"ديمقراطية" أمريكية على المقاس الإسرائيلي

2024-06-30

| رمزي عودة

منذ إعلان مدعي عام محكمة الجنايات الدولية كريم خان عن سعيه لاستصدار مذكرة اعتقال لنتنياهو ووزير حربه نتيجة للحرب الدائرة في القطاع، وتيقنه بأن اسرائيل ارتكبت جرائم حرب قد ترتقي إلى جريمة الإبادة الجماعية، سارع مجلس النواب الأمريكي إلى تمرير قانون لمجلس الشيوخ يفرض عقوبات على محكمة الجنايات الدولية. وقد صوت لصالح القرار 247 عضواً مقابل عضوا155 اعترضوا.

واللافت للنظر أن من بين المؤيدين 42 نائبا ديمقراطيا! وقد أدانت إدارة بايدن قرار كريم خان معتبرةً أن محكمة الجنايات الدولية لا يمكنها جلب قادة اسرائيل للمحاكمة!. وبشكل متناقض، رحبت هذه الإدارة قبل عدة أشهر بقرار المحكمة الجنائية الدولية جلب الرئيس الروسي بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، وهو ما يشير بشكل واضح إلى المعايير المزدوجة للدبلوماسية الأمريكية.

وبرغم أن جميع التقديرات تشير إلى أن مجلس الشيوخ لن يقر مشروع قانون مجلس النواب حول فرض عقوبات على محكمة الجنايات الدولية لاسيما أن إدارة بايدن تعارض سن مثل هذه العقوبات، الا أن مجرد استباق مجلس النواب لصدور مذكرة قرار بجلب نتنياهو وغالنت من قبل قضاة محكمة الجنايات الدولية يشير إلى صيغة تهديد وضغط على هؤلاء القضاء لمنعهم من استصدار مذكرة الاعتقال.

ومن جانب آخر، يطرح تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة الديمقراطية الأمريكية في أهم صرح من صروح هذه الديمقراطية وهو مجلس النواب، فهل باتت هذه الديمقراطية مصصمة على المقاس الإسرائيلي وتسير تبعاً للمصالح الإسرائيلية؟

ليست هذه المرة الاولى منذ عدوان السابع من أكتوبر يتخذ فيها مجلس النواب الأمريكي قرارات تعسفية بحقوق الانسان وقيم الديمقراطية، فعند اندلاع إعتصامات الطلبة في الجامعات الأمريكية سارع ها المجلس بتمرير قانون يمنع معاداة السامية في التعليم، وهو قانون موجه أساساً ضد الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الامريكية، ويمكن إستخدامه في القضاء على حرية التعبير لدى الطلبة.

في الواقع، إن العملية الديمقراطية في أي بلد يجب أن تصمم أساساً لحماية قيم الديمقراطية والحريات العامة، ولا يمكن تصور مخرجات أي عملية ديمقراطية تأتي لتعطيل منظومة العدالة الدولية أو أن تطعن بها، أو أن تشكك في قراراتها حتى وإن تم إنتاجها من خلال ممثلين عن الشعب انتخبوا بشكل ديمقراطي. وبالضرورة، لا يمكن فهم قرارات مجلس النواب الامريكي إلا بإعتبارها خروجاً عن مفهوم حماية حقوق الانسان وإمعانا في استمرار سياسة الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.

وبرغم أننا جميعاً ندرك حجم الدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة لاسرائيل بإعتبارها حليفة استراتيجية لها، ولكننا بالمقابل لا يمكن أن نتفهم إصرار مجلس النواب على إستصدار مشاريع قوانين لا تساهم في تحقيق العدالة الدولية وتمنع جرائم الحرب وتنتهك حقوق الانسان وحرياته. وإذا ما تصورنا خروج مثل هذه القرارات من مجلس النواب الامريكي وهو مجلس تمثيلي منتخب، فلا يمكن إذن أن نعيب على قرارات وسياسات الحكومة النازية الهتلرية التي استندت جميعها إلى قرارات من البرلمان الالماني المنتخب.

وبالنتيجة، فإن السابع من اكتوبر مثل تحديا واضحا لمنظومة الديمقراطية في الولايات المتحدة لإنها بإختصار تنتج قوانين تعتبر عرقلة واضحة لمنظومة العدالة الدولية.