2016-02-04

يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية 1

(الحلقة الاولى)

الكاتب: سعيد مضية

دلائل متعددة في واقعنا البائس تجسد مخاطر تكرار كارثة 1948-1949 . فالذي حدث آنذاك كارثة وليس نكبة، لاسيما وقد مهدت لوقائع وتناسلت نكبات صعب الخلاص منها أو تجنب عواقبها. ولكننا ، ونحن نعجز عن الإمساك بحاضرنا والتحكم في أحداثه نعجز في الوقت نفسه عن نحت التعبيرات الموضوعية للوقائع الموضوعية. فسلامة التعبير دلالة على سلاسة التفكير، مع استثناءات قليلة، كما يقول احد المفكرين العرب في عصرنا الراهن. واعوجاج الألسنة مثلما يحدث في العديد من الإدارات ينم، فى جانب لا يستهان به، عن الاعوجاج في الإدارة، والعوار في التفكير وعوار لاحق في التدبير.

أوجه الشبه بين الحاضر والماضي أن الغالبية الساحقة والمقررة بعد قرار التقسيم في 28 نوفمبر 1947 لم تفطن لما تدبره الحركة الصهيونية في فلسطين من مؤامرات مجازر وتهجير وصولا لدولة يهودية موسعة وبأقلية عربية ضئيلة غير معطلة . والذين أعانتهم الفطنة والتحليل الموضوعي فانتبهوا إلى أن القضية لم تعد محصورة في التقسيم او عدمه ، إنما انتقلت إلى وجوب إفشال مؤامرة تطهير عرقي تدعمها القوى الامبريالية وتعجز الأنظمة العربية المتداعية للنجدة عن ردع المتآمرين ؛ فاتهم اهل الفطنة بالخيانة وظل موقفهم يذكر بالغمز واللمز على مر العقود. اتخذت مؤامرة التطهير العرقي من البداية طابع العدوان العرقي المتواتر على الشعب الفلسطيني؛ لكننا، وبحكم سقم التفكير واصلنا إطلاق تعبير "الصراع" بين طرفين على العدوان الجاري عبر العقود المتتالية.

من ممهدات الكارثة أن الجبهة الفلسطينية تداعت مع اندلاع الحرب وعجزت عن التحكم بالأحداث. لم يكن ما جرى صراع كر وفر. اتضح عقم كل التقييمات للعدو وسفاهة تحليلاتها؛ إذ اشتطت في الاستهانة بالعدو والجهل بتدابيره المحكمة ومخططاته المبنية على تحليل علمي لتوازن القوى، وليس على التفكير الرغبي. فكان طبيعيا أن تأتي التطورات بما ينجم عادة عن الدخول ،بدون استعداد وتحضير، في الصدام العنيف او الانجرار كرها إليه.واظن ان التاريخ يعيد نفسه بسخرية مريرة او بفضيحة سيكون لها دوي عظيم.

فالقائمون على أمر فلسطين لاهون عما يخطط ويدبر رغم أنه سيتم على المكشوف لكنهم يدفنون الرؤوس بالرمال.تضيق رؤية قيادتي الكيانين الفلسطينيين، المتزاحمين حد تعطيل الحركة، عند منافع الأتباع والمريدين، تاركتين الجموع تهتف وتبايع بصورة تثير الغثيان وكل همها تحدي الكيان الآخر داخل البيت الفلسطيني. وتتدخل قوى خارجية متواطئة بمسوغ تخفيف وطاة الحصار لحمل كيان غزة بعيدا عن التفاهم مع كيان الضفة. وتتدخل عناصر عربية تعمل لحساب الموساد الإسرائيلي كلما أشرف الطرفان على اتفاق، ليعود التحدي المتبادل يقدم كل طرف دعائم لضلال الطرف المقابل وإسرافه في تحديه السخيف.

ينتقل الرئيس عباس فجاة من توصيف السلطة بلا سلطة والتهديد بحلها إلى التأكيد بأن السلطة إنجاز عظيم . ولا يحترم عقولنا ليشرح سر التحول. ليقال همسا إن سر التحول ينحصر في كون أبناء عائلة الرئيس وأقرباء كبار المسؤولين الآخرين في النظام الحالي، يتمتعون بامتيازات اقتصادية كثيرة يتهيب الرئيس عن التفريط بها. ولا يطمئننا ما يدحض الاتهام، واتهامات اخرى تتعلق بفساد السلطة. ونتيجة ذلك، تقول الإشاعات "فإن انهيار السلطة سيؤدي إلى مصيبة اقتصادية للقيادة الفلسطينية، بجانب الخوف من أن يكشف الحكم الجديد كل فساد الحكم السابق."

ويكتب الصحفي هاني المصري في عموده اليومي "جاء خطاب الرئيس محمود عباس مخيبًا للآمال، ليس بما ورد فيه فحسب، بل لتجنبه تقديم إجابة عن التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية وتوظيف الفرص المتاحة، فلم يشر الخطاب إلى آلية انتقال السلطة بعده، وكيفية تحقيق الوحدة الوطنية، ولا إلى توفير متطلبات استمرار الموجة الانتفاضية، وتطويرها، وتحويلها إلى انتفاضة شاملة ذات قيادة وأهداف محددة، جنبًا إلى جنب مقاطعة إسرائيل وملاحقتها على جرائمها، على كل المستويات والمحافل الدولية".

ومن صحيفة هأرتس الإسرائيلية تأكيد مراسلها العسكري، هارئيل، بأن "رام الله حالياً كفقاعة سياسية واقتصادية منقطعة عن الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه السكان في مناطق أخرى من الضفة المحتلة، فضلاً عن قطاع غزة".

نظرا لكل هذه الإرباكات وتلاوين العجز فإن الفطنة غائبة لرصد تراكمات القوة والاندفاع المحسوب في نهج نتنياهو التهويدي والاستيطاني ومآلات النهج المتبع لدى الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل الليكودية. الخطابات المتتالية ترفض إجراءات الاحتلال، متجاهلة أن إسرائيل تسقط من اعتبارها بل تهمل رفض القيادة الفلسطينية والأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي، طالما تساندها بلا تحفظ الإدارات الأميركية المتعاقبة. ومساندة الإدارات الأميركية مسنودة برأي عام اميركي معبأ ويجري شحنه باستمرار ضد الشعب الفلسطيني خاصة والعرب عامة.

رصد أحد الواجفين التعبئة والشحن لصالح العدوان الإسرائيلي وامعانه في تحدي القانون الدولي الإنساني والقرارات الدولية المتعاقبة، وذلك في بحث متعمق في جذور الحركة الصهيونية وروافدها داخل المجتمع الأميركي ، فيخرج بخلاصة تقول "تتمظهر الحرب على الإرهاب حرب المسيحية ضد الإسلام والعرب". هذا ما خلص اليه البروفيسور ميشيل ويلتون الأستاذ بجامعة أثاباسكا الكندية

المعروف ان الحرب على الإرهاب أعلنها الرئيس الأميركي بوش مباشرة إثر تفجيرات 11 أيلول 2001، والتي تتعزز الشبهات بأنها من تدبير الموساد والسي آي إيه، أو على الأقل، وهذا من المؤكد بالقرائن أن الموساد عرف مسبقا بخطة التفجيرات وراح يراقب تنفيذها.

والحرب على الإرهاب ذريعة لخلق وضع جديد يمنح ممثلي الاحتكارات رخصة شن الحروب لفرض القرن الأميركي الجديد. يجمل البروفيسور ويلتون احد مؤتمرات الصهاينة المسيحيين بعد التفجيرات على النحو التالي: استهل اجتماع المؤتمرين بتحية من البيت الأبيض، ثم اعتلى المنبر توم ديلي الشخصية النافذة بين الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي وسألهم " هل سئمتم من هذا الكلام؟"، وجاءه الرد الجماعي "كلا". وواصل الخطابة : لن تسأموا وانتم تقفون بجانب اليهود والمسيح. هذا مؤكد. تبعه على المنصة بات روبرتسون ، آحد صقور المحافظين الجدد ومؤسس ائتلاف المسيحيين من اجل اليهود، فركز على مخططات العرب لإلقاء اليهود في البحر وعلى جرائم عرفات و"عصبته الأوباش".

يقول البروفيسور الباحث إن ألح القضايا التي تواجهنا نحن العلمانيين اليساريين( بمن فيهم انا الذي كنت انجيليا قبل خمسة وثلاثين عاما) لا يستطيعون إغماض العيون عن حقيقة رؤية ملايين الأميركيين لأحداث العالم من خلال عدسات النبوءات التوراتية. لن تحدث حرب بوش ضد الإرهاب وغزو العراق لو لم يتثقف شطر كبير من الأميركيين ويتكيف للتجاوب مع تأثيرات المسيحية الأصولية التي اكتسحت قلوب الأميركيين وعقولهم، حين ارتجفت إثر سقوط البرجين في أيلول 2001. فلابد من الإقرار أن الصهاينة المسيحيين يقرأون الأخبار اليومية امارات للتأثير المباشر من جانب الرب في احداث التاريخ وخاصة العالم المعاصر. إنهم لا يفصلون قصص الخرافات حول معنى الحياة وتدخل الإله في حيواتنا وبين استخدام العقل لتنظيم شئوننا؛ ليخلص الباحث في نهاية بحثه المنشور في الثامن من كانون ثاني، إلى التاكيد بان التحقيب –أبرز أفكار المسيحية الأصولية - حكاية خرافية اخترعها بشر باتوا يشكلون مصدر عناد الليكوديين في إصرارهم على التهويد ونهب الأرض لأغراض التوسع الاستيطاني في كامل الضفة الغربية.

المسيحيون الأصوليون والمحافظون الجدد والصهاينة المسيحيون تعبيرات لحركة واحدة فمن هم وبماذا يؤمنون؟ تساءل ميشيل ويلتون، واجاب: المسيحيون الأصوليون حركة إنجيلية نشأت في بريطانيا تبنت مفاهيم الحركة الصهيونية وكامل أهدافها في فلسطين، بما في ذلك بناء الهيكل على انقاض الأقصى وقبة الصخرة كشرط لا بد منه بعد هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم فيها. ولذا حملت المسيحية الأصولية تسمية الصهيونية المسيحية. جاء تفصيل الحلم الصهيوني من قبل الصهاينة المسيحيين لعدة سنوات قبل تشكل الحركة الصهيونية. فقد نشر البيوريتان أثناء استيطانهم في الأرض الجديدة أنهم يتتبعون خطى العبرانيين ضد أعدائهم؛ روج المستعمرون البيض لأمريكا خرافة الحضارة التي تبنى من خلال جريمة إبادة الشعب المغلوب على امره والخارج من التاريخ. ولذلك بات من السهل تلقين الأميركي العادي بعدالة المشروع الصهيوني بفلسطين بمنطوياته الإجرامية!

يتبع...