الصراع الطبقي في إعادة هيكلة عالم متعدد الأقطاب.. غزة وأمريكا اللاتينية

2024-06-28

| راينه تسيمرنغ

ترجمة: رشيد غويلب

«يقومون بإبادة جماعية أمام اعيننا. إنها ليست ديناميكية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني القديم. ألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وفي المقدمة الولايات المتحدة في نسختها الديمقراطية تدعم الإبادة الجماعية، يُسقطون القنابل على رؤوس الناس. ويقولون لنا، أنظروا إلى قوتنا العسكرية، ما يحدث في فلسطين يمكن أن يحدث لأي منكم إذا تجرأ على إجراء تغييرات دون موافقة».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو

«كل قنبلة تسقط على غزة تسقط أيضاً على عواصم ومدن العالم، لكنهم لم يدركوا ذلك بعد. إن رعب حرب الغد سوف ينشأ من الأنقاض. الأطفال الفلسطينيون المقتولون ليسوا ضحايا جانبيين، هم الهدف الرئيسي لنتنياهو، لقد كانوا كذلك دوما. هذه الحرب لا تهدف إلى القضاء على حماس. حماس ستكون ضحية جانبية».

ماركوس المتحدث السابق باسم جبهة زاباتيستا للتحرير الوطني في المكسيك

لماذا تسببت حرب غزة بمثل رد الفعل القوي هذا في أمريكا اللاتينية، ولماذا تقف أغلبية المجتمع المدني والحكومات في أمريكا اللاتينية ضد هذه الحرب وتصفها بأنها «إبادة جماعية»، بينما تبررها الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي بـ «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»؟

يمكن طرح هذا السؤال أيضًا بعد إعادة تنظيم الغرب لحل الدولتين في صراع الشرق الأوسط وبعد الموافقة على قرار الأمم المتحدة بـ «وقف فوري لإطلاق النار» في مجلس الأمن في 25 اذار 2024. أولاً، لا يشكل هذا تحولاً نموذجياً بعد، وثانياً، لقد حدثت بالفعل إبادة جماعية ضد السكان الفلسطينيين حيث قُتل 36,050 شخصاً، وجرح 81,026، وهناك 1,9 مليون نازحا ووفق معطيات 28 أيا 2024، بالإضافة إلى انتشار الجوع، ويحدث هذا أمام الرأي العام العالمي دون ان يستطيع أحد إيقافه.

ووفق رؤية «الجنوب العالمي»، فإن هذا هو بالضبط ما يشكل تهديدًا لبلدانه في عالم متغير.

السؤال الذي ينبغي طرحه هو ما سبب اختلاف وجهات النظر حول حرب غزة بين أمريكا اللاتينية والدول الغربية.  بالإضافة إلى ذلك، يمكن التساؤل عن اعتماد هذا الخلاف على صراع طبقي منهجي على المستوى العالمي. وأخيراً، ستتم مناقشة السبب الذي دفع غالبية المجتمع المدني والدول في أمريكا اللاتينية إلى تصنيف هذه الحرب على أنها تهديد للبشرية جمعاء، واعتبارها نموذجاً للتغيير الذي تشهده العلاقات العالمية اليوم.

أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط

ما الذي يربط أميركا اللاتينية بالشرق الأوسط، على الرغم من أن المنطقتين متباعدتان جغرافياً؟ لماذا يشعر الناس في أمريكا اللاتينية، منذ سنوات، وخصوصا الآن، بالتأثر الشديد بالصراع في الشرق الأوسط؟

والمفتاح الأهم هو الماضي الاستعماري المشترك، الذي بدأ الإبادة الجماعية لسكان الأراضي التي احتلتها أوروبا، وتدمير ثقافاتها ومجتمعاتها واستغلال مواردها. بعد الغزو، حدثت أكبر إبادة جماعية في تاريخ العالم في أمريكا، حيث تم إبادة 90 بالمائة من السكان الأصليين المحليين في أقل من 20 عامًا، وحسب تقديرات أدت إلى إبادة قرابة 68 مليون من سكان البلاد الأصليين.

وحتى بعد حصولها على استقلالها، ظلت هذه المناطق (المستعمرات السابقة) متخلفة عن المراكز العالمية ومعتمدة عليها اقتصاديا، واحتلت هذه البلدان موقعا تابعا في التقسيم الدولي للعمل مع كل النتائج السلبية المترتبة على ذلك، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

وهذا هو طابع الصراع بين الشمال والجنوب بالعلاقة غير المتكافئة بينهما، وفي نهاية المطاف تشكل هذه العلاقة القواسم المشتركة البنيوية بين أميركا اللاتينية والشرق الأوسط. أما وجه التشابه الآخر فهو الهيمنة الأمريكية في المنطقتين بعد الحرب العالمية الثانية.

تنظر دول أمريكا اللاتينية إلى تاريخ طويل من التدخل والاستغلال من قبل الولايات المتحدة. مع مبدأ مونرو، بدأ فهم الولايات المتحدة الغربي لأمريكا اللاتينية باعتبارها الفناء الخلفي لها بمعنى «أمريكا للأميركيين». ومنذ إعلان الرئيس جيمس مونرو ذلك في عام 1823، تدخلت الولايات المتحدة، مئات المرات، بعنف في أمريكا اللاتينية، أو دعمت بقوة الدكتاتوريات العسكرية اليمينية، المسؤولة عن آلاف القتلى والمختفين وممارسة التعذيب وجلبت المعاناة والبؤس والموت للسكان.

منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين فقط، استطاعت المنطقة من تحرير نفسها جزئيًا من قبضة الغرب المهيمنة، عبر «موجتين ورديتين» من الحكومات التقدمية، التي نوعت علاقاتها الخارجية، وتبنت سياسة «عدم الانحياز النشطة» وعززت سلطة المنطقة، التي أصبحت طرفا عالميا فاعلا في فرض التعددية القطبية والسلام في العالم.

وكان الشرق الأوسط، بمساعدة إسرائيل، منطقة نفوذ للولايات المتحدة، حيث يتم تأمين الوصول إلى احتياطيات النفط الغنية، مما يمنع أي تنمية مستقلة عن الغرب أو «غير رأسمالية»، وبناء قوة مضادة للاتحاد السوفييتي السابق، ولروسيا اليوم. وعلى الرغم من كل الاختلافات، فإن هذا يعكس أوضاعا هيكلية وجيوسياسية مماثلة لتلك الموجودة في أمريكا اللاتينية، مما خلق مصيرًا مشتركًا بين المنطقتين.

منذ ستينيات القرن العشرين وحتى العقد الاول من القرن الحالي، كان هناك العديد من أوجه التشابه بين المنطقتين في سياق حركات التحرر الوطني و»الربيع العربي»، التي أسفرت عن معاداة للإمبريالية عابرة للحدود الوطنية.

لقد كان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني دائمًا، بالنسبة للحركات الاجتماعية والأحزاب اليسارية والحكومات في أمريكا اللاتينية، مرجعية أساسية.

ومن جانب آخر، كانت أمريكا اللاتينية الوجهة المفضلة للاجئين الفلسطينيين، حيث يعيش نصف مليون منهم في تشيلي، وهو أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، خارج حدود البلدان العربية ا وإسرائيل. وهناك أيضا العديد من الفلسطينيين الذين يعيشون في المكسيك وفنزويلا والبرازيل وكولومبيا وبوليفيا وأمريكا الوسطى، قدموا إلى أمريكا اللاتينية من سوريا ولبنان في نهاية العهد العثماني، واندمجوا في مجتمعات الدول المضيفة ومجتمعاتهم المهاجرة ذات الأصول العربية، لكنهم حافظوا دائما على هويتهم الخاصة وخيار العودة ومواصلة نضالهم عبر الأجيال.

ومن العوامل الحاسمة في تصور أمريكا اللاتينية لإسرائيل باعتبارها وكيلاً للولايات المتحدة، كان دعمها للديكتاتوريات العسكرية في أمريكا الوسطى والجنوبية. عندما منع الكونغرس الأمريكي، في سبعينيات القرن العشرين، تصدير شحنات الأسلحة الأمريكية إلى الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، بادرت إسرائيل وزودت هذه الدكتاتوريات بالأسلحة.

على سبيل المثال، قال رئيس الأركان العامة للجيش الغواتيمالي في ظل دكتاتورية ريوس مونت: «إن إسرائيل هي أهم مورد للأسلحة لدينا وأعظم صديق لغواتيمالا في العالم».

وسلمت إسرائيل آنذاك، تكنولوجيا المراقبة والتجسس إلى أمريكا اللاتينية، بما في ذلك فرق الموت، وقدمت المشورة للحكام المستبدين بشأن قمع وتدمير السكان المقاومين، وخاصة السكان الأصليين. وعلى سبيل المثال، غطت قواعد البيانات الإسرائيلية 80 في المائة من السكان في غواتيمالا، وهو ما يفسر ارتفاع عدد جرائم القتل هناك. وقال الصحفي دان راذر إن الإسرائيليين نصحوا «بمعاملة السكان الأصليين بالطريقة التي نعامل بها الفلسطينيين: لا تثقوا بأي منهم».

وأرسلت إسرائيل كميات كبيرة من الأسلحة إلى الحكومات اليمينية في كولومبيا المرتبطة بعصابات المخدرات. وفي عام 2021، تم تصدير أسلحة إلى كولومبيا بقيمة 10 مليون دولار، أي 9 في المائة من صادرات الأسلحة الإسرائيلية.

سلام عادل في الشرق الأوسط

لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط، دعت حكومات أمريكا اللاتينية، منذ سنين، إلى «حل الدولتين». وبحلول نهاية حزيران 2023، تم الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة من قبل 139 دولة (أصبحت الآن 143 – المترجم) من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة. ولم تفعل ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل ومعظم دول الاتحاد الأوروبي. وقد استند هذا الاعتراف إلى قرار الأمم المتحدة الصادر في عام 1967 وعدد كبير من القرارات الأخرى.

ومع بداية عام 2024، غيرت الولايات المتحدة ومعها عدد من الدول الغربية موقفها، ودعت إلى حل الدولتين لأول مرة. لكن هذا يتناقض مع الدعم الغربي لحكومة نتنياهو بالسلاح والموارد المالية، وخطط إعادة توطين سكان غزة في دول أخرى، والأنشطة الاستيطانية في المناطق الفلسطينية، وفرض السيادة الإدارية على القدس الشرقية.

ولهذا يُنظر في أميركا اللاتينية، إلى «استراتيجية الشرق الأوسط الجديدة التي تنتهجها حكومة الرئيس الأميركي بايدن على أنها متناقضة. ويفترض أنها ستؤدي إلى تفكيك الهياكل الحكومية والتمثيل السياسي الحالي في فلسطين، وسيتم إنشاء وجود عسكري غربي وإنشاء مؤسسات وممثلين سياسيين جدد موالين للغرب، وبالتالي قمع احتمالات التحرر في فلسطين.

احتجاجات أمريكا اللاتينية ضد حرب غزة

عندما بدأت إسرائيل غزوها لغزة بعد 7 تشرين الأول 2023، اجتاحت حركات احتجاجية ضخمة أمريكا اللاتينية، ووصفت الحرب بأنها «إبادة جماعية» ودعت الاحتجاجات إلى «وقف فوري لإطلاق النار». إن هجوم حماس على إسرائيل يوم 7 تشرين الأول مرفوض إلى حد كبير، لكن يُنظر إليه على أنه نتيجة لسياسة الاحتلال والإبادة ضد الفلسطينيين. ويرى المتظاهرون أن الحرب الإسرائيلية على غزة «غير مناسبة ومفرطة وإجرامية».

في تشيلي، تنظم باستمرار تظاهرات ضخمة دعماً لفلسطين وضد الحرب الإسرائيلية أمام القصر الحكومي. ويحتج الآلاف في بوينس آيرس ومدن أرجنتينية أخرى، بمشاركة „أمهات ساحة بلازا دي مايو» أيضًا، مرتديات أغطية الرأس البيضاء للفت الانتباه إلى أبنائهن وأحفادهن الذين اختفوا خلال الدكتاتورية العسكرية (1976 – 1983)، وخاصة الأطفال الذين قتلوا وفي حرب غزة. وفي المكسيك أيضاً، يُرفع شعار «إنها ليست حرب، إنها إبادة جماعية!»، ويردد شعار «أين العقوبات على إسرائيل؟ “وفي البرازيل، أسست 50 منظمة “جبهة التضامن الوطني من أجل فلسطين” في تشرين الثاني 2023، والتي أسست بدورها “لجنة فلسطين الحرة».

ونظمت احتجاجات عديدة في البلدان التي تحكمها الحكومات اليمينية، تدعو حكوماتها إلى اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل. وطالب المتظاهرون في باراغواي الحكومة بسحب تصويتها ضد قرار الأمم المتحدة الداعي إلى” وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية” اعتبارًا من تشرين الثاني 2023.

كما أن المناطق التي تديرها حركات تحررية، والتي تمارس فيها الديمقراطية الشعبية والملكية الجماعية، مثل الزاباتيستا في منطقة تشياباس في المكسيك، تتخذ موقفاً ضد الحرب في غزة. وقامت حركة المعدمين في البرازيل، وهي أكبر حركة اجتماعية في أمريكا اللاتينية، بإيصال الغذاء إلى السكان المحاصرين، والذين يتعرضون للقصف باستمرار.

المواقف الحكومية من حرب غزة

وعلى صعيد مواقف حكومات أميركا اللاتينية إزاء الحرب يمكن التمييز بوضوح بين الحكومات التقدمية وحكومات اليمين، التي تدعم إسرائيل مبررة ذلك بـ «الحق في الدفاع عن النفس» و»تدمير حماس».

منذ 10 كانون الاول 2023، يسعى الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلي إلى إقامة تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويرغب في نقل سفارة الأرجنتين من تل أبيب إلى القدس. وفي أوائل شباط 2024، زار ميلي إسرائيل، والتقى بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

لقد استدعت كولومبيا وتشيلي وهندوراس والبرازيل سفراءها في إسرائيل. وقطعت بوليفيا وبليز وكولومبيا علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل. وحظرت تشيلي مشاركة إسرائيل في معرض الطيران الدولي مطلع عام 2024 وعلقت استيراد الأسلحة من إسرائيل.

التصويت في الأمم المتحدة

وهنا أيضاً يمكن التمييز بوضوح شديد بين الحكومات اليمينية والحكومات التقدمية. في عام 2023، عقد الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يرأس حاليا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، اجتماعًا طارئًا للمجلس بعد وقت قصير من هجوم حماس وقدم مشروع قرار لوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، والإفراج عن السجناء والرهائن وتأمين البنية التحتية الحيوية للمدنيين. هذا القرار، الذي كان سيمنع التصعيد وحدوث كارثة إنسانية في بداية الحرب، فشل بسبب الفيتو الأمريكي. كما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرارين آخرين لوقف إطلاق النار.

وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي تشرين الثاني 2023، صوتت غالبية دول أمريكا اللاتينية، إلى جانب الصين وروسيا، ضد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لصالح قرار «حماية المدنيين ووقف فوري ودائم لإطلاق النار لأسباب إنسانيه». وامتنعت هايتي وبنما وأوروغواي عن التصويت، في حين صوتت غواتيمالا وباراغواي ضد القرار.

وفي نهاية اذار 2024، طرحت الولايات المتحدة قرارها الخاص بوقف إطلاق النار في مجلس الأمن، والذي تم رفضه باستخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الصين وروسيا والجزائر وامتناع غيانا عن التصويت بحجة ان «القرار منافق».  وبعد أن صاغ الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن قرارًا جديدًا، اعتمده مجلس الأمن أخيرًا في 25 اذار 2024، رحبت به جميع دول أمريكا اللاتينية، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت،. وبعد رفض إسرائيل القرار، نشأ خلاف للمرة الأولى بين الولايات المتحدة والحكومات اليمينية المرتبطة بها في أمريكا اللاتينية من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى.

الإجراءات القضائية ضد إسرائيل.

قامت دول أمريكا اللاتينية بنشاط قضائي مكثفً، بشأن الحرب في غزة، خصوصا على الصعيد الدولي. ودعمت الحكومات التقدمية الدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بتهمة «الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني خلال حرب غزة».  في حين عارضت جميع الحكومات اليمينية الدعوى.

كانت جنوب أفريقيا تريد التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وبالتالي إنهاء سريع للحرب في غزة،  من خلال إعلان الإبادة الجماعية في قرار أولي لمحكمة العدل الدولية. وفي محاكمة لاحقة تستمر لسنوات، من المقرر اتخاذ قرار نهائي بشأن ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت إبادة جماعية. وتسعى الدعوى أيضًا إلى إثبات أن الحكومة الإسرائيلية تريد القضاء على مجموعة عرقية؛ وقد أصبح هذا واضحاً من خلال التصريحات التي أدلى بها السياسيون المسؤولون، مثل التصريح العلني للجنرال الإسرائيلي غسان عليان (غولاني) بأن سكان قطاع غزة هم «حيوانات بشرية».  من جانبها رفضت إسرائيل الدعوى بشدة.

لم يدع قرار محكمة العدل الدولية العاجل الصادر في 26 كانون الثاني 2024 إلى الوقف الفوري للهجمات الإسرائيلية في قطاع غزة، بل فرض على إسرائيل إثبات عدم ارتكابها إبادة جماعية، وهو ما من شأنه أن يشكل تحديدًا لنوايا الإبادة الجماعية التي اشارت إليها المحكمة ضمنًا. لقد  كان قرار، بالنسبة لجنوب أفريقيا وجميع مؤيدي الدعوى، بداية ناجحة.

ومباشرة بعد هذا الحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، قصفت إسرائيل جنوب قطاع غزة ومدينة رفح، حيث كان يقيم 1,5 مليون ل فلسطيني. وكان هناك العديد من القتلى المدنيين. وواصلت الدول الغربية إمداد إسرائيل بالأسلحة، كما أوقفت مساعداتها لوكالة منظمة الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وهذا يدل على أن حرب إسرائيل لا يمكن تحجيمها بالدعاوى القضائية الدولية في الوقت الحاضر.

وفي 18 كانون الثاني 2024، رفعت تشيلي والمكسيك دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية لتحديد جرائم إسرائيل المتمثلة في «الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية» في غزة.

بالإضافة إلى ذلك، حذرت حكومة نيكاراغوا علناً ألمانيا وبريطانيا العظمى وكندا وهولندا من تزويد إسرائيل بالأسلحة وقطع التمويل عن الأونروا، لإنهم «قد يكونوا مسؤولين بشكل مشترك عن الانتهاكات الصارخة والمنهجية» لاتفاقية محكمة العدل الدولية بشأن منع الإبادة الجماعية. في قطاع غزة. وفي شباط 2024، رفعت نيكاراغوا أخيرا دعوى قضائية ضد ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة «المساعدة والتحريض على الإبادة الجماعية».

ضغوط وردود فعل

وكما هو الحال في حرب أوكرانيا، تتعرض أمريكا اللاتينية لضغوط، بشأن حرب غزة، من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهم، من أجل منع حكوماتها من تبني مواقف مستقلة بعيدة عن الغرب. بعد تغير اتجاه بايدن بشأن «حل الدولتين» في حرب غزة، تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها الاحتفاظ باليد العليا في حل الصراع الدولي والتأثير عليه لصالحها. لغرض حرمان الجنوب العالمي من سلطة التدخل في حرب غزة، مثل الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية والتصويت المناهض لإسرائيل والغرب في الأمم المتحدة.

وتشمل اجراءات الضغط الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية العقوبات، واستراتيجية الردع العسكري من قبل القوات المسلحة الأمريكية، ومحاولات التكامل الاقتصادي، وإجراءات الحرب القانونية ضد الرؤساء اليساريين و»الثورات الملونة». وتجري محاولات لتفكيك التحولات التقدمية المعروفة بـ «الموجة الوردية» وآلاتيان بحكومات يمينية موالية للغرب، تقف، كما هو الحال في بيرو وباراغواي والأرجنتين، إلى جانب إسرائيل والغرب في حرب غزة.

بالإضافة إلى العمل من أجل تراجع النفوذ الصيني والروسي، والذي يشكل مفتاحاً مهماً لتعزيز المواقف المستقلة لدول أمريكا اللاتينية في العالم، الذي يلعب دوراً في حرب غزة أيضاً. وهنا تمارس إسرائيل إلى حد كبير دور الوكيل. وتتهم الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية بأنها “معادية للسامية” وتدعم إرهاب حماس.

لم يكن للضغوط الإسرائيلية والغربية أي تأثير على مواقف بلدان أمريكا اللاتينية، بل بالعكس دفع دول مثل المكسيك وتشيلي والبرازيل، التي كانت في البداية معتدلة، إلى اتخاذ موقف أقوى ضد الحرب، وقد تجسد ذلك واضحا في الاتهام بالإبادة الجماعية التي اتخذتها المكسيك وتشيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، والمقارنة بهتلر من قبل الرئيس البرازيلي « لولا».

قال لولا: «إن ما يحدث للشعب الفلسطيني في غزة لم يحدث قط في أي وقت آخر في التاريخ. لقد حدث عندما قرر هتلر قتل اليهود» فقط.  وعلى إثر ذلك اعتبرته إسرائيل «شخصية غير مرغوب فيها».

وعلى النقيض من الغرب، دعمت الحكومات التقدمية الرئيس لولا وأكدت أنه قال «الحقيقة»، وبالتالي عارضت ادعاء الغرب بحقه في الحصري في تشبيهات هتلر، التي مارسها عدة مرات بحق بوتين. وينظر في أمريكا اللاتينية، وبالاستناد إلى تجربتها مع الاستعمار إلى المحرقة والإبادة الجماعية على أنهما كلا لا يتجزأ.

يعتمد صمود حكومات أميركا اللاتينية هو العمل الجماعي في إطار العلاقات بين الجنوب مع بعضها البعض. في قمة حركة عدم الانحياز التي انعقدت في كانون الثاني 2024 في كمبالا، أوغندا، أدان المشاركون الـ 120 «العدوان العسكري الإسرائيلي غير الشرعي على قطاع غزة» ودعوا إلى «وقف فوري ومستدام لإطلاق النار لأسباب إنسانية».

خلاصة:

إن إدانة حرب غزة، والتصويت في الأمم المتحدة إلى جانب وقف إطلاق النار الفوري وحل الدولتين، والإجراءات القضائية ضد إسرائيل وإدانتها لممارستها الإبادة الجماعية من قبل الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية، هي نتيجة لظاهرتين:

أولاً، تشكل أميركا اللاتينية، إلى جانب فلسطين، جزءاً من الجنوب العالمي، الذي يعيش، علاقة تبعية غير متكافئة مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة ووكيلتها إسرائيل.

ثانياً، في إطار الانتقال من الأحادية إلى التعددية في العلاقات الدولية، تحاول دول الجنوب العالمي الابتعاد عن علاقة التبعية السابقة وبناء قدر أكبر من الاستقلالية، وهو ما يتجلى بوضوح في موقف الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية من الحرب في غزة.

تؤدي عملية التحول العالمي هذه إلى صراعات عنيفة لم يعد بإمكان النظام الدولي المتمثل بالأمم المتحدة والدبلوماسية الحالية منعها، وأصبحت الإبادة الجماعية على نحو متزايد وسيلة لحل الصراعات. إن أغلبية الإدانات الدولية لحرب غزة، والاحتجاجات العالمية والمحاولات القضائية لاحتوائها من قبل المحاكم العالمية لم تتمكن من منع هجوم السابع من تشرين الأول ولا الإبادة الجماعية الوحشية في غزة.

وهذا يوضح نقطة التحول في النظام الدولي ومرحلة جديدة من الصراع بين جنوب العالم والغرب، وتعتبر حرب غزة نموذجاً له. وفقا لأغلبية سكان أمريكا اللاتينية، فإن النظام الاجتماعي الجديد ضروري، وهو ما تقدمة حركة «زاباتيستا» في المكسيك اليوم، ووفقا للرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، سيتكون النظام الاجتماعي الجديد من «اقتصاد خال من الكربون» غير رأسمالي وعلاقات سلطة دولية سلمية متعددة الأقطاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

- الترجمة للنص المنشور في موقع «أمريكا 21»