محمود شقير في حفل تكريمه لفوزه بجائزة فلسطين العالمية للآداب

2024-06-30

د. نبيه القاسم

للتذكير فقط، كان لقائي الأوّل بمحمود شقير في مكتب صلاح الدين في القدس في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي القرن العشرين. ومن يومها حتى يومنا هذا ظلّت العلاقة بيننا متينة صادقة مخلصة.

وفي صباح يوم 28/2/1975 اقتاد جندُ الاحتلال الكاتبَ محمود شقير من سجن “بيت ليد” إلى الحدود اللبنانية ليعيشَ في المنافي بعيدا عن وطنه وقُدْسه، ابتعد عن الجند وهو يُردّدُ بتَحدّ وإصْرار: سأعودُ إلى وطني مهما باعَدَ بيني وبينه العُسْفُ.

وفي الثلاثين من شهر نيسان عام 1993 عاد محمود شقير مع غيره من المُبْعَدين جرّاء اتّفاق أوسلو.

وأذكرُ كيف استثارني الخبرُ يومها، وتملّكَتني الفرحةُ يوم عادوا في الثلاثين من نيسان، وأسرعتُ للتّرحاب بالأصدقاء العائدين بكلمات نشرتها لي جريدة “كل العرب” يوم 7.5.1993 ومنها:

” أنْ تعودوا، هذا هو الفرحُ الحقيقي.. فيوم كان ورُحِّلْتُم عن الأهل والوطن كان يوم الحزن والغضب. تمنيّتُ لو أكونُ قادرا على احتضان يد كلّ واحد منكم وأقول له بإصْرار التّحدّي: إلى اللقاء.

ويوم عُدْتم تمنيّتُ لو أكونُ في استقبالكم لأحضنَ كلّ واحد منكم مُرحّبا بالقُبل، ويا هلا. عُدّتم أيّها الأحبّاء.. يا هلا..

وليد القمحاوي.. أيّها الصّديق العزيز، عن أيّ مشاعر أبوح لك.

 محمود شقير.. يا رفيق الدّرب والكلمة.

خليل السّواحري.. يا صديقي.

يا كلّ العائدين.. بأيّ كلمات أستقبلكم.. عن أيّ مَشاعر أحدّثكم.. يا كلّ الذين أعزّكم.. يا أيّها الأحبّاء.. يا هلا.” (نبيه القاسم. ذلك الزمن الجميل. ص 268-269)

محمود شقير ما بين قَيْد الزّمن القابض وشبَح الموت المُتربّص وانتصار الحياة

.. حياة الإنسان تتشكّل ما بين إطارين يُحدّدان حياته التي قد تقصر وقد تطول، وبتَوحّد هذين الإطارين مع الإنسان تتحقّق الحياة المعيشة ويتكوّن الوجود وتعمر المعمورة. وبدون أي واحد من هذا الثلاثي المتلاحم لا يكون الوجود ولا تكون الحياة.

الأول هو الإنسان محور الوجود وأساسه وقيمته العليا، والذي بافتقاده تفقد الحياة قيمتها ولا تكون لها غاية تستمر لتحقّقها.

والثاني هو المكان الذي هيّأه الرب للإنسان ” ولكم في الأرض مستقر ّومتاع إلى حين. فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تُخْرَجون” (سورة الأعراف آية 24/ 25) المكان الذي يحتضن الإنسان ويوفّر له الراحة والأمان والثقة بالنفس والبيئة المعيشية التي تغرز فيه عشقا خفيّا لهذا المكان فيظلّ متعلقا به طوال حياته، وهو يصقل الإنسان ويُكسبه ميّزته الخاصّة التي يصعب عليه الخلاص منها، وتظلّ للمكان عند الإنسان العلاقة المحفورة في عُمق تكوينه، ففيه وُلد وكبر وعرف الذين يحيطون به، تكلّم لغتهم واعتنق عاداتهم وتقاليدهم وانتمى إليهم، ومهما حاول التّخلّص من تأثيراتهم عليه تبقى بعضُها لاصقةً به حتى يومه الأخير. ويظلّ المكان، مهما ابتعدنا عنه وبدّلناه يوميا يحتفظ بخصوصيّته وفَرادته ومعزّته وتشدّنا إليه نَزعة لا نستطيع الحدّ منها، دائما نَحِنُّ إليه ونرجو العودة ولو للحظات.

والثالث هو الزّمن الذي حدّده الرب بقوله “إلى حين” فبقاء الإنسان في الأرض لمدّة مُحدّدة بانقضائها يُخرجه الربُّ منها “فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون” (الأعراف) ولكنه يختلف عن المكان في علاقته بالإنسان حيث أنّه يتَحكّمُ بالإنسان ويرصد خطواته وتطوّره، ويُكبّله ويقيّده ويُحدّد مسارَه ويُطارده أينما توجّه، لا يتركه طليقا حرّا ليُحدّد ساعات الزمن التي يريد وكيفيتها وتأثيرها ومُدّتها، فهي عَصِيّة عليه، لا يملك من أمرها شيئا، يظل في قلق على الغد وفي رفض للواقع وحنين كبير للماضي القريب والبعيد. دائما يتباكى على ماضيه والزمن الذي كان ولن يعود، يتمنّاه ويحنّ إليه، ويراه الزمن الجميل الذي كان.

محمود شقير في انطلاقه بين الأمكنة وتماهيه معها

أدرك، ويُدرك محمود شقير هذه الحقيقة، أنّ لا مكان بدون زمان، ولا يكملُ الوجودُ بدون الإنسان الرّكيزة الأهم لأنّه الواصل بين الرّكيزتين.

وهكذا في حياته الطويلة القصيرة، الحياتيّة والفعلية، وفي حياته الإبداعية المتألقة دوما، ظلّ محمود شقير يُراوح ما بين المكان والزمان، يشدّه المكان فينجذب إليه ويؤكّد أنّه من صغره: “أثارت الطبيعة إعجابي ودهشتي بما فيها من جبال وأودية وحقول مزروعة. أمشي ساعة قبل الغروب فوق سطح بيتي وأظلّ هناك إلى أنْ تغيبَ الشمس وتبدأ العتمة بالانتشار على الجبال والسهول والبيوت والأشجار، على سور القدس القديمة وبيوتها” (تلك الأمكنة ص15/130).

وكما في كلّ كتاباته، هكذا في “تلك الأمكنة”، تظلّ للأمكنة مركزيّتها وحنانُها وشَدّها وألقُها وسحرُها، تستوقفه مشاهدُ الطبيعة الجميلة فيُطيل النّظر والتّأمل، يشعر باحتضانها له والرّفق به والأمان.

 وكان كثيرا ما يتآلف ويتماهى إلى ما يتجاوز حدود العشق مع المكان كما في علاقته مع مدينة القدس التي تتحوّل لتُصبح المحبوبة المُستحيلة، وهو على يقين لا لبس فيه أنّه عاشقها وهي معشوقته التي حملها ويحملها معه، يرسم لها أجملَ الصور ويستعيد معها أحلى الذكريات ويستحضر كلّ الناس الذين عرفهم وعاشرهم وصادقهم وأحبّهم فيها “(نبيه القاسم- المنحى المتغيّر في الرواية والقصة القصيرة ص188/189 حول “ظل آخر للمدينة”)

حَذَر محمود شقير وخوفه من الزمن

محمود شقير الذي كان يألف المكان ويجد فيه الحاضن الآمن الدافئ وموفّر الهدوء والألفة والمحبّة والسّعادة، كان على يَقَظة وحَذر وتَشكّك وحتى خوف في تعامله مع الزمن المُتقلّب الغَدّار المُدمّر، الذي لا يعرف الشفقة، ولا يُبقي على شيء، لا مكان ولا صديق أو قريب. والزمن رغم أنّه الركيزة الثالثة مع المكان والإنسان المكوّنة للحياة بكليّتها، إلّا أنّه في حالة صدام أبدي وعداوة شرسة مع المكان والإنسان، فلا يُبقي على مكان إلّا وعمل جاهدا لتغيير مَعالمه وحتى تدميره، وإذا ما عُدنا إليه بعد غياب لا نتعرّف عليه أو لا نجد هذا المكان الذي وُلدنا فيه وكبرنا وحلمنا وأحببنا، وكما يُعادي المكان هكذا هو يُعادي الإنسان، يُلاحقه في حياته يتحكّم بجسده فيوهنه ويُضعفه، ويُبدّل حيويّتَه بالندوب الجسدية والروحية فتبدو التجاعيد والعلامات المُنبِّهة لقُرب ساعة الغروب، ولا تُسعفه كلّ المَساحيق والمَساجات لتغطية فعل الزمن.

حتى بوذا عندما خرج من قصره وشاهد لأول مرة أشخاصا ظهرت عليهم أفعال الزمن من مرض وشيخوخة وفقر وموت صرخ قائلا:” أرى في كل مكان أثر التّغيير، لهذا السبب قد اغتمّ قلبي. يهرم الناس ويمرضون ويموتون، أليس هذا كافيا لهدم كلّ رغبة في الحياة؟”. ومثل بوذا فزع أبو العلاء المعري من قسوة الزمن وشدّة التدمير والتغيير الذي يُحدثه فصرخ قائلا: “تُحطّمنا الأيام حتى كأنّنا زجاج   ولكن لا يُعادُ له سبكُ”

محمود شقير الذي رافقناه في تنقّلاته ورحلاته واستراحاته بين الأمكنة التي زارها أو أقام فيها، مستريحا، هادئا، فرحا، سعيدا، متفائلا، راغبا في استمراريّة الحياة، واثقا من تحقيقه لآماله وأهدافه التي يسعى إليها، نراه في مشواره مع الزمن مُكابرا مُتظاهرا باللامُبالاة والشجاعة والتفاؤل، ولكنّنا نلحظه في قرارة نفسه يُضمر خوفا شديدا ورهبة من سطوة الزمن وغدره، وكأنه يعيش في حالات التّوجّس والتوقّع والحَسرة والارتباك. يحسب الثواني والدّقائق والساعات والأشهر والسنوات، ويهمس بحذرٍ خوفَ أنْ يسمعه أحد: ” بعد خمسة أشهر، في الخامس عشر من آذار 2019 أبلغ الثامنة والسبعين من العمر، هذا يعني أنّني قطعتُ شوْطا غير قليل في زمن الشيخوخة، وسأعطي نفسي الحقّ في تأمّل ما قاله الفيلسوف الروماني الأصل، إميل سيوران: “ليست الشيخوخة في النهاية إلّا القَصاص منكَ لأنّك عشتَ”.

وبعدها يكتب وفي نفس الصفحة: “في عام 2021 سأبلغ الثمانين، وأتذكّر الشاعر زهير بن أبي سلمى الذي قال: سئمتُ تكاليف الحياة ومَنْ يعشْ  ثمانين حَوْلا لا أبا لكَ يسأم”

ويُسارع ليُبعد كل اعتقاد خاطئ عند القارئ ليقول معلّقا على كلام سيوران بالاستشهاد بقول الكاتب الأمريكي هنري ميلار الذي قال: “وأنا في الثمانين أحكم على نفسي بأنّني أكثر مَرَحا ممّا كنتُ في العشرين أو الثلاثين”. وعلى كلام زهير بن أبي سلمى معلّقا “بأنّ الثمانين ليست بالكَثرة التي يُمكن أنْ تقود إلى السّأم”.

ويعود محمود شقير ليُنَبّه نفسَه “أغذّ الخطى نحو الثمانين..” ويؤكّد ” لم تعد رحلتي في الحياة قصيرة بعد كل هذه السنين”(ص33). هذه التّنبيهات اللاواعية الخَفيّة له تدفعه ليستعيد اللحظات الحاسمة التي كان المجهول يتربّصُ به عندما غادر بيته مُكرها مع أهله في تلك الليلة الضارية من صيف عام 1948.  ويُعدد المرّات التي كان يمكن أنْ يُفارق فيها الحياة. وكما فكّر بالموت المُحتَمَل فكّر بالأمراض التي ممكن أنْ تهاجمه والآلام التي تُرافقها.

هكذا يصبح الزمن الفزّاعةَ المُخيفة، والقيدَ الثقيل الذي يُكبّل حريّة وانطلاقَ وحتى تفكير محمود شقير، ومهما حاول الهربَ بالعودة إلى الماضي واستعادة الزمن الجميل الذي عاشه والأماكن المختلفة التي عرفها والناس الذين قابلهم فسرعان ما يعود للمُواجهة الحادّة مع الزمن المُلوّح له بشبح الموت المُنتظِر الذي رغم ما يُخيف الإنسانَ يظلّ هو المُنقذ له والمُحرّر من هموم الحياة وعذاباتها. فالموت هو النافذة التي يُعيد الرّبُّ عبرها الإنسانَ إلى مملكته بعد أنْ عاقبه بطرده من جنة الخلود ليُعاني شقاء الحياة الدنيا وقَيْد الزمن الثقيل لتمرّده وخروجه على تعاليمه، وأصبح الموتُ الذي حكم به الربُّ على كلّ حيّ طوقَ الحريّة والنّجاة من قيد الزمن وممارساته ضدّ الإنسان..

ويعود ليقول إنّه بعد كل تلك السنين “أدّعي أنّني لم أعد أخشى الموت” (ص37) وكأنّي بكاتبنا يُردّد مع اسبينوزا الذي دعا إلى عدم التفكير بالموت وعدم الاكتراث به أو المبالاة بقوله: ”إنّ الإنسان الحرّ لا يُفكّر في الموت إلّا أقلّ القليل، لأنّ حكمته في الحياة وليس الموت” رغم أنّ بعض الفلاسفة مثل شوبنهاور قالوا “إنّ الموت هو الموضوع الذي يُلهم الفلسفة والفلاسفة، وعدم اهتمام المفكرين بدراسة الموت فرار من مُواجهته”.

لكنّ صرير الزمن يظلّ يُطارد محمود شقير ويُصبح الثيمة المركزيّة التي تسيطر على تفكيره وتحرّكاته، فيعود ليعترف بأنّه “على أبواب الثمانين لم أعد أغادر البيت إلّا للضرورات” (ص38) ويكرّر “بعد سنتين وخمسة أشهر أبلغ الثمانين، وسأكون طوال تلك الأشهر والأسابيع والأيام في انتظار مرحلة عُمْرية لم أكن أتوقّع أنني سوف أصل إليها، يبدو لي أنّني سأصل إليها من دون إشكالات، فالمسافة بيني وبينها باتت قريبة. ولن أقرّ بأنّني عجوز طاعن في السن، كم أشعر باستياء حين اسمع مذيعا يُردّد في المذياع أو على شاشة التلفزيون بأنّ عجوزا في الستين أو السبعين تعرّض لحادث دَهْس من سيّارة مسرعة أو لإطلاق نار من جنود الاحتلال! فإنْ كان ابنُ الستين عجوزا، فماذا يمكن أنْ يُقال عن رجل سيبلغ الثمانين بعد وقت لن يطول؟ “ (ص40).

ويكتب:“أمضي نحو الثمانين من دون تلعثم أو ارتباك برغم التباسات الزمن”(ص57) ويقول “وأنا على أبواب الثمانين أتذكّر أنني أمضيتُ عمري وأنا مُنضبط مُنظم مُراقب لتصرّفاتي ومُمارساتي إلى حدّ غير قليل”(ص62) ويقول ”وأنا على أبواب الثمانين لن أحرص على الانضباط، سأتخلّف عن بعض المناسبات، سأبعثر الكتابة وسأترك للنصّ أنْ يتشظى على هواه” (ص63). ويقول “بعد سنتين وشهرين أي في الخامس عشر من آذار 2021 أبلغ الثمانين”(ص109).

وقال ”اليوم الجمعة الخامس عشر من آذار من عام 2019، عيد ميلادي الثامن والسبعون، بعد سنتين أبلغ الثمانين.” (ص116). “اليوم 15/3/2020 بلغتُ التاسعة والسبعين من العمر، وبعد عام أبلغ الثمانين”(ص181) و “سأمضي نحو الثمانين بثبات إنْ لم يدهمني مرض مفاجئ أو حادث سير، وسأواصل رحلة القراءة، وسأقلّل من حضور الندوات الثقافية ومناسبات الأعراس ولن أحتفل بعيد ميلادي كالمعتاد” (ص182)

هكذا يُصبح العدد “ثمانون” الفزّاعة التي تُطارده ويهرب منها ولا ينقطع عن التفكير فيها، وكأن شبح الموت يترصّده ليقبض على روحه ويُعيده إلى خالقه الرب لتقرير مصيره.

وقد حاول محمود شقير الخروج من أجواء الخوف والحزن والألم باستدعاء الماضي البعيد والقريب بما فيه من ساعات فرح وسعادة وذكريات جميلة وأماكن زارها وعاش فيها وناس عرفهم وعايشهم.

لكنّ الزّمن بكل ثقله وإلحاحه ومُثابرته وقسوته يُعيد بكاتبنا محمود شقير، ويُنبّهه إلى عقارب الساعة ومرور الزمن واقترابه من الثمانين من عمره مع كلّ ما تُثيره فيه هذه الثمانين من شجَن وخوف وشعور بالخسارة والفَقْد.

وكانت النهاية السعيدة

وعَبَر محمود شقير عيد ميلاده الثمانين وتَنفّس الصّعداء بعد تخلّصه من كابوس الموت القاتل وثقل طوق الزمن القابض وكتب:

 “شكرا لها من الأعماق تلك المغوية المعذِّبة، الرقيقة القاسية، المُفرحة المُحزنة: الحياة.

ثم كتب: هي، أي الحياة، رحلة مفتوحة على احتمالات شتّى، فيها الفرح وفيها الحزن، فيها الألم وفيها اللذة، لكنّها في نهاية المطاف محكومة بالخسارة ما دامت تنتهي على الصّعيد الشخصي بالموت.

لكنّه يؤكد على “أنّ عزاءنا نحن البشر الفانين يكمن في سَعينا، كلّ قدر طاقته، إلى إغناء مسيرة البشريّة نحو الرّقيّ والأمن والأمان والطمأنينة والازدهار والسلام.

ولكَ العزيز محمود شقير كلّ العُمر وكلّ السّعادة والفرح لإغناء حياتنا بعطائك الرّائع.