامس الابتدائي وكانت أجواء أوسلو وفداحة السؤال وعمق حيرته .. لم أكن أعلم بالطبع محددات تلك المرحلة ولكنني بكل تأكيد كنتُ أدرك ذلك اللون .. أسود .. كل شيء كان أسود .. وكنتُ في ذلك اليوم في مكتبتنا البعيدة أطالع رواية حنا مينا .. ” نهاية رجل شجاع ” .. إلى أن ظهرت أنت كبطل غامض في رواية .. لم أكن أعلم أننا ننتمي إلى ذات الحزب .. كنتُ أعرف الطليعة .. لونها الأحمر … دُهشتَ أنت حين رأيت الرواية بين يديْ، وأخذت تسألني السؤال تلو الآخر، وأنا أُجيب. والمفارقة الساخرة هي أنني بتُّ أعرف اليوم بعض معاني ومفردات الرواية مثل بنات الهوى .. فحل .. انتحار .. بعد أن كنتُ أسأل أبي عن هذه الكلمات.. ثم بعد اللقاء بفترة رأيتني في طياتِ “الطليعة” في مقال بعنوان: “قارئ صغير لرواية كبيرة”..

يا رجل ماذا فعلتَ بي ؟! ..

لم أكن أدرك أو أعلم أنك شاعر .. إذ لو كنتُ أعلم مدى قسوة هذه الدرب لما ارتدته اليوم في خذلان ومعاناة وآلام واغتراب .."

على المستوى العام

وأما على المستوى العام فأنظر إلى هذا الفوز من عدة زوايا، الأولى: أنّ باسم أسير حرية يقضي في السجن ثلاثة مؤبدات ويزيد؛ والثانية: أنّ الرواية هي جزءٌ من حربِ الرواية بيننا وبين عدونا؛ والثالثة: أن حكومة الاحتلال وظّفت سرديتها منذ اليوم الأول لشنّها حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة، ونَذْكُرُ، ونُذَكِّر كيف استدعى رئيس حكومة الاحتلال نصوصا تلمودية لشحن ضباط وجنود جيشه ضد كلِّ ما هو فلسطيني هناك؛ والرابعة: حملة التحريض ضد الكاتب التي بدأت منذ أعلنت لجنة تحكيم الجائزة أن رواية "قناع بلون السماء" دخلت ضمن القائمة القصيرة للمنافسة على الفوز بالجائزة، ووصفت كاتبها بـــــ "الإرهابي".

حملة التحريض على باسم خندقجي لم تتوقف حتى بعد الإعلان عن فوزه بالجائزة، فقد كتبت الصحافية الإسرائيلية لفت حليبي في صحيفة "يديعوت أحرنوت" خبرا عن الفوز بدأته بوصف باسم بـــ الإرهابي" وجاء فيه: {{الفائز بالجائزة الأدبية البالغة 50 ألف دولار: الإرهابي المسؤول عن هجوم في تل أبيب... الإرهابي باسم خندقجي، الذي كان أحد مخططي العملية الانتحارية في سوق الكرمل قبل عقدين من الزمن والتي أودت بحياة ثلاثة أشخاص، فاز بالجائزة العالمية للأدب العربي لعام 2024، عن كتاب ألفه في السجن "قناع بلون السماء". وقالت لجنة التحكيم: "هذه رواية تعلن أن الحب والصداقة هوية إنسانية فوق كل انتماء". وسارعت شبكات التواصل الاجتماعي العربية إلى الإشارة إلى الفوز على أنه انتصار فلسطيني على إسرائيل}}.

أتوقف عند الجملة الأخيرة من الخبر المشار إليه أعلاه: "سارعت شبكات التواصل الاجتماعي العربية إلى الإشارة إلى الفوز على أنه انتصار فلسطيني على إسرائيل"!! في هذه الجملة نقرأ موقفين، الأول: موقف كاتبة الخبر، والثاني: إشارتها إلى وصف ما نُشر على صفحات التواصل الاجتماعي العربية بأنه انتصار فلسطيني على إسرائيل ، والموقفان يصبّان في خانة "حرب الرواية". فالصحافية الإسرائيلية تُحَرِّض على باسم في صياغتها للخبر، وفي الإشارة إلى تفاعل الكاتب والقارئ العربي مع روايته النقيض لروايتها.   

أظنّ أنّ تلك الأسباب كافية لأن نفرح بفوز رواية أسير فلسطيني بهذه الجائزة، بعيدا عن موقفي الشخصي منها، وموقف العديد من الكتاب والمثقفين العرب كونها ممولة من دولة لا يخجل حكامها من تبني رواية الآخر... وكما بدأت بالحديث عن غزة، وعن حقنا في انتزاع لحظة فرح، لقد قابل كتابنا وكاتباتنا في القطاع هذا الفوز بفرح أيضا، لأنَهم اعتبروه فوزا لفلسطين، ولقولها المقاوم.

مبروك لفلسطين هذا الفوز، ومبروك للحركة الأسيرة فوز أحد أبنائها الميامين هذا الفوز، مبروك للرفيق العزيز باسم خندقجي ولعائلته العزيزة هذا الفوز...

الحرية لك يا باسم، والحرية لأسيراتنا وأسرانا كافة...

الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والجبر لأهلنا المنكوبين في غزة الحبيبة...

الحرية لوطننا الغالي...  

* شاعر وكاتب فلسطيني.