ما معنى أن تكوني امرأة في غزة

2024-07-03

| شوقية عروق منصور

كلما رأيت امرأة في غزة تصرخ، تبكي، تلهث، تركض خوفاً من القصف أو بحثاً عن أبن أو عن بقايا بيت أو عن أشلاء أجساد عالقة بين الركام، أو تصرخ من تعب وعدم القدرة على تحمل جوع أولادها وعطشهم، أنظر حولي وأشعر أن الحرائق تسري في دمي العاجز، والأدهى حين أرى رفاهية الأزياء النسائية وموضة قصات الشعر والجلسات والثرثرة والضحكات البلهاء وهذيان العبارات التي تشعرنا ان العالم بخير ولا يعكر صفوه سوى بعض هواة الألعاب النارية.

أما الحركات النسائية أو صاحبات الفساتين المضادة للوجع الإنساني فهن ما زلن يكتشفن أن الرجل ملطخ بالقسوة والذكورية ويشهقن دهشة من تعامله غير الحضاري مع الأنثى ولا ينتبهن إلى مفاتيح الحروب والغطرسة والجنون والموت الموجودة بين أصابعه.

عندما رأيت المرأة الغزاوية وهي جالسة خلف الخيمة تغسل ثياب أطفالها بقنينة ماء، نعم تريد ان تصنع معجزة النظافة بقطرات من الماء، نظرت إلى غسالتي الكهربائية التي تأخذ الماء من الحنفية الخاصة بها دون حساب، حيث يتعارك الماء مع الثياب ثم تقوم الغسالة بإلقاء الماء بحرية ودلال خارج الغسالة وتعيد الكرة عدة مرات دون اهتمام.

وتقسم المرأة الغزاوية أن قنينة الماء هذه خاصتها، لم تشربها بل قامت بإخفائها لغسل الثياب الوسخة والتي أصبحت رائحتها لا تطاق، لقد بقيت المرأة تعاني من العطش مقابل غسل الثياب.

أما تلك المرأة الغزاوية التي تجمع أوراق الشجر حتى تقوم بطبخها لأولادها لسد رمقهم، أو تفتش عن حفنة طحين تقوم بعجنها وتقديمها خبزاً لأولادها بعد أن تلم بقايا الأخشاب والأغصان - التي أصبحت نادرة - وتصنع من الحطب مواقد للخبز والطبخ .

لا تظن أن المرأة الغزاوية تلعب لعبة إيقاظ الزمن الماضي وصورة تراث الجدات، بل هي من طقوس الانتصار على الجوع والإصرار على تحدي الموت الذي يريد أن يسجل الأهداف في غزة.

لقد أصبحت أفواه الأبناء محطات موت من الجوع، حيث نسمع دقات ونبضات قلوب الأمهات اللواتي يعشن بين القصف والجوع، أما قضية توفير الطعام للأبناء فهي المشي على جمرات الألم كل لحظة، و"الموت جوعاً" عبارة ترافق الصراخ "قُتل وهو جوعان".

عندما قالوا الجوع كافر هناك من ضحك واعتبرها نكتة ساذجة في زمن الرفاهية، ولكن أمام أفواه الأطفال في غزة وانكسار ملامح وتجاعيد وجوه الأمهات التي تحولت إلى حفر يغطس فيها الخوف من القادم، وأصبح الجوع عنواناً كبيراً سيهز صفحات التاريخ غداً.

قالت امرأة غزاوية في هذا الحر الشديد أنا أرتدي عدة قطع من الثياب فوق بعضهم البعض حتى إذا قامت إسرائيل بالقصف المسعور واستشهدت لا تظهر قطعة من جسدي عندما يقومون بانتشالي من بين الأنقاض.

وصبية صغيرة قالت والدمع يترقرق في عينيها، هل تعرفين ما معنى أن تأتي الدورة الشهرية ولا نجد أمامنا الماء للتغسيل أو الفوط الصحية، وعلينا أن نتدبر أمورنا بأي طريقة ؟؟

أما غياب المراحيض والطوابير التي تقف فيها المرأة عدة ساعات لقضاء حاجتها فهو مهرجان الذل والدموع الصامتة التي يعجز أكبر المحللين النفسيين على تفسيرها.

وأتساءل ماذا تعمل المرأة الغزاوية الحامل والتي على وشك الولادة ؟ في غياب كل شيء من الرعاية العائلية إلى غياب غرف الولادة في المستشفيات؟ كيف ستقوم جدران الخيمة بحمايتها هي وطفلها من الأمراض؟ وكيف ستتصرف في الحر الشديد أو البرد الشديد؟ ومن سيقف إلى جانبها في الفوضى التي تنتعل الهروب من مكان الى مكان فجأة؟ وكيف ستحمل جسمها وأوجاعها وطفلها من نزوح إلى نزوح؟

والأقسى عندما تصرخ الأم وتردد " شفتو لما طلع مخه " بعد أن رأت مخ ابنها قد تطاير نتيجة رصاصة أو شظايا صاروخ أو قذيفة، ورغم ذلك تأمل من المحيطين به والذين يحاولون إسعافه أن يقوم ابنها من بينهم بسرعة وينادي عليها.

في مواثيق الانسان والإنسانية هناك عبارات وردية تمجد حياة وقيمة الانسان خاصة في العالم الغربي، ولكن حقيقة تلك العبارات خائنة تخون حروفها مع أنياب الرؤساء الذين يحاولون تغطية الدماء وأرقام القتلى بضحكاتهم.

لا أحد يعرف ما معنى أن تكوني امرأة في غزة ؟؟ أن تكوني جاهزة لكل شيء: الخوف والجوع والهروب والفقدان، ومهمة توفير الحنان والحضن الدافئ والتفهم لزوجها الغاضب أو والدها العاجز وشقيقها الحائر والحرص على المحيطين بها ونسيان مشاعرها كامرأة لها الحق أيضاً في الحياة.